التصوير الفني في القرآن (3)

تجسيد المعاني.. من الذهن إلى الصورة

الأستاذ سيد قطب

28 فبراير 2026

201

التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن؛ فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية؛ وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور؛ وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية. ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة؛ وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد؛ وإذا النموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية. فأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر، فيردها شاخصة حاضرة؛ فيها الحياة، وفيها الحركة؛ فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل. فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة؛ وحتى ينقلهم نقلًا إلى مسرح الحوادث الأول، الذي وقعت فيه أو ستقع؛ حيث تتوالى المناظر، وتتجدد الحركات؛ وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى، ومثل يضرب؛ ويتخيل أنه منظر يعرض، وحادث يقع. فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو؛ وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات، المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الحوادث؛ وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة، فتنم عن الأحاسيس المضمرة.

إنها الحياة هنا، وليست حكاية الحياة.

فإذا ما ذكرنا أن الأداة التي تصور المعنى الذهني والحالة النفسية، وتشخص النموذج الإنساني أو الحادث المروي، إنما هي ألفاظ جامدة، لا ألوان تصور، ولا شخوص تعبر، أدركنا بعض أسرار الإعجاز في هذا لون من تعبير القرآن.

والأمثلة على هذا الذي نقول هي القرآن كله، حيثما تعرض لغرض من الأغراض التي ذكرناها؛ حيثما شاء أن يعبر عن معنى مجرد، أو حالة نفسية، أو صفة معنوية، أو نموذج إنساني، أو حادثة واقعة، أو قصة ماضية، أو مشهد من مشاهد القيامة، أو حالة من حالات النعيم والعذاب؛ أو حيثما أراد أن يضرب مثلاً في جدل أو محاجة، بل حيثما أراد هذا الجدل إطلاقًا، واعتمد فيه على الواقع المحسوس، والمتخيل المنظور.

وهذا هو الذي عنيناه حينما قلنا: "إن التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن". فليس هو حلية أسلوب، ولا فلتة تقع حيثما اتفق. إنما هو مذهب مقرر، وخطة موحدة، وخصيصة شاملة، وطريقة معينة، يفتن في استخدامها بطرائق شتى، وفي أوضاع مختلفة؛ ولكنها ترجع في النهاية إلى هذه القاعدة الكبيرة: قاعدة التصوير.

ويجب أن نتوسع في معنى التصوير، حتى ندرك آفاق التصوير الفني في القرآن. فهو تصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالتخييل؛ كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل.

وكثيرًا ما يشترك الوصف، والحوار، وجرس الكلمات، ونغم العبارات، وموسيقى السياق، في إبراز صورة من الصور، تتملاها العين والأذن، والحس والخيال، والفكر والوجدان.

وهو تصوير حي منتزع من عالم الأحياء، لا ألوان مجردة وخطوط جامدة. تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات، بالمشاعر والوجدانات؛ فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية، أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة.

والآن نأخذ في ضرب الأمثال:

ونبدأ بالمعاني الذهنية التي تخرج في صورة حسية:

1- يريد أن يبين أن الذين كفروا لن ينالوا القبول عند الله، ولن يدخلوا الجنة إطلاقًا، وأن القبول أو الدخول أمر مستحيل. هذه هي الطريقة الذهنية للتعبير عن هذه المعاني المجردة. ولكن أسلوب التصوير يعرضها في الصورة الآتية:

(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ).

ويدعك ترسم بخيالك صورة لتفتح أبواب السماء، وصورة أخرى لولوج الحبل الغليظ في سم الخياط؛ ويختار من أسماء الحبل الغليظ اسم "الجمل" خاصة في هذا المقام؛ ويدع للحس أن يتأثر عن طريق الخيال بالصورتين ما شاء له التأثر، ليستقر في النهاية معنى القبول ومعنى الاستحالة، في أعماق النفس، وقد وردا إليها من طريق العين والحس -تخييلًا- وعبرا إليها من منافذ شتى، في هينة وتؤدة، لا من منفذ الذهن وحده، في سرعة الذهن التجريدية.

2- ويريد أن يبين أن الله سيضيع أعمال الذين كفروا كأن لم تكن قبل شيئًا، وستضيع إلى غير عودة فلا يملكون لها ردًّا، فيقدم هذا المعنى مصورًا في قوله: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).

ويدعك تتخيل صورة الهباء المنثور، فتعطيك معنى أوضح وآكد، للضياع الحاسم المؤكد.

3- أو يرسم هذه الصورة المطولة بعض الشيء لهذا المعنى نفسه: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ).

فتزيد الصورة حركة وحياة، بحركة الريح في يوم عاصف، تذرو الرماد وتذهب به بددًا، إلى حيث لا يتجمع أبدًا.

4- ويريد أن يبين للناس أن الصدقة التي تبذل رياء، والتي يتبعها المن والأذى، لا تثمر شيئًا ولا تبقى. فينقل إليهم هذا المعنى المجرد، في صورة حسية متخيلة على النحو التالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا).

ويدعهم يتملون هيئة الحجر الصلب المستوي، غطته طبقة خفيفة من التراب، فظنت فيه الخصوبة؛ فإذا وابل من المطر يصيبه؛ وبدلاً من أن يهيئه للخصب والنماء -كما هي شيمة الأرض حين تجودها السماء- إذا به -كما هو المنظور- يتركه صلدًا؛ وتذهب تلك الطبقة الخفيفة التي كانت تستره، وتخيل فيه الخير والخصوبة.

ثم يمضي في التصوير لإبراز المعنى المقابل لمعنى الرياء، ومعنى الذهاب بالصدقة التي يتبعها المن والأذى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ).

فهناك الوجه الثاني للصورة، والصفحة المقابلة للصفحة الأولى، فهذه الصدقات التي تنفق ابتغاء مرضاة الله، هي في هذه المرة كالجنة، لا كحفنة من تراب؛ وإذا كانت حفنة التراب هناك على وجه صفوان، فالجنة هنا فوق ربوة؛ وهذا هو الوابل مشتركًا بين الحالتين، ولكنه في الحالة الأولى يمحو ويمحق، وفي الحالة الثانية يربي ويخصب. في الحالة الأولى يصيب الصفوان، فيكشف عن وجه كالح كالأذى؛ وفي الحالة الثانية يصيب الجنة، فيمتزج بالتربة ويخرج "أكلاً". ولو أن الوابل لم يصبها، فإن فيها من الخصب والاستعداد للإنبات، ما يجعل القليل من المطر يهزها ويحييها! "فإن لم يصبها وابل فطل".

ولا أريد أن أتعرض هنا لذلك التناسق العجيب في جو الصورة، وفي تماثل جزئياتها، وفي توزيع هذه الجزئيات على الرقعة فيها؛ حيث يكون الصفوان تغشيه طبقة خفيفة من التراب، مثلاً للنفس المؤذية تغشيها الصدقة تبذل رياء "والرياء ستار رقيق يخفي القلب الغليظ"، وحيث توضع الجنة فوق ربوة، في مقابل الحفنة من التراب فوق الصفوان... فهذا التقسيم والتوزيع، وهذا التقابل والتنسيق، متروك كله إلى فصل سيجيء من فصول هذا الكتاب.

5- ثم يعود إلى ذلك المعنى مرة أخرى فيقول: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ).

فيرسم صورة الحرث تأخذه الريح فيها برد يضرب الزرع والثمار فيهلكها، فلا ينال صاحب الحرث منه ما كان يرجو بعد الجهد فيه، كالذي ينفق ماله وهو كافر، ويرجو الخير فيما أنفق، فيذهب الكفر بما كان يرجوه.

ولا يفوتنا ما في جرس كلمة "صر" من تصوير لمدلولها، وكأنما هو قذائف صغيرة تنطلق على الحرث فتهلكه. وذلك لون من التناسق، سنعرض له كذلك في فصله الخاص.

6- ويريد أن يبرز معنى: أن الله وحده يستجيب لمن يدعوه، وينيله ما يرجوه؛ وأن الآلهة التي يدعونها مع الله لا تملك لهم شيئًا، ولا تنيلهم خيرًا، ولو كان الخير قريبًا؛ فيرسم لهذا المعنى هذه الصورة العجيبة: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ).

وهي صورة تلح على الحس والوجدان، وتجتذب إليها الالتفات، فلا يستطيع أن يتحول عنها إلا بجهد ومشقة؛ وهي من أعجب الصور التي تستطيع أن ترسمها الألفاظ: شخص حي شاخص، باسط كفيه إلى الماء، والماء منه قريب، يريد أن يبلغه فاه، ولكنه لا يستطيع، ولو مد يده فربما استطاع!

7- ويبين أن الآلهة الذين يعبدون من دون الله، لا يسمعون ولا يجيبون؛ لأنهم لا يعون ولا يتبينون، وأن دعاء عبادهم لهم عبث لا طائل وراءه؛ فيختار صوراً تبين هذا المعنى، وتجسم هذه الحالة، وتلمس الحس والنفس بأقوى مما تلمسهما العبارات العادية عن المعاني الذهنية: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ).

هكذا ينعق الكفار بما لا يسمع، وينادون ما لا يفهم، فلا يصل إليه من أصواتهم إلا دعاء مبهم، ونداء لا يفهم. فهؤلاء الآلهة لا يميزون بين الأصوات ولا يفهمون مراميها، وهذا مثل، ولكنه صورة شاخصة. صورة جماعة يدعون آلهة تصل إليها أصواتهم مبهمة، فلا تفهم مما وراءها شيئًا؛ وفيها تتجلى غفلة الداعين وعبث دعوتهم، بجانب غفلة المدعوين واستحالة إجابتهم!

8- ويريد أن يجسم ضعف هؤلاء الآلهة، أو الأولياء من دون الله عامة، ووهن الملجأ الذي يلجأ إليه عبادهم حين يحتمون بحمايتهم، فيرسم لهذا كله صورة مزدوجة: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).

فهم عناكب ضئيلة واهنة، تأوي من حمى هؤلاء الآلهة أو الأولياء إلى بيت كبيوت العنكبوت أوهن وأضأل، {إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ}؛ ولكنهم لا يعلمون حتى هذه البديهية المنظورة، فهم يضيفون إلى الضعف والوهن، جهلاً وغفلة، حتى ليعجزون عن إدراك البديهي المنظور.

9- ويريد أن يبين أن الذي يشرك بالله، لا منبت له ولا جذور، ولا بقاء له ولا استقرار، فيمثل لهذا المعنى بصورة سريعة الخطوات، عنيفة الحركات: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ).

هكذا في ومضة، يخر من السماء من حيث لا يدري أحد، فلا يستقر على الأرض لحظة. إن الطير لتخطفه، أو إن الريح لتهوي به.. وتهوي به في مكان سحيق! حيث لا يدري أحد كذلك! وذلك هو المقصود.

10- ويريد أن يثبت معنى الحرمان والإهمال في الآخرة لهؤلاء الذين أعطاهم الله الكتاب من قبل الإسلام فأهملوه، وعاهدهم على الإيمان فعاهدوه، ثم أخلفوه، ابتغاء نفع مادي قليل، شأن من لا عهد له، ولا احترام لكلمته، فيرسم لهذا الإهمال المعنوي صورة حسية: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

فيوضح معنى الإهمال لا بألفاظ الإهمال، ولكن برسم الحركات الدالة عليه: لا كلام، ولا نظر، ولا تزكية، وإنما عذاب أليم.

 


اقرأ أيضاً:

منبع السحر في القرآن

كيف فُهم القرآن؟ 

الهوامش
  • 1 مأخوذ من كتاب «التصوير الفني في القرآن» للكاتب (بتصرف في عنوان الحلقة).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة