قصة «أصحاب الأخدود».. قراءة في معادلة النصر وتحقيق غاية الخلق
هذه القصة لا
تقرأ كحدث انتهى بمأساة موت المؤمنين في الأخدود، بل كمعادلة متكاملة أطرافها، فهي
تخالف المنطق البشري بتصويرها أن النصر ليس دائماً لمن قتل وأباد، بل لمن ثبت على
الحق وانتصرت عقيدته عبر الزمن،
وإذا جردنا
القصة من سياقها التاريخي إلى المقصد الإلهي الأكبر؛ وهو غاية الخلق المذكور في
الآية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56)، فإنه يتجلى ذلك واضحاً في تحرر البشرية من عبادة
الطغيان إلى عبادة الله، فقد قدموا أنفسهم رخيصة لتحقيق أسمى معنى للعبودية، فهي
رحلة في أعماق الصبر الجماعي وروح التضامن والأخوة في الإيمان التي أعلنت للبشرية
جمعاء أن النار التي أحرقت أجسادهم لم تحرق عقيدتهم، وأن المؤمنين اشتروا الجنة
بجمر اليقين فارتقوا إلى عليين.
وهذه بعض
الفوائد والعبر سقتها في نقاط مستخلصة من قصة هذه الجماعة المؤمنة، لتكون مناراً
للعابرين ومرشداً للتائهين، وتخفيفاً للمستضعفين من المسلمين:
أولاً: خلد
القرآن ذكر هذه القصة في ختام كتبه المنزلة ليتلى إلى يوم القيامة، ويكون شاهداً
على فلاح هذه الثلة رغم ما لاقوه من إبادة وحرق.
ثانياً: في
قصتهم رسالة من الله للمؤمنين بأنه مهما بلغ المجرمون من أفعال شنيعة وإبادات
بحقكم من أجل التوحيد وإقامة شعائره وتعتيم إعلامي ممنهج، فإن ذكركم وقصتكم خالدة
عند الله وفي أعلى مقام.
ثالثاً: أوجز
القرآن في هذه القصة أن الغاية والهدف من الخلق تحقَّق كاملاً غير منقوص في قصة
أصحاب الأخدود، فلا يتصور المرء أن الإبادة عطلت غاية الخلق، فالغاية تحقيق «لا إله
إلا الله»، وقد تحققت هنا، وهذا يعطي معنى آخر لتحقيق الغاية؛ فقد ظن الكثير أن
تحقيق «لا إله إلا الله» فقط بالحياة والخوض في مساراتها والدعوة إليها وبناء
العمران وإقامة الحضارات.
رابعاً: في قصة
أصحاب الأخدود تصوير لنسبة تحقق النصر في الأرض، فمعظم القصص انتهت بعد استضعاف
المؤمنين بالنصر والغلبة والتمكين في الأرض، لكن قصة أصحاب الأخدود هي الوحيدة
التي انتهت بهذه النهاية؛ ليعلم المرء أن يضع في حسبانه هذا الاحتمال مهما بلغ من إعداد
القوة والتجهيز بأنه قد يؤول الأمر إلى الإبادة الكاملة؛ فيشهد القرآن له بتحقيق
الغاية، ولكن عن طريق الشهادة وليس النصر، فإحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة.
خامساً: اسم
الله «الودود» في هذه السورة لم يذكر إلا في موضعين في القرآن، هما: في سورة «البروج»
قال الله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) (البروج: 14)، وفي سورة «هود»: (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود: 90).
ولذكر اسم «الودود»
دلائل كثيرة؛ فمعناه باللغة العربية أقصى درجات المحبة، وذكره في سورة «البروج»
واقترانه مع اسم الله الغفور، يشير إلى معنى أنكم أيها المؤمنون المضحون المبادون
لكم أقصى درجات المحبة من ربكم، فلا تظنوا ما يفعل بكم أنكم هنتم على الله، ولكنها
سُنة الله جارية في الكون ليميز الخبيث من الطيب.
واسم الله «الغفور»
رسالة إلى كل من تمادى وتجبر وأسرف على نفسه وعلى غيره، فلا جرم أكثر من إبادة شعب
كامل من أجل قول: «لا إله إلا الله»؛ أن الله يغفر الذنوب جميعاً إذا أقبلت عليه
واعترفت بجرمك وندمت، فكان اسم الله «الغفور» خطاباً لأشد الناس جرماً وقسوة
وجبروتاً، وكان اسم الله «الودود» خطاباً لأكثر الناس مظلومية وتضحية من المؤمنين.
وقصة أصحاب
الأخدود صورت هذين النقيضين من البشر؛ أما ذكر اسم الله الودود في سورة «هود»؛
وذلك لأن سورة «هود» شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «شيبتني هود
وأخواتها»؛ من صعوبة ما ذكر فيها من قصص، خاصة التفصيل المؤلم لقصة سيدنا نوح
وابنه، فكان اختصاص ذكر الموضع الآخر لاسم الله «الودود» في هذه السورة إشارة إلى
أقصى درجات المحبة من الله لعباده رغم كل ما يفعلونه من جحود ونكران وتجبر، ورغم
كل ما يلاقونه المؤمنون من استضعاف وتشريد وهجرة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً