لماذا أوقف ترمب غاراته على الحوثيين؟ قراءة في الدوافع

أمنية عمر

08 مايو 2025

424

لماذا أوقف ترمب غاراته على الحوثيين؟ قراءة في الدوافع

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن وقف الغارات الجوية الأمريكية ضد الحوثيين في اليمن، بعد أن وافقت الجماعة على التوقف عن مهاجمة السفن الأمريكية والتجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

إعلان ترمب عن وقف إطلاق النار جاء أثناء اجتماع في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، حيث قال ترمب عن الحوثيين: «قالوا: من فضلكم، توقفوا عن قصفنا، ولن نهاجم سفنكم، وسأقبل بوعدهم، وسنوقف قصف الحوثيين فورًا»، فيما أكد قادة جماعة الحوثي في أكثر من تصريح أن الاتفاق لا يشمل الهجمات ضد «إسرائيل».

من جانبه، قال وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، في بيان: بعد المناقشات والاتصالات الأخيرة، بهدف خفض التصعيد، أسفرت الجهود عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين، هذا الاتفاق تم بوساطة سلطنة عُمان، ويهدف إلى تأمين حرية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية.

السؤال هنا: لماذا عقد ترمب هذا الاتفاق؟

للإجابة عن سؤال وقف إطلاق النار، لا بد أن نفهم رؤية ترمب للعالم ابتداء، ففي كتابه «The art of the deal»، يستعرض ترمب نفسه هذه الرؤية، فالعالم عنده كرجل أعمال لا يعدو مجموعة صفقات؛ لذا فهو يتعامل بمنطق الربح والخسارة الماديين، يبحث عن الصفقات الكبرى والمربحة دائمًا، ويفضل الأرباح الملموسة كالمال والأملاك والنفوذ ولا تعنيه بالضرورة التأثيرات غير المادية أو الاعتبارات الإنسانية؛ لذا فإنه لا يعنيه مقتل مئات اليمنيين، ولا قصف مركز للمهاجرين الأفارقة، لكن يدفعه للتراجع سقوط 7 طائرات أمريكية من طراز «M-Q9» بملايين الدولارات، أو اختفاء طائرات من على سطح حاملة الطائرات «ترومان».

ومن جهة أخرى، في إطار السعي لصفقة أفضل، فإن إدارة ترمب تسعى للوصول لعقد اتفاق مع الإيرانيين لاحتواء طموحاتهم النووية، وبما أن إيران الراعي العسكري الرئيس للحوثيين، فإن اتفاق كهذا يصب في مصلحة عقد هذا الاتفاق.

أمريكا أولًا

جاء وقف إطلاق النار انتصارًا لسياسة «أمريكا أولًا»، على حد تعبير الرئيس الأمريكي ترمب، يعود تاريخ شعار «أمريكا أولًا» لبدايات القرن العشرين، حيث ظهر أول مرة خلال الحرب العالمية الأولى، وروج له كشعار يحمي المصالح الأمريكية من التورط في شعارات لا تخصها، عاد الترويج للشعار مرة أخرى أثناء الحرب العالمية الثانية؛ لرفض دخول أمريكا الحرب ضد ألمانيا النازية، خفت استخدام الشعار منذ ذلك الحين، لكن ترمب أحيا موات «أمريكا أولًا» مرة أخرى في حملته الرئاسية الأولى عام 2016م.


«طوفان الأقصى» تكشف زيف شعار «أمريكا أولاً»! |  Mugtama
«طوفان الأقصى» تكشف زيف شعار «أمريكا أولاً»! | Mugtama
مصلحة دولة الاحتلال لها الصدارة، وليس «أمريكا أولاً»، كما تدعي الإدارة الأمريكية
www.mugtama.com
×


تمثل سياسة «أمريكا أولاً» رؤية للسياسة الخارجية والداخلية الأمريكية التي تعطي الأولوية للسيادة والمصالح الوطنية والاكتفاء الذاتي الاقتصادي، وتهدف قبل كل شيء إلى إعادة هيكلة اتفاقيات التجارة العالمية والدفاع والعلاقات الدبلوماسية بطرق يُزعم أنها تعود بالنفع على الولايات المتحدة قبل كل شيء، وتدعم هذه السياسة موقفًا انعزاليًا يدعو إلى تقليل المشاركة الأمريكية في الاتفاقيات والمنظمات الدولية، التي يعتقد أنها تقوض المصالح الأمريكية.

لذا، صرح وزير الخارجية الأمريكي الحالي مارك روبيو: كل دولار ننفقه، وكل برنامج نموله، وكل سياسة ننتهجها يجب أن تُبرَّر بإجابة أحد الأسئلة الثلاثة التالية: هل يجعل أمريكا أكثر أمانًا؟ هل يجعله أقوى؟ أم يجعله أكثر ازدهارًا؟

لذا، فقد انتزعت الولايات المتحدة نفسها من الصراع مع الحوثي لكنها لم تنهه، ولا يوجد ما يشير إلى أن الحوثيين سينهون هجماتهم على السفن الغربية أو الهجمات على «إسرائيل»، لكن هذا قد لا يعني ترمب طالما هناك صفقة أفضل يسعى لها الآن.

 

ترمب.. العنف المبكر! |  Mugtama
ترمب.. العنف المبكر! | Mugtama
«الحروب قتلت أطفالاً وأبرياء، وبوصولي للبيت الأبي...
www.mugtama.com
×


البرجماتية السياسية

المتأمل في وقف إطلاق النار مع الحوثيين، أو في مذبحة غزة المستمرة لما يقارب العامين، أو السودان، أو حتى تصعيد اليوم ما بين الهند باكستان يدرك مدى جرم ألا ينظر لكل شيء في العالم إلا كوسائل لتحقيق الأهداف والغايات، هذا العقل الأداتي الذي يدير العالم يعتبر حتى الإنسان وسيلة، وآلاف الشهداء تكلفة جانبية، لا قيمة لها سوى بقدر ضغطها لعقد اتفاق سياسي برجماتي.

هذا النموذج البرجماتي المسيطر على عالم السياسة اليوم ينفي الأخلاق والمبادئ والعدالة، ويحوله مجالًا تقنيًا بحتًا لإدارة السيطرة والنفوذ، ومن ثم بات عالمنا عالماً من القوة الباطشة، يحكمه الخوف لا العدل، يفعل الأقوياء ما يشاؤون، بينما يعاني الضعفاء ويلات بطش الأقوياء.

لذا، فمن أوقف إطلاق النار مع الحوثيين هو نفسه من يمطر أهل غزة بقنابله فتفتك أجسادهم، وغايته في كلا الحالتين واحدة مصلحته أولًا، وليحترق العالم من بعدها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة