معبد الإلحاد يهتز (20)
هل الزمان أزلي؟
تنتشر الشكوك
كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل، ويواجه كثير من الشباب المسلم شبهات تبدو
للوهلة الأولى قوية وعميقة: «إذا كان الله خلق الزمان، فكيف فعل ذلك دون زمان
سابق؟»، «التغيّر يعني زمناً، فهل يتغير الله أم الزمان أزلي معه؟»، «كيف نصل إلى
هذه اللحظة من أزل لا بداية له؟».
هذه الأسئلة -التي
تُبث في مقاطع قصيرة جذابة على وسائل التواصل الاجتماعي، تُصوَّر كتناقض يهز أركان
الإيمان بالله الخالق المتعالي عن الزمان والمكان.
لكن الحقيقة
أعمق وأعظم: الإيمان بالله الواحد الأحد الصمد لا يصطدم بهذه الشبهات، بل يتجاوزها
ويكشف هشاشتها، فالله سبحانه ليس كالمخلوقات، ولا يُقاس بمقاييسها، ولا يحيط به
زمان أو مكان.
والشبهة لا تنقض
العقيدة الإسلامية الصحيحة، بل تنقض تصورًا بشريًا مشوهًا عن الله عزَّ وجل لم يقل
به أهل التوحيد يومًا، والعقل السليم مع نور القرآن الكريم وشهادة العلم الحديث،
يؤكد أن الزمان مخلوق حادث، وأن الخالق منزه عن الخضوع له، فتزداد القلوب
اطمئنانًا ويقينًا.
نص الشبهة
«يقولون: إن
الله خلق الزمان وخلق المكان وإنه قبل الخلق لم يكن هناك قبلٌ أصلاً ولكن ما هو
الزمان؟ أليس هو تغيّر الأحداث وتحوّل من حالٍ إلى حال، فإن كان الله أزلياً غير
ساكن بل فاعلًا مريدًا، فالأفعال تغير، والتغير زمن، فكيف يقال: إنه خلق الزمان
وإن كان الزمان ملازماً لأزليته فكيف وصلنا إلى هذه اللحظة.
فمن كان في
الأزل لا بداية له لا يمكنه أن يصل إلى لحظتنا الآن وإن لم تكن هناك أحداث قبل
الخلق فكيف تحرك السكون؟ ومن رجّح فعل الحركة على الجمود؟ أليس أول فعل هو بداية
الزمان؟ فمن بدأ الحركة إن لم يكن قبلها حركة؟
فإن قيل إرادة
الله تغيرت من السكون إلى الفعل. قلنا التغير يعني وجود قبل وبعد أي زمن وإثبات
التغير في الذات الإلهية ينقض كمالها ويدخل الزمان في صميمها فكيف تكون خارجة عنه.
إما أن يكون
الزمان أزليا فيبطل القول بأنه مخلوق، أو أن السكون لا يمكن أن يلد حدثاً بلا محرك
زمني وفي الحالتين تنهار فكرة خلق الزمان من لا زمان».
الرد على الشبهة
أولاً: الخطأ الجذري في تعريف الزمان:
تبدأ الشبهة
بخلل أساسي؛ تعريف الزمان بأنه «تغيّر الأحداث وتحول من حال إلى حال»، هذا التعريف
ناقص وغير دقيق علميًا، الزمان ليس عين التغيّر، بل إطار قياسه وترتيبه، كما أن
المكان ليس الجسم، بل ما يحلّ فيه الجسم، التغيّر يقع في الزمان، لا أنه هو الزمان
نفسه، فلو كان الزمان هو التغيّر ذاته، لاستحال الحديث عن تغيّرات متزامنة، أو
تسلسل قبل وبعد، أو درجات السرعة والبطء، هذا التناقض المنطقي المباشر يكفي
لانهيار أول دعامة في بناء الشبهة.
الفيزياء
الحديثة -في إطار الزمكان- تؤكد أن الزمان بُعد مستقل يُقاس بالتغيّرات (كدوران
الأرض أو نبض الساعة الذرية)، لكنه لا يختزل إليها، بل يحتويها.
ثانياً: الفصل بين الصفة الأزلية ومتعلقها الحادث:
تقع الشبهة في
خلط فادح بين اتصاف الله تعالى بالإرادة الأزلية، وحدوث متعلق الإرادة (الخلق)،
الإرادة صفة أزلية كاملة في الذات الإلهية، أما الفعل المراد فحادث في وقته المعين،
كما أن العلم الأزلي لا يتغير بحدوث المعلوم الحادث، كذلك الإرادة الأزلية لا
تتغير بحدوث المراد، الله عزَّ وجل لم ينتقل من «عدم الفعل» إلى «الفعل»، بل أراد
أزلًا أن يوجد الكون في اللحظة التي أرادها، هذا التمييز أساسي عند أهل السُّنة،
وقد أوضحه الإمام الغزالي في «تهافت الفلاسفة» بأن الإرادة الأزلية تتعلق بحدوث
الشيء في وقته دون تجدد أو تغير في الإرادة ذاتها.
ثالثاً: وهْم «السكون ثم الحركة»:
السؤال «كيف
تحرك السكون؟» مبني على إسقاط صفات الأجسام على الذات الإلهية، الله لا يوصف بسكون
ولا بحركة، لأن هذه أعراض المخلوقات المادية؛ لأنه سبحانه هو المحرّك غير
المتحرّك، يُحدث التغيّر في الكون دون أن يتغير هو، وافتراض «سكون سابق» يفترض
زمانًا سابقًا، وهو ما ننفيه ابتداءً، فيقع الملحد في دور منطقي فاسد.
رابعًا: بداية الزمان مع أول المخلوقات:
أول فعل مخلوق
هو بداية الزمان المخلوق، فالزمان لا يوجد مستقلاً ينتظر الخلق، بل ينشأ مع
الحوادث، والسؤال «ماذا قبل الزمان؟» سؤال فاسد التركيب، كسؤال «أين كان المكان
قبل المكان؟».
وعليه يكون طلب
«قبل» للزمان يستلزم زمانًا آخر يحتويه، فيتسلسل إلى ما لا نهاية، وهو محال عقلي
معروف.
خامساً: مغالطة عبور اللانهاية:
دعوى «من كان في
الأزل لا يصل إلى الآن» مغالطة شهيرة، الله عزَّ وجل ليس داخل الزمن ليعبر لحظاته،
والزمن مخلوق داخل الكون، والآن نقطة في زمن محدود من جهة البداية، لا نهاية
لسلسلة أزلية.
سادسًا: الإرادة الأزلية لا تتغير:
الزعم بتغيّر
الإرادة من «سكون» إلى «فعل» قول لم يقله أهل السُّنة، الإرادة واحدة أزلية، تتعلق
بإيجاد الحادث في وقته المحدد دون أن تخضع لقبل أو بعد.
سابعًا: الثنائية الزائفة «إما زمان أزلي أو استحالة خلقه من لا زمان» قسمة خاطئة:
الخيار الثالث -وهو
الحق- أن الزمان مخلوق بقدرة غير زمنية من خالق عظيم متعالٍ عن الزمان، والفيزياء
تؤيد ذلك: في الانفجار العظيم بدأ الزمان والمكان معًا، ولا معنى لـ«قبل» تلك
اللحظة، كما قال ستيفن هوكينج: «مَن يسأل ماذا قبل الانفجار كمن يسأل ما جنوب
القطب الجنوبي».
ثامنًا: البرهان الكوني المعاصر:
النسبية العامة
تثبت أن الزمكان نسيج ينشأ مع الكون، وعند نقطة البداية (singularity) يبدأ الزمن، هذا يتطابق مع قول المتكلمين؛ الزمان حادث، وبرهان
الكلام الكوني: كل ما بدأ له وجود وله سبب، والكون بدأ، إذن له سبب خارج الزمان
والمكان؛ وهو الله.
الزمان إطار
قياس التغيّر لا عينه، وصفات الله سبحانه وتعالى أزلية، متعلقاتها حادثة، فلا سكون
ولا حركة في ذاته، ولا «قبل» قبل الزمان؛ لأن الله عزّ وجل يخلق الزمن ولا يعبره.
إن هذه الشبهة
ليست إلا وهْم منطقي هش، ينهار أمام نور التوحيد والعقل والعلم، فالإيمان بالله
الخالق المتعالي يزداد قوة كلما كثرت الشبهات، لأنه يسمو فوقها ويكشف زيفها،
فلنثبت على الحق، ولنرد الشبهات بالحجة والبرهان، فإن الله ناصر عباده المؤمنين،
يقول الله تعالى: (أَلَا لَهُ
الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف: 54).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً