المشترك اللفظي.. تعريفه وأسبابه وحكمه
هناك ألفاظ لها أكثر من
معنى، وأكثر من مدلول في وضع اللغة، بأن تكون قبيلة من القبائل العربية قد استعملت
اللفظ في معنى غير الذي استعملته قبيلة أخرى، فينزل القرآن الكريم بهذه الألفاظ
المشتركة بين تلك المعاني المختلفة، فيقع الإبهام بسبب اشتراكها، كما وقع بسبب
إجمالها.
وهناك فرق بين المجمَل
والمشترك، وهناك فرق بين المشترك اللفظي والمعنوي، كما أن هناك فرقًا بين العام
والمجمَل، والخاص والمقيد.
وهذه الفروق تفهم من تعريف
كل واحد منها.
وسنحاول هنا أن نجلو لك معنى
المشترك بصوره المختلفة، ونبين لك أسبابه، وحكمه، وغير ذلك من المسائل التي تتعلق
به، وذلك بإيجاز.
تعريف المشترك اللفظي
"المشترك اللفظي عند الأصوليين: لفظ يتناول أفرادًا
مختلفة الحدود على سبيل البدل.
أو بتعبير آخر: المشترك اللفظي:
لفظ وُضِعَ لمعنيين أو أكثر بأوضاع متعددة؛ فهو إذن لم يوضع لمجموع ما يدل عليه
بوضع واحد، بل بأوضاع متعددة؛ أي: وُضِعَ لكل معنى من معانيه بوضع على حدة، كان
يُوضَعُ لهذا المعنى، ثم يوضع مرة ثانية لمعنى آخر، وهكذا.
فمن المشترك الموضوع لمعنيين
فقط "القرء": فقد وُضِعَ للطهر والحيضة.
ومن المشترك الموضوع لأكثر
من معنيين: لفظ "العين"، فقد وُضِعَ لعدة معانٍ، منها: العين الباصرة،
وعين الماء، والجاسوس، والسلعة.
ووضع هذا اللفظ لهذه المعاني
كان وضعًا متعددًا، أي: وضع لكل معنى من هذه المعاني وضع على حدة.
وكالمولى وضع للمعتق وللعتيق.
أسباب وجود المشترك اللفظي في اللغة
ذكر العلماء لوجود المشترك
في اللغة أسبابًا أهمها:
1- اختلاف
القبائل العربية في وضع الألفاظ لمعانيها، فقد تضع قبيلة لفظًا من الألفاظ لمعنى
من المعاني، وتضعه قبيلة أخرى لمعنى آخر، وأخرى تضعه لمعنى ثالث، فيتعدَّد الوضع،
وينقل إلينا اللفظ مستعملًا في هذه المعاني دون أن ينصَّ علماء اللغة على تعدد
الوضع أو الواضع.
2- قد يوضع
اللفظ لمعنى، ثم يستعمَل في غيره مجازًا، ثم يشتهر استعمال المجازي، حتى يُنْسَى
أنه معنى مجازي للفظ، فيُنْقَل إلينا على أنه موضوع للمعنيين الحقيقي والمجازي.
3- أن يكون
اللفظ موضوعًا لمعنى مشترك بين المعنيين، فيصح إطلاق اللفظ على كليهما، ثم يغفل
الناس عن هذا المعنى المشترك الذي دعا إلى صحة إطلاق اللفظ على كلا المعنيين،
فيظنون أن اللفظ من قبيل المشترك اللفظي..
كلفظ القرء؛ فإنه في اللغة يطلق على كل زمان
اعتمد فيه أمر معين، فيُقَال للحمَّى قرء، أي: زمان دوري معتاد تكون فيه، وللمرأة
قرء، أي: وقت دروي تحيض فيه، ووقت دوري آخر تطهر فيه.
وكالنكاح: لفظ وضع لمعنى
الضمِّ، فصح إطلاقه على العقد ذاته؛ لأنه فيه ضم اللفظين: الإيجاب والقبول.
وصحَّ إطلاقه على الوطء
أيضًا: ولكن اشتُهِرَ إطلاقه على العقد، فظنَّ البعض أنه حقيقة فيه مجاز في غيره،
وظنَّ البعض الآخر أنه في الوطء حقيقة، وفي العقد مجاز.
4- أن يكون
اللفظ موضوعًا لمعنى في اللغة، ثم يوضع في الاصطلاح لمعنى آخر.
كلفظ "الصلاة":
وُضِعَ لغةً للدعاء، ثم وُضِعَ في اصطلاح الشرع للعبادة المعروفة
حكم المشترك اللفظي
إذا ورد في الكتاب أو
السُّنَّة لفظ مشترك ينظر فيه؛ فإن كان مشتركًا بين معنيين أحدهما لغوي، والآخر
شرعي، وجب حمله على المعنى الشرعي؛ لأنه المقصود بالحكم.
وإن كان مشتركًا بين معنيين
أو أكثر لغة، وجب حمله على معنى واحد منها، بدليل يدل على هذا الحمل.
ففي قوله تعالى -مثلًا:
{الطَّلاقُ مَرَّتَانِ}.. يُحْمَلُ على معناه الشرعي، وهو حمل العصمة الزوجية، ولا
يُحْمَلُ على معناه اللغوي الذي هو حل القيد مطلقًا.
وقوله تعالى: {أَقِيمُوا
الصَّلَاة} يُحْمَلُ على الصلاة بمعناها الشرعي، وهي العبادة ذات الأقوال والأفعال
المخصوصة المفتتحة بالتكبير، المختَتَمَة بالتسليم، ولا يُحْمَلُ على معناها
اللغوي، وهو الدعاء.
والسبب في حمل المشترك على
معناه الاصطلاحي لا اللغوي، هو أنَّ الشارع لما نقل هذا اللفظ عن معناه اللغوي إلى
معناه الاصطلاحي الشرعي الذي استعمله فيه، كان اللفظ في عُرْفِ الشارع متعيِّن
الدلالة على ما وضعه الشارع له، فيجب المصير إليه.
وقوله تعالى:
{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} نجد لفظ
"القرء" محتملًا لمعنيين لغوين، فلا بُدَّ إذًا من أن يكون أحد المعنيين
مرادًا على التعيين: إما الحيض، وإما الطُّهْر. وعلى المجتهد أن يبذل جهده لمعرفة
المراد منه.
ولهذا اختلف الفقهاء في
المراد منه على مذهبين، وجاء كل فريق بأدلَّة متساوية، كما يقول ابن رشد في
"بداية المجتهد" عند كلامه على هذه المسألة، وكل فريق أخذ بما ترجَّح
عنده بالأدلة التي رآها أقوى من غيرها..
ومن ذلك أيضًا لفظ
"الكلالة" الذي ورد في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ
كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
السُّدُسُ}.. فإن لهذا اللفظ معانيَ، أشهرها معنيان:
الأول: القرابة التي ليس
فيها للميت والد ولا ولد.
الثاني: وهو قول ابن
الأعرابي: إنها بنو العم الأباعد.
والأول هو قول الجمهور.
فعلى المجتهد أن يتبيِّن المعنى المراد من كلمة "كلالة" بالرجوع إلى القرائن ونصوص المواريث.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً