فنزويلا تدفع ثمن معارضتها لحرب الإبادة في غزة

بينما وقف العالم صامتًا إزاء الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في قطاع غزة، وغاب صوت الأقربين أو جاء خافتًا، تعالت في المقابل أصوات منددة بالعدوان من أمريكا اللاتينية، وقد دفعت عدة دول في هذه المنطقة ثمن مواقفها، ما بين تهديدات أمنية مباشرة، ومحاولات زعزعة الاستقرار، وعقوبات اقتصادية قاسية.

فمن بين 165 دولة تعترف بـ«إسرائيل»، لم تقطع العلاقات الدبلوماسية معها منذ بدء الهجوم على غزة سوى دول قليلة غير عربية، كان معظمها من أمريكا اللاتينية، مثل بوليفيا وبيليز وكولومبيا ونيكاراغوا، كما سحبت 8 دول أخرى دبلوماسييها من «تل أبيب» منذ 7 أكتوبر 2023م، من بينها تشيلي والبرازيل وهندوراس.

ووفق تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية نُشر في يوليو الماضي، وقّعت 12 دولة على البيان الختامي لمؤتمر مجموعة لاهاي لدعم فلسطين الذي استضافته العاصمة الكولومبية بوغوتا، وشملت هذه الدول بوليفيا، وكولومبيا، وكوبا، وإندونيسيا، والعراق، وليبيا، وماليزيا، إضافة إلى ناميبيا، ونيكاراغوا، وسلطنة عُمان، وسانت فنسنت والغرينادين، وجنوب أفريقيا.

كولومبيا وفنزويلا في مواجهة «إسرائيل»

برزت كولومبيا وفنزويلا بوصفهما من أشد منتقدي «إسرائيل» في أمريكا اللاتينية، فلم يكتفِ الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو بوصف النظام «الإسرائيلي» بأنه «نظام إبادي»، بل شبّه ما يجري في غزة بالمحرقة، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع «تل أبيب» في مايو الماضي، كما صعّد من لهجته خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قائلًا: «إذا ماتت غزة، ماتت الإنسانية»، وعلّق صادرات الفحم إلى «إسرائيل»، في أغسطس الماضي، موضحًا أن الفحم يُستخدم في صناعة قنابل تقتل الأطفال الفلسطينيين.

أثارت هذه المواقف غضب واشنطن، التي حثّت بيترو على التراجع عن مواقفه، وحذّرته صراحة من أن سياساته قد تعرّض كولومبيا وأمنها القومي للخطر.

فنزويلا.. موقف ثابت وثمن باهظ

لا جدال في أن أي دولة تعلن دعمها العلني لفلسطين تصبح هدفًا لضغوط حليفتها الكبرى، الولايات المتحدة، ويعود العداء الأمريكي لفنزويلا بشكل كبير إلى مواقفها الثابتة المناهضة للعدوان «الإسرائيلي» والسياسات الاستيطانية العنصرية.

ففي يناير 2009م، قطعت فنزويلا علاقاتها الدبلوماسية مع «إسرائيل» تضامنًا مع غزة واحتجاجًا على ما وصفته بالجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في القطاع آنذاك، وكررت هذا الموقف في مناسبات لاحقة، لا سيما مع تصاعد العدوان «الإسرائيلي» الأخير منذ عامين، ولا تزال العلاقات مقطوعة حتى اليوم، في ظل استمرار الرئيس نيكولاس مادورو في دعم القضية الفلسطينية، ووصْفه ما يجري في غزة بأنه «إبادة تُشن ضد الشعب الفلسطيني»، مع إدانته الصريحة لصمت المجتمع الدولي.

وتتولى كندا رعاية المصالح «الإسرائيلية» في فنزويلا، فيما تقوم إسبانيا بحماية المصالح الفنزويلية في «إسرائيل».

يرى مادورو أن الدفاع عن حق الفلسطينيين في الحياة والاستقلال هو دفاع عن حق فنزويلا وأمريكا اللاتينية في السيادة، محمّلًا الولايات المتحدة وبريطانيا مسؤولية تفشي العنف وعدم الاستقرار.

لذا، لا يمكن فصل ما تتعرض له فنزويلا حالياً من العدوان الأمريكي والعقوبات والضغوط الأمريكية المتواصلة عليها عن هذا الموقف السياسي المناهض للهيمنة الأمريكية والداعم لفلسطين.

سياسة العربدة الأمريكية وحماية أمن «إسرائيل»

بعد أن أغدقت الولايات المتحدة على «إسرائيل» دعمًا عسكريًا واقتصاديًا وتقنيًا غير محدود، وأرهقت اقتصادها، تكشف سياساتها في المقابل عن مساعٍ حثيثة للسيطرة على موارد فنزويلا النفطية، ففي إطار ما يمكن وصفه بسياسة العربدة، حشدت واشنطن قوات عسكرية في بورتوريكو، وسط حديث متزايد عن احتمال تدخل عسكري في فنزويلا، بالتزامن مع احتجاز ناقلات نفط فنزويلية في المياه الدولية.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد اتهم فنزويلا بـ«سرقة» النفط من الشركات الأمريكية منذ سنوات، مطالبًا بإعادة تلك الأصول، في إشارة إلى تأميم قطاع النفط خلال عهدي هوغو تشافيز، ونيكولاس مادورو، كما وصف ستيفن ميلر، نائب رئيس هيئة موظفي ترمب، هذا التأميم بأنه «أكبر سرقة مسجّلة للثروة الأمريكية».

وفي الوقت ذاته، أعلنت الولايات المتحدة إغراق عشرات السفن في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ بزعم مكافحة تهريب المخدرات؛ ما أسفر عن مقتل عشرات الأشخاص، رغم أن بيانات إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية نفسها تشير إلى أن فنزويلا ليست مصدرًا رئيساً للمخدرات المتدفقة إلى الولايات المتحدة.

العقوبات.. سلاح يقتل بصمت

تُظهر سياسة العقوبات الأمريكية وجهًا آخر من العنف المنظم، فقد قدّرت دراسة نُشرت في مجلة «The Lancet» الطبية أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية تسهم في وفاة نحو 600 ألف شخص سنويًا، معظمهم من الأطفال دون سن الخامسة، في دول مثل فنزويلا وكوبا وغيرها، ووصفت الدراسة هذه العقوبات بأنها «حرب اقتصادية» تفتك بالمدنيين العاديين، لا بالأنظمة السياسية.

مواجهة علنية جريئة لوزير الخزانة الأمريكي

في هذا السياق، واجهت الناشطة أوليفيا دي نوتشي، من منظمة «CODEPINK» المناهضة للحروب، وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أثناء تناوله العشاء في أحد المطاعم، متهمة إياه علنًا بالمسؤولية عن وفاة مئات الآلاف حول العالم بسبب العقوبات الاقتصادية، وقد انتشر مقطع المواجهة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأثار جدلًا واسعًا، حيث رأى كثيرون أن المسؤولين عن هذه السياسات لا ينبغي أن ينعموا بالراحة في الفضاء العام.

هل تكون إندونيسيا الهدف التالي؟

لا يبدو أن الأمر سيتوقف عند غزة أو فنزويلا، فإندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان (350 مليون مسلم)، تبرز بوصفها هدفًا محتملًا في الخطاب الأمريكي–«الإسرائيلي»، إذ اعتبر الحاخام يهودا كابلون، الذي عيّنه ترمب مبعوثًا خاصًا لمكافحة معاداة السامية، أن إندونيسيا تمثل تهديدًا خطيرًا لـ«إسرائيل» والولايات المتحدة، ودعا إلى وضع خطط خاصة للتأثير داخل هذا البلد، وجعله أولوية فيما سماه «حماية أمن إسرائيل».

إذا صمت العالم إزاء الجرائم «الإسرائيلية» وسياسات العربدة الأمريكية لن يؤدي هذا إلا إلى توسيع دائرة الاستهداف، دولة بعد أخرى، فالقادة «الإسرائيليون» لا يُخفون أطماعهم التوسعية، وقد نشرت حسابات رسمية لوزارة الخارجية «الإسرائيلية» خرائط تزعم امتداد «إسرائيل التاريخية» إلى أراضٍ في الأردن وسورية ولبنان وفلسطين ومصر، في ظل دعم أمريكي أعمى وغير مشروط.

وفي ظل هذا الواقع المؤلم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتعلم العالم من مأساة غزة، أم ينتظر ولادة «غزات» جديدة في أماكن أخرى من العالم؟



_______________

(1) https://x.com/tariqtramboo/status/2002949251836613041.

(2) https://www.theguardian.com/world/2025/jan/10/gaza-death-toll-40-higher-than-official-number-lancet-study-finds.

(3) https://youtube.com/shorts/VNGyUJN8m5Q?si=ZZc4o_AhqoIGVv5K.

(4) https://www.workers.org/2025/08/87293/.

(5) https://cepr.net/newsroom/new-study-estimates-over-half-a-million-people-die-each-year-due-to-unilateral-economic-sanctions/.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة