سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي (2)
استطـرَادٌ
حرَصَتِ الحركةُ الاستشراقية على الاستقصاءِ أَو تتبعِ الثُّغرَاتِ في كلِّ ميدَانٍ مِنْ مَيادين الثقافة العربية، وبذلت في ذلكَ جُهْدًا دؤوبًا لا ينقَضِي مِنْهُ العَجَبُ؛ فقد كانوا ذَوِي جَلَدٍ في خِدمة غايـتهم، وَكُنا - إلَّا من رحمَ الله - كُسَالَى عَالةً عَلَى أفكارِهِم دُونَما تَمحيصٍ.
وإذا كنَّا نتحدَّثُ عَنْ جُهودِهم في ميدانِ الأدبِ العربي؛ فإن المستشرقينَ قد درَسُوا كل ما يتعلق بِهِ؛ حَيثُ دَرسُوا تاريـخَه وتطورَه، وقِيمتَه وأصالتَه، وعصُورَه ونـهضَته، وتأخرَهُ وازدِهَارَه وانحطاطه، وانتحَالَه وسرقَاتِهِ، وتأثرَه وتأثيره، وأعلامَه وشُعراءَه وكُتَّابه؛ لأنَّـهم كانُوا يحاولونَ فَهْمَ الشخصيةِ العربية من خلالِـهِ [سمايلوفيتش: فلسفة الاستشراق: 185].
بَلْ عُنِيَ بعضُهم بمصطلَحِ (الأدبِ) ذَاتِه؛ وَأَبَى أحدُهم إلا أن يضرِبَ فِي تأصيلِ الجذْرِ اللغوي لِكَلِمَةِ (الأَدَبِ) بِسَهْمٍ، فأبعَدَ النُّجْعَةَ، وَرُبَّما لِـهذَا لـم يُكْتَبْ لِرأيهِ الذّيوعُ؛ وأَعْنِي المسْتشْرِقَ الإِيطَالِيَّ كَارْل نَلِّينُو؛ حَيْثُ يَرَىٰ أَنَّ كَلِمَةَ (الأَدَبِ) مُشتَقَّةٌ مِنَ (الدَّأَبِ) بِمَعْنَىٰ العَادَةِ، وَأَنَّـهَا اشْتُقَّتْ مِنَ الجَمْعِ لَا المفْرَدِ؛ حَيْثُ جُـمِعَتْ كَلِمَةُ (دَأَبَ) عَلَىٰ (أدْآب) ثُمَّ قُلِبَتْ قَلْبًا مَكَانِيًّا فَصَارَتْ (آدَاب)؛ مِثْلَمَا جُـمِعَتْ بِئْـرٌ وَرِئْمٌ عَلَىٰ أبْآر وَأَرْآم، ثُمَّ قُلِبَتْ فَقِيلَ آبَار وَآرَام.
وَقَدْ أَشَارَ الأُستَاذُ الزَّيَّاتُ إِلَىٰ رَأْي نَلِّينُو كَذلِكَ وَوَصَفَهُ بِالتَّمَحُّلِ، فَكفَانَا مَؤُونَةَ مُناقشَتِهِ، يقُولُ الأستَاذُ الزيّاتُ: "وَرَأَىٰ الدُّكتُورُ نَلِّينُو المستَشْرِقُ الإيطَالِيُّ أَنَّ بَيْنَ الأَدَبِ وَالدَّأَبِ اتِّفَاقًا فِي المعْنَىٰ الأَصْلِيِّ وَهُوَ السُّنَّةُ وَالعَادَةُ، فَظَنَّ أنَّ العَرَبَ جَـمَعُوا دَأَبًا عَلَىٰ آدَابٍ، كَمَا جَـمَعُوا رَأْسًا عَلَىٰ آرَاسٍ وَبِئْـرًا عَلَىٰ آبَارٍ، وَاصْطَلَحُوا بِـهَذَا الجَمْعِ عَلَىٰ السُّنَنِ المحمُودَةِ المتبَعَةِ، ثُمَّ اشْتَقُّوا مِنْهُ عَلَىٰ تَوَالِي الحِقَبِ مُفْرَدًا جَدِيدًا هُوَ الأَدَبُ، وَلَسْنَا نُنكِرُ مَذْهَبَ العَرَبِ فِي القَلْبِ، وَلَا اشْتِقَاقَهُمْ أَفْعَالًا مُجرَّدَةً جَدِيدَةً مِنْ أَفْعَالٍ مَزِيدَةٍ .. وَلَكِنَّ رَأْيَ الأُسْتَاذِ عَلَىٰ رَزَانَتِهِ وَوَزَانَتِهِ يُضْعِفُهُ هَذِهِ الحَلْقَةُ المفْقُودَةُ وَهِيَ جَـمْعُ الدَّأَبِ عَلَىٰ الآدَابِ، فَإِنَّهُ لَـمْ يُـرْوَ فِي أَثَرٍ وَلَـمْ يَـرِدْ فِي مُعْجَمٍ" [في أصول الأدب: 8].
عودٌ على بدء
وقدْ تناولنَا في المقالةِ السالفَةِ قضيّةَ (الانتحَالِ في الشِّعْرِ الجاهِلِيِّ) بِوَصْفِهَا النمُوذَجَ الجلِـيَّ بَلِ الصَّارِخَ لِسَطوةِ الاستشْراقِ عَلَى العَقْلِ العَربيِّ.
وَالحقُّ أن سَطْوةَ الاستشرَاقِ تَمتَدُّ إِلَى مُقدمَاتِ تِلْكَ القَضِيِّة، وَإِلَى قَضَايَا أُخْرَى غَيرِهَا مَا كَانَتْ لِتُثَارَ لولَا يَـدُ الاستِشْرَاقِ وَالتغريبِ التِي تَعمَلُ فِي خَفَاءٍ وَمَكْرٍ؛ ولا يَغيبَنَّ عَنِ البالِ أن تقويضَ الشعر الجاهِلي طَعْنٌ في إعجاز القرآنِ الكريمِ؛ لأن القرآنَ نَزلَ يتحدَّى فصاحةَ العرب وبلاغتَهم، وليس لديـهم ما يفوقُ الشعرَ بلاغَةً وفَصَاحَةً، حتى قَالَ عُمرُ بن الخطاب t: "كانَ الشِّعْرُ عِلمَ قَوْمٍ لَـمْ يَكنْ لَـهُمْ عِلمٌ أصَحُّ مِنْهُ"، ومن ثم يكونُ هَدْمُ هَذَا الشِّعْرِ أو التشكِيكُ فيهِ، هَدْمًا لِـمَا تَميز بهِ العَربُ من فصاحةٍ وبلاغةٍ، فَماذا يبقى حتَّى يَتحَّدَاهُ القُرآنُ؟!
وَلَقَدْ أَدْرَكَ الصَّحْبُ الكِرَامُ أهميةَ الشعْرِ الجاهِلي في فَهْمِ النَّصِّ القُرآنيِّ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ كَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَيكُمْ بِدِيوَانِ العرَبِ لَا تَضِلُّوا، شِعْرَ الجَاهِلِيّةِ، فَفِيهِ تَفْسِيرُ كِتَابِكُم وَمَعَانِي كَلَامِكُمْ"، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ الله عَنهُما - أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا خَفِيَ عَليكُمْ شَيْءٌ مِنَ القُرآنِ فَابتَغُوهُ فِي الشِّعْرِ فَإِنَّهُ دِيوَانُ العرَبِ"، وَفِي تِلْكَ الآثَارِ مَا يُؤكِّدُ قِيمةَ شِعْرِ الجاهِلِيّةِ وَدَوْرَهُ فِي فَهْمِ كِتَابِ اللهِ تَعالَىٰ (القُرآنِ الكَريمِ)؛ فَإذَا شَككْنَا في صحَّةِ الشعر الجاهلي أو هدمْنَاهُ، فأنَّى نَفهَمُ كِتابَ اللهِ تَعالَى؟!
فأمَّا مُقدمات (قضية الانتحَالِ) فهي الأسسُ التي بنى عليها المستشرقونَ شَكَّهُمْ التامَّ في صِحَّةِ الشعر الجاهلي وتوثيقِه، وأهم هذه الأسسِ: أُميَّةُ العرَبِ، ثُمَّ الطريقةُ التي وصلنا بـها الشعرُ الجاهلي، وهما قضيتان مترابطتَانِ، ولكلٍ مِنْهُما حَديثٌ خَاصٌّ:
المستشرقون وأميَّة العرب
اتَّـخَذَ كثيرٌ مِنَ المشرقين أُميَّةَ العَربِ (جَهلِهم القِرَاءَةَ والكتَابةَ) قَبلَ الإِسْلَامِ، تُكأةً إِلَى الطعن في الشعر الجاهلي، ومن المعلوم أن كلمة (أُمِّـي) قد وُصِفَ بِـهَا النبي ﷺ في آيتينِ، ووُصِفَ بِـهَا قومُه (العَربُ) فِي أربعِ آياتٍ، فأمَّا استخدَامُ كَلمَةِ (الأُمِّي) وَصْفًا للنبِيِّ ﷺ، فمثلُ قَولِهِ تَعالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..﴾ [الأعراف: 157]، وأمَّا استخدامُها للدِّلَالةِ عَلَى (العَربِ) الذين بُعِثَ فِيهم؛ فمثلُ قولِهِ تعالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة:2].
وقد كانَ المستشرقونَ فَريقينِ مُتناقضَانِ إزاءَ أُميةِ الرسُولِ ﷺ: فريق يؤكد معرفةَ النبيِّ بالقراءَةِ والكِتابةِ مثل: (جُولد زيـهر، ورودلف، ولامانس، وبلاشير، وسبرنجر، وفنسنك، وهورفيتز، وفرانتس بول، ونلّلينو)، ومن ثم فهم يرونَ أن كلمةَ (الأمِّي) تَعنِي (الوثني)، أو من ينتَمِي إلى أمة ليس لَـهَا كتابٌ بخلافِ اليهود والنصارَى؛ فقدْ كَانوا أهل كتابٍ.
وثمَّة فريق آخر يرى أن المرادَ بكلمَةِ (الأمِّي) من يجهل القراءةَ والكتابة، وممن تبنَّى هذا الرأي: (أمارِي، وكازيميرسكي، ومونتِيه، ول ديورانت، نيكيتا إيليسِف، وكارين أرمسْترنْج) [خالد محمد عبده: أمية النبي في الفكرِ الاستشراقِيّ].
وَلَسْنَا بحاجة إلى أن نؤكدَ عبثيةَ تفسير الأمي بـ(الوثني)، ولكننا نشيرُ إلى أن التناقض البادِيَ في آراء المستشرقينَ يُمكن أن يُوظَّـفَ لغَايتينِ مختلفتينِ في الظاهِرِ؛ لكنَّهما متفقتَانِ فِي إثارَةِ الشبَهِ حولَ الإسلامِ والثقافَةِ العَربيةِ؛ ذَلِكَ أن القائلينَ بأن النبيَّ ﷺ كانَ يَعرفُ القراءة والكتابةَ أرادوا أن يثبتُوا تلفيقيّةَ القرآنِ، وأنه مقتَبسٌ مِنَ التورَاةِ والإنجيل، مثلما زعمَ جُولدتسيهَر أن الشريعة الإسلاميةَ متأثرة بالشريعة اليهوديةِ في ذبحِ الحيوانت للأكلِ، وغسلِ الميت [عبد الرحمن بدَوي: دفاع عن القرآن ضد منتقديه: 80]، كما زعمَ جولدتسيهر ومن بعدِهِ فنسنْك (دائرة المعارف الإسلامية) أن محمَّدًا قد أخذَ الصومَ عن اليهودية [السابق: 75]، وادعَى نُولدكَه أن (البسملَة) مأخوذة من اللغةِ المستعملة في الإنجيلِ [السابق: 107] وغيرها من المزاعم التي تضاهِئُ قولَ الَّذِينَ كَفَرُوا: ]وَقالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [سُورَة الْفرْقَان: ٥].
وَأمَّا القائلون بجهلِ النبيِّﷺ (الأمي)، والعربِ (الأُميّينَ) القراءَةَ والكِتَابةَ جَهلًا تَامًّا؛ فإنَّ قَولَـهُم هذَا يُوظَّفُ لتأكيدِ الشكِّ في الشعْرِ الجاهليِّ، وتأكيد أنه منحولٌ عَلَى الجاهليينَ، وغايتُهم مِنْ ذَلِكَ تقويضَ حقيقَةِ (الإعجَازِ القُرآني)؛ فَهَذَا خَبْءُ قَضيَّةِ الشَّكِ يَفضَحُهُ قَولُ مَرجليوثَ: "إنَّ القوْلَ بإعجَازِ القرآنِ يَنبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الأَقلِّ أَصْعَبُ مِنْ أَنْ يُبرهَنَ عَلَيهِ" [أصول الشعرِ العربيِّ، تَرجـمَة د. يحيى الجبوري: 59].
تحيّز المستشرقين لرؤية دون أخرى
علَى أن لقضِيّةِ (الكتابةِ في العصرِ الجاهلي) وَجْهًا آخرَ؛ ذَلِكَ أَنَّ عَدمَ وجود تدوين للشعرِ الجاهلي ولأخبار الجاهلية، تنفيه رواياتٌ تَزعم أن الجاهليينَ كانوا يُدونُونَ أشعارهم، فقد رُوِيَ أنَّ النعمانَ بنَ المنذر، أمر "فنُسِخَتْ لَه أشعَارُ العرب في الطُّنوجِ وَهِيَ الكرارِيسُ، ثُمَّ دفنَها في قصرِهِ الأبيضِ، فَلَما كَانَ المختَارُ بنُ عُبيدٍ الثقفي، قيلَ لَه: إن تحت القَصْرِ كنزًا، فاحتفرَهُ، فأخرجَ تلك الأشعارَ، فمِنْ ثَمَّ أهلُ الكُوفَةِ أعلَمُ بِالشِّعْرِ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ"، وروايَات تذكر أنه "قَد كانَ عِندَ آل النعمان بن المنذر ديوان فيهِ أشعارُ الفُحُولِ، وَمَا مُدِحَ بِهِ هُوَ وأهْلُ بَيتِهِ، فصَارَ ذَلِكَ إِلَى بَنِي مَروانَ أَوْ مَا صَارَ مِنْهُ".
وَرِوايات تَقول إن العربَ كانت شديدةَ العناية بشعرِهَا، مبالغَةً في المحافظة على الجيّدِ مِنْهُ، حتى إنها اختارتْ القصائدَ الشهيرةَ منهُ فأمَرتْ بكتابتِهَا بماءِ الذَّهَبِ عَلَى القباطِي وبتعليقِهَا على الكعبةِ، إعجابًا بـها وإشادةً بذكرِهَا. وقد عُرِفَتْ تلكَ القصائِدُ بالمذهَّباتِ وبالمعلَّقَات وبِالسّمُوطِ. وروايات تَذكرُ أن المَلِكَ كَانَ إِذَا استُجِيدَتْ قَصيدَةٌ يقولُ: "عَلِّقُوا لَنا هَذِه لتكونَ في خِزانَتِهِ". وتنفيهِ أيضًا روايات أخرى تفيدُ أنَّ بعض الشعراء الجاهليينَ كانوا يقرءونَ ويَكتبونَ، كالذي جاء عن عديِّ بن زيدٍ العبادي، عن المرقِّشِ الأكبَرِ، من أنه كان قد تعلَّمَ الكتابة من رجلٍ منْ أهل الحِيرَةِ، فصار يكتب أشعَارَهُ... وَتنفِيهِ الرواية القائلة إن لقيطَ بنَ يعمرَ الإيادي، كتب قصيدةً وأرسلها إلى قومه إياد يحذرهم فيها من مجيءِ جيش كسرَى إليهم للإيقاع بـهم..." [المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام: 17/ 252].
لكنَّ المستَشْرِقينَ تَبنَّوا الوَجْهَ الأوَّلَ مِنَ القَضِيّة (نُدْرَةُ الكِتَابَة أَوْ عَدمُها)، وألَـحُّوا عَلَيهِ حَتَّى تَسرَّبَ فِي كتاباتِ المؤرخِينَ العرب، وتلقاه العقْلُ العَربي دونَ مراجعَةٍ؛ فنولدكَه يقول بنُدرة الكتابة في الجاهليةِ ولا ينفيها نفيًا مطلقًا؛ ومِنْ ثَمَّ وصفَ أسباب رفضِ هنجستنبرج دعوَى كتابة المعلقات بالذَّهَبِ وتعليقِهَا على الكعبة؛ بأنَّـهَا أسباب حاسمة بوجه عامٍّ، ثُمَّ قال: "اللهم إلا أنه يُولي أهميةً كبرى لكون الكتابةِ في الفترة السابقة على ظهورِ النبيَّ محمَّد كَانَتْ نَادِرَة جِدًّا، لأنه لا نِـزاعَ في أنه وُجِدَتْ آنذاك سِجِلَّاتٌ مَكتوبة لمعاهداتٍ بَل لِقَصائِدَ" [دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: 30].
ولئنْ قَالَ نُولدِكَه بنُدرَةِ الكتَابةِ في العَصْرِ الجاهليِّ، لقَدْ نفَاها إلفرتُ تَمامًا، إذ يتحدَّثُ عَن نسبَةِ بعْضِ القصائد القديمَةِ لشاعرينِ مُختلفَينِ؛ فيقول: "ولا مشاحةَ في أن الشكَّ الكَثِيرَ يَسودُ في هذا المجَالِ، وَهَذَا مِنَ المفهوم تمامًا إذا ما تذكرْنَا أن استعمال الكتابَةِ لتقييدِ القصَائِـدِ الكبيرَةِ فِي تِلْكَ الأَزْمِنَةِ مِن المؤكدِأنهُ لَـم يَكُنْ مَوجُودًا، وأنَّ البُعْدَ بَينَ زَمَانِ الشعراءِ وَبينَ الزمَانِ الذِي جُـمِعَتْ فِيهِ قَصائِدُهُمْ وَقُيدَتْ كِتَابةً، يَستغرِقُ 150 عَامًا وأكْثَـرُ".[دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: 36].
الهوى يُعمي ويصم
أمَّا مَرجليوثُ، فقد وَضَعَ في الاعتبارِ احتمالَ وُجُودِ كتابةٍ فِي العَصْرِ الجاهلي، وبخاصةٍ أن كثيرًا من شعراءِ الجاهليةِ أشارُوا إِلَى الكتابةِ وأدواتِـها، لكِنّهُ ضَيّق دائرَتَـها فَقصرَهَا عَلَى الكتابةِ الحِميريّةِ، ثُمَّ بلغَ بهِ الدهَاءُ والمَـكْرُ؛ أنْ نقضَ هذَا الاحتمال بأنه متعارضٌ معَ القرآنِ، فقال: "إِنَّ وُجودَ الأدب الجاهلي الذي جاءَ بلغة القرآن في الكتابةِ الحِميريةِ يَتعارض مع ما جاءَ في القرآنِ من نَـفْيِ وُجُودِ كِتَابةٍ لَدَى الجاهِليينَ، فالقرآنُ يسألُ المكيينَ: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾[القلم: 37]، ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾[القلم: 47]، يَسأل المشركينَ وأولئِكَ الذين يخاطبهم كانُوا قومًا لـمْ يُنذَرَ آباؤهم ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 46].
لقدْ نزلَتِ الكُتُب علَى اليهُودِ والنصارَى، أما الوثنيونَ فلَيس لدَيْـهِم شَيْءٌ من ذَلِكَ" [مرجليوث: أصول الشعر العربي: 57].
وَجَلِـيٌّ أن مرجليوثَ قَد خَلطَ بَينَ مِهنَةِ الكتابةِ بوصفِهَا عَملًا دنيويًّا، وبين الكتُبِ السماويةِ المقدسَةِ، فجعل الكتابةَ قاصرَةً على من كانوا أصحاب كتابٍ سماوِيٍّ، وذكر منهم اليهود والنصارَى، والعجيب أن يؤيدَ كلامه بآيات من القرآنِ الكريم، وهو الكتَابُ المنزل على العربِ، بل على الناس أجْـمعِينَ، ثم ينهي كلامه بأن العرب الوثنيينَ لَيس لدَيْـهِمْ شَيْءٌ من تلك الكتبِ، فأيُّ تناقُضٍ هَذَا؟!
ويبقَى السؤال: لِـمَ أَلَحَّ بعض المستشرقينَ عَلَى نُـدْرَةِ الكتابَـةِ لَدى الجاهليينَ، أو نَـفْيهَا نَـفْيًا تَامًّا؟!
اقرأ أيضًا
الرابط المختصر :