إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم..
هل يجوز للراعي أن يتتبع عورات الرعية؟
من أخطر ما يفتك بعلاقة الحاكم برعيته أن يتحوّل شغله الشاغل إلى البحث عن نياتهم، وتتبع عثراتهم وعوراتهم، والتنقيب
عن مواطن الظن فيهم، فالمجتمع الذي تُدار فيه شؤون الناس بعين
الشك يختنق بالريبة، وتضيع فيه الطمأنينة، ويتآكل رصيد الثقة بين الدولة والأفراد.
وقد جاءت شريعة
الإسلام مانعة الراعي من تتبع عورات الرعية، وهذه ليست قيمة أخلاقية فقط؛ وإنما
أصل سياسي شرعي تأسست عليه نظم الحكم في الإسلام، وسارت عليه الأنظمة الراشدة التي
جعلت من صيانة الحرمات وتوقير الناس أساسًا للعدالة.
النهي عن التجسس وتتبع العورات
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا
وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) (الحجرات: 12)، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ:
التَّجَسُّسُ هو الْبَحْثُ عَنْ عَيْبِ الْمُسْلِمِينَ وَعَوْرَاتِهِمْ،
فَالْمَعْنَى لَا يَبْحَثُ أَحَدُكُمْ عَنْ عَيْبِ أَخِيهِ لِيَطَّلِعَ عَلَيْهِ
إذَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَذَا
الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا قَالَ: إنَّا نُهِينَا عَنْ
التَّجَسُّسِ، فَإِنْ يَظْهَرُ لَنَا شَيْءٌ نَأْخُذُ بِهِ، قَالَ الْقَاضِي:
وَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ أَنْ يَكْشِفَ مُنْكَرًا قَدْ
سُتِرَ، بَلْ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ كَشْفُهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَلا تَجَسَّسُوا)(1).
وفي الصحيحين
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، ولَا تَجَسَّسُوا،
وَلَا تَحَسَّسُوا»، وفي سنن أبي داود بسند حسنه الألباني عَنْ أَبِي بَرْزَةَ
الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا
تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ
اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ
عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ».
قال ابن مفلح:
وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِمُنْكَرِ فِعْلٍ خَفِيٍّ عَلَى الْأَشْهَرِ، أَوْ
مَسْتُورٍ، أَوْ مَاضٍ، أَوْ بَعِيدٍ، وقال ابْنِ عَقِيلٍ: وَلَا يُكْشَفُ مِنْ
الْمَعَاصِي مَا لَمْ يَظْهَرْ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَنْ تَسَتَّرَ
بِالْمَعْصِيَةِ فِي دَارِهِ، وَأَغْلَقَ بَابَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَجَسَّسَ
عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مَا يَعْرِفُهُ كَأَصْوَاتِ الْمَزَامِيرِ
وَالْعِيدَانِ(2).
التماس الريبة في الرعية يؤدي إلى فسادها
روى أبو داود
بسند صححه الألباني عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ
أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ» فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:
«كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى
بِهَا»، وروى أبو داود، وأحمد بسند حسنه الألباني عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ
الْأَسْوَدِ، وَأَبِي أُمَامَةَ، قَالَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ
أَفْسَدَهُمْ».
ومقصود الحديث
السابق حث الإمام على التغافل، وعدم تتبع العورات، فبذلك يقوم النظام ويحصل
الانتظام، والإنسان قلما يسلم من عيبه فلو عاملهم بكل ما قالوه أو فعلوه اشتدت
عليهم الأوجاع واتسع المجال، بل يستر عيوبهم ويتغافل ويصفح ولا يتبع عوراتهم ولا
يتجسس عليهم(3).
الدعوة إلى ستر الأخطاء ومعالجتها لا كشفها وفضح فاعلها
دعا الإسلام إلى
ستر الأخطاء ومعالجتها، لا كشفها وفضح فاعلها، فقد روى أحمد في مسنده بسند صحيح
عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ: أَنَّ هَزَّالًا كَانَ اسْتَأْجَرَ مَاعِزَ بْنَ
مَالِكٍ، وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: فَاطِمَةُ، قَدْ أُمْلِكَتْ،
وَكَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لَهُمْ، وَإِنَّ مَاعِزًا وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَ
هَزَّالًا فَخَدَعَهُ، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَأَخْبِرْهُ، عَسَى أَنْ يَنْزِلَ فِيكَ قُرْآنٌ، فَأَمَرَ بِهِ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَ، فَلَمَّا عَضَّتْهُ مَسُّ
الْحِجَارَةِ، انْطَلَقَ يَسْعَى، فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ بِلَحْيِ جَزُورٍ، أَوْ
سَاقِ بَعِيرٍ، فَضَرَبَهُ بِهِ، فَصَرَعَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلَكَ يَا هَزَّالُ، لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ،
كَانَ خَيْرًا لَكَ».
ومما يدل على
وجوب الستر وفضله ما رواه أحمد في مسنده بسند ضعيف عَنْ دُخَيْنٍ، كَاتِبِ
عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعُقْبَةَ: إِنَّ لَنَا جِيرَانًا يَشْرَبُونَ
الْخَمْرَ، وَأَنَا دَاعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ فَيَأْخُذُوهُمْ، فَقَالَ: لَا
تَفْعَلْ، وَلَكِنْ عِظْهُمْ وَتَهَدَّدْهُمْ، قَالَ: فَفَعَلَ فَلَمْ يَنْتَهُوا،
قَالَ: فَجَاءَهُ دُخَيْنٌ، فَقَالَ: إِنِّي نَهَيْتُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا،
وَأَنَا دَاعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ، فَقَالَ عُقْبَةُ: وَيْحَكَ لَا تَفْعَلْ،
فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ
سَتَرَ عَوْرَةَ مُؤْمِنٍ، فَكَأَنَّمَا اسْتَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا».
كما أن الفضح
يكسر الحاجز الذي كان يمنع العاصي من إعلان معصيته، وهذا يؤدي إلى المجاهرة
بالقبائح، وهو ما ينبغي للراعي ألا يصل إليه، فقد روى السدي، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ
بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ بِضَوْءِ نَارٍ وَمَعَهُ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: فَاتَّبَعَ الضَّوْءَ حَتَّى دَخَلَ دَارًا
فَإِذَا سِرَاجٌ فِي بَيْتٍ فَدَخَلَ، وَذَلِكَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، إِذَا
شَيْخٌ جَالِسٌ وَبَيْنَ يَدَيْهِ شَرَابٌ وَقِينَةٌ تُغْنِيهِ، فَلَمْ يَشْعُرْ
حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ مَنْظَرًا
أَقْبَحَ مِنْ شَيْخٍ يَنْتَظِرُ أَجَلَهُ، قَالَ: فَرَفَعَ الشَّيْخُ رَأْسَهُ،
فَقَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا صَنَعْتَ أَنْتَ أَقْبَحُ،
إِنَّكَ تَجَسَّسْتَ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ، وَدَخَلْتَ
بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَدَقْتَ.
ثُمَّ خَرَجَ
عَاضًّا عَلَى ثَوْبِهِ وَقَالَ: ثَكَلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ إِنْ لَمْ يَغْفِرْ لَهُ
رَبُّهُ، هَذَا كَانَ يَسْتَخْفِي بِهَذَا مِنْ أَهْلِهِ، فَيَقُولُ الْآنَ رَأَى
عُمَرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَتَتَابَعُ فِيهِ.
قَالَ: وَهَجَرَ
الشَّيْخُ مَجَالِسَ عُمَرَ حِينًا، فَبَيْنَمَا عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ
جَالِسٌ إِذَا هُوَ بِهِ قَدْ جَاءَ شَبِيهُ الْمُسْتَخْفِي حَتَّى جَلَسَ فِي
أُخْرَيَاتِ النَّاسِ فَرَآهُ عُمَرُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهَذَا الشَّيْخِ فأُتِيَ
فَقِيلَ لَهُ: أَجِبْ، فَقَامَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ عُمَرَ سَيُؤَنِّبُهُ بِمَا
رَأَى مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ادْنُ مِنِّي فَمَا زَالَ يُدْنِيهِ حَتَّى
جَلَسَ بِجَنْبِهِ، فَقَالَ: أَدْنِ مِنِّي أُذُنَكَ، فَالْتَقَمَ أُذُنَهُ،
فَقَالَ: أَمَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ رَسُولًا مَا أَخْبَرْتُ
أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بِمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ
مَعِيَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْنِ مِنِّي أُذُنَكَ،
فَالْتَقَمَ أُذُنَهُ، فَقَالَ: وَلَا أَنَا، وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا
بِالْحَقِّ رَسُولًا مَا عُدْتُ إِلَيْهِ حَتَّى جَلَسْتُ مَجْلِسِي هَذَا
فَرَفَعَ عُمَرُ صَوْتَهُ فَكَبَّرَ، فَمَا يَدْرِي النَّاسُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ
يُكَبِّرُ(4).
الحكمة الشرعية من منع تتبع عورات الرعية
1- تحقيق الستر
وصيانة الكرامة الإنسانية وحماية الخصوصية للأفراد.
2- تطبيق
القواعد الشرعية الناطقة بأن الأصل حسن الظن بالناس، وأن الأصل في الناس البراءة،
وأننا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.
4- حماية
المجتمع من المجاهرة بالذنب، بعد كسر الحاجز بين الراعي والرعية.
5- الحفاظ على
هيبة الدولة، خشية أن تصبح وسيلة للمراقبة والمتابعة، والتوسع في إقامة العقوبات
بلا دليل.
6- منع السلطة
من تجاوز الصلاحيات المنوطة بها، دون ضرورة شرعية.
7- بناء الثقة
المجتمعية ومنع انتشار الشك بين الراعي والرعية.
متى يجوز للراعي أن يتتبع عورات الرعية؟
أكد الفقهاء أن
ظن السوء والخيانة بمن شوهد منه الستر والصلاح حرام شرعاً، بخلاف من اشتهر بين
الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث(5)، فمن شك في ارتكاب أحد من
الناس لمعصية أو مخالفة للشرع فلا يجوز له أن يتجسس عليه لمجرد الشك، حيث إن الأصل
في ذلك حمل أمر الناس على البراءة حتى يثبت العكس.
قال القاضي أبو
يعلى: أما ما لم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يتجسس عنها، ولا أن يهتك
الأستار، إلا إذا دلت الآثار أو ظهرت الأمارات على أن في تركه انتهاك حرمة يفوت
استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلاً خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني
بها، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث، حذراً من فوات
ما لا يستدرك من انتهاك المحارم، وارتكاب المحظورات، وإن كان دون ذلك في الريبة،
لم يجز التجسس عليه، ولا الكشف عنه(6).
من هنا يتبين أن
الراعي لا يجوز له أن يتتبع خصوصيات الرعية إلا إذا تأكد من وجود ضرر محقق، بقرائن
قوية، وذلك في إطار تحقيق المصالح العامة الراجحة، ويكون ذلك بقدر الحاجة فقط، وفي
إطار العدالة، وهو ما يسمى بالتحري، وليس التجسس، وفي هذا دليل على أن هناك فرقاً
كبيراً بين التحري المشروع والتجسس الممنوع.
اقرأ
أيضاً:
كيف نربي أبناءنا على احترام الخصوصية
____________________
الهوامش
(1) الآداب
الشرعية: ابن مفلح (1/ 261).
(2) المرجع
السابق (1/ 258 - 261).
(3) الموسوعة
الفقهية الكويتية (23/ 196).
(4) التوبيخ
والتنبيه: أبو الشيخ الأصبهاني، ص 57، وانظر: كنز العمال (3/ 692).
(5) الموسوعة
الفقهية الكويتية (23/ 196).
(6) الأحكام السلطانية: أبو يعلى الفراء، ص 296.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً