علامات حمراء ومؤشرات على قرب وقوع الطلاق
مع الارتفاع غير
المسبوق في معدلات الطلاق في بلادنا العربية، أصبحت هناك حاجة حقيقية لإدراك
المؤشرات أو العلامات الحمراء التي تدل على أن الزوجين يسيران على طريق الطلاق،
وكلما كان هناك تنبه مبكر لتلك العلامات؛ كانت هناك فرصة أكبر للحل والإصلاح.
في الحياة الزوجية لا يمكن تجنب الخلاف، فحتى داخل البيت النبوي قد وقع الخلاف، لكن طريقة
التعاطي والمعالجة مع هذا الخلاف هي ما تجعلنا في علاقة طيبة صحية ودافئة، أو
تجعلنا نسير على الطريق السريع للطلاق.
النقد والاحتقار
عندما يحدث خلاف
في الحياة الزوجية، فمن الوارد جداً أن يقوم أحد الزوجين بممارسة آلية النقد لما
يعتبره سلوكاً خاطئاً، لكن عندما تنتقل المسألة من نقد سلوك ما لنقد الشخصية، فهنا
تحدث أولى نقاط التوتر، وعلى سبيل المثال، عندما تنتقل الزوجة من نقد سلوك زوجها
الذي يتأخر في العودة للبيت لنقده هو شخصياً، واعتباره إنساناً مهملاً؛ يبدأ معدل
التوتر والاحتقان في الارتفاع.
فإذا كان هذا
النقد متكرراً وكثيفاً، وإذا أصبح أكثر حدة وعدائية أو أكثر سخرية، فبدلاً من أنت
زوج مهمل أصبحت أنت إنسان أناني لا تفكر إلا في نفسك، وفي مرحلة لاحقة تصبح النظرة
ساخرة والنبرة مستهزئة: أنت لا أمل فيك، لن تستطيع الانضباط أبداً.
وهنا تأتي
المرحلة الأشد قسوة؛ ألا وهي الاحتقار، ففي المثال السابق تشعر الزوجة بحالة من
الاستعلاء والتفوق الأخلاقي لقيامها بمسؤولياتها بينما تنظر إليه باحتقار، لأنه
غير قادر على الالتزام بوعوده.
الدفاعية والانسحاب
الزوج (أو
الزوجة) الذي يتعرض للانتقاد اللاذع باستمرار الذي يصل حد الاحتقار غالباً ما يدخل
في حالة من الدفاعية والتبرير لسلوكه الخاطئ، فبدلاً من السعي للإصلاح يقدم
التبريرات، أو يقوم بمهاجمة الطرف الآخر ويتصيد له الأخطاء؛ حتى يكون هناك حالة من المساواة في الخطأ، لكن في مرحلة لاحقة يبدأ في الصمت والتجاهل والانسحاب العاطفي
التدريجي، حتى الطرف الذي كان يتشاجر وينتقد يبدأ هو أيضاً في الصمت والانسحاب
ويسود البيت الهدوء ظاهرياً.
لكن الحقيقة أن
هذه مرحلة خطيرة، حيث حدث انفصال أولي في العلاقة بين الزوجين إذا لم يتم تداركه
فاحتمالية الطلاق تكون كبيرة.
الانسحاب
العاطفي أو الفتور الناتج عن النفور (يختلف عن الانسحاب المؤقت من أجل التهدئة) واحد
من أسوأ الأمور التي يمكن أن تحدث في الزواج؛ لأنه يُفقد الزوجين الرغبة والدافعية
نحو الإصلاح.
غياب العلاقة الحميمية
إحدى العلامات
الحمراء الصريحة التي تدل على أننا إزاء علاقة في طريقها للطلاق غياب العلاقة
الحميمة بدءاً من اللمسة الحانية الدافئة، وانتهاء بهجر الفراش دون سبب صحي أو ضغط
نفسي خارجي، ولكن بسبب النفور العاطفي الذي حدث بين الزوجين نتيجة التآكل المزمن
الذي لم يتم إصلاحه داخل العلاقة.
غياب الأمان والخذلان
شعور أحد
الزوجين أن الآخر خذله في وقت كان في حاجة إلى الدعم والحضور أو الحماية مثلاً عند
وجود ظرف صحي أو أزمة داخل عائلته أو حالة موت وفقْد لأحد أعزائه، ومع غياب الطرف
الآخر عن الدعم وعدم القيام بدوره تحدث حالة من غياب الثقة والأمان تلون الحياة
بعدسة قاتمة.
هذا الشرخ في
معنى الأمان الملون بالخذلان يستمر رغم مرور الوقت وانتهاء الحدث، وما لم يتم
العمل على إصلاحه والتئامه يقوم بالاتساع، ويحدث الفتور العاطفي بالتدريج، فالأمان
أهم ركائز الاستقرار النفسي، وما لم يتوفر في الزواج الاستقرار النفسي تكون
النتيجة الفتور العاطفي.
الطلاق في العام الأول
المؤشرات
السابقة التي تدل على قرب وقوع الطلاق غالباً ما تكون مرتبطة بزواج استمر لسنوات،
وتغلبت عوامل التآكل فيه على محاولات الإصلاح، وهذا يختلف عن مؤشرات قرب وقوع
الطلاق التي تحدث في بداية الزواج، خاصة في العام الأول منه التي تكون مرتبطة
بصدمة التكيف الذي قد يتصوره الزوجان الحديثان عدم توافق بينهما، بينما هما فقط
يحتاجان بعض الوقت.
قد يحدث أيضاً
في بداية الزواج انهيار للصورة المثالية التي كان يتصور كل طرف منهما رسمها للزواج
أو حتى للطرف الآخر، فمع زخم التفاصيل الحياتية تتضح الصورة الواقعية بالتدريج دون
تجمل ودون صورة ذهنية مسبقة، وبالتالي يشعر الزوجان بالإحباط وقد يترجم هذا لفتور
مبكر.
العلاقة بالأهل ومقدار
المساحة التي يتدخلون فيها وطبيعة الدور الذي يؤدونه قد تكون مثار خلاف بين
الزوجين، فتصبح الحدود هشة مع العائلة، وقد يحدث لون من الصراع بسبب ولاء كل طرف
لعائلته الأصلية؛ ما يجعل الزواج على صفيح ساخن.
الاختلاف حول
توزيع الأدوار والمهام مع توقعات مختلفة من كلا الزوجين قد يحدث حالة أخرى من
الصراع، وعندما يطول الصراع دون آليات واضحة للحل يصبح هذا مؤشراً للتفكير الجدي
في الطلاق.
بين الاستمرار في الزواج والرغبة فيه
لا شك أن هناك
علامات خطر كبرى لم يتم التطرق إليها كالاختلاف القيمي والخلقي وعدم التكافؤ بين
الزوجين أو دخول الزواج دون اقتناع لأسباب تتعلق بالمصلحة دون توافر الحد الأدنى
من الانجذاب للطرف الآخر، أو وجود عدوانية وعنف في التعامل مع الخلاف، وهذه
الاختلافات بمثابة مؤشر أن الزواج يحمل في طياته بذور الطلاق.
لكننا هنا بصدد
الحديث عن زواج طبيعي دخله الطرفان بنوايا طيبة ورغبة أن يستمر طيلة العمر.
زواج كان في
بدايته يتسم بالتوافق والشغف، لكن مع تواتر المشكلات والخلافات أصبح هناك خطر
يتهدده، ومن هنا وجب التنبيه على المؤشرات التي تستدعي التنبه حتى لا ينتهي هذا
الزواج للفشل.
ولعل من هذه
المؤشرات التي يجدر أن نختم بها هذا المقال لشدة خطورتها أن يفقد أحد الطرفين
الرغبة في الاستمرار في الزواج.
وهنا تكون
احتمالية الحل والعلاج قائمة، بينما يكون هناك زواج آخر مشكلاته أقل لكن أحد طرفيه
أو كلاهما لم يعد يرغب في الاستمرار فيه، لذلك لا تنجح الأدوات العلاجية معه.
ومن المؤشرات
التي تدلل أن أحد الطرفين لا يرغب في الاستمرار أنه يناقش مسألة الطلاق في أوقات
الهدوء بعيداً عن لحظات الغضب والشجار كحل مناسب لعدم التوافق الذي يشعر به، ويفكر
في تكلفة الطلاق وتبعاته سواء كانت مالية أو مرتبطة بمصلحة الأطفال، أو نظرة
المجتمع، وينشغل بهذا التفكير عن محاولة البحث عن حل حقيقي.
ومن المؤشرات
المهمة التي تكشف أن طرفاً لا يرغب في الاستمرار في الزواج أنه عندما يفكر في
المستقبل ويخطط له لا يتخيل الطرف الثاني معه ولا يضعه في أحلامه.
هذه المؤشرات أو
ما أطلقنا عليه العلامات الحمراء (وأحياناً يجتمع في الزواج الواحد أكثر من مؤشر)
ليست بالتأكيد دلالة على حتمية وقوع الطلاق، فقد يستمر الزواج رغم كل المشكلات
التي لم تحلّ.
وقد يستمر
الزواج دون أن يحقق غايته في السكن، وقد يستمر الزواج رغم غياب المودة والرحمة،
لكن ما لم تكن هناك محاولات جادة للإصلاح الحقيقي العميق والواقعي الذي يقوم على
التسديد والمقاربة، فإن الزواج سيكون بائساً حقاً، وفي هذه الحالة قد لا يقع
الطلاق إلا أن الزواج قد يكون مات إكلينيكياً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً