معبد الإلحاد يهتز (3)
لماذا استغرق الله 14 مليار سنة لخلق الإنسان إذا كان بإمكانه خلقه في لمح البصر؟!
تصاعدت شبهات الملحدين وانتشرت عبر وسائل
التواصل الاجتماعي بشكل ملحوظ، متخذةً من سرعة النشر وضعف التمحيص وسيلة لبث
الشكوك، ويعتمد كثيرٌ من هذه الشبهات على مغالطات منطقية وتفسيرات مبتورة للنصوص
الدينية؛ ما يُضلل المتلقي غير المتخصص، وخاصة صغار السن، ومن هنا تأتي أهمية
التصدي لهذه الشبهات بالعلم والحكمة، وتقديم ردود عقلية ونقلية رصينة تُحصّن الوعي
العام.
نص الشبهة
«إذا كان هدف الله هو وجود الإنسان،
فلماذا استغرق الله لخلقنا 14 مليار سنة؟ إن عمر الكون 14 مليار سنة، وعمر الكرة
الأرضية 4 مليارات سنة، وعمر الإنسان على أكبر تقدير 300 ألف سنة، فلو تخيلت عمر
الكون سنة واحدة، فإننا خُلقنا في الشهر الثاني عشر، في آخر يوم من السنة، في آخر
ثانيتين، فهل يحتاج الله كامل القدرة كل هذا الزمن حتى يصل إلى مبتغاه؟ أين قدرته
التي قال عنها: إنه يقول كن فيكون؟».
الرد على الشبهة
أولًا: قدرة الله تعالى
المطلقة على الخلق في لمح البصر:
القرآن الكريم يؤكد أن الله تعالى قادر
على خلق أي شيء بلا قيد أو شرط؛ (إِنَّمَا
أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس: 82)، (وَمَا
أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (القمر: 50).
أمثلة على الخلق الفوري:
- خلق عيسى عليه السلام من غير أب: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي
وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ)
(آل عمران: 47).
- خلق آدم عليه السلام من طين مباشرة: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ
اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (آل
عمران: 59).
إذن، الله عزّ وجل بوصفه الخالق الأزلي،
لا يحتاج إلى زمن أو أدوات للخلق، الزمن نفسه مخلوق، والله تعالى خارج إطاره، كما
قال ابن سينا: «العلة الإلهية لا تتقيد بالزمان، لأن الزمان ناتج عن فعلها»؛ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى:
11).
فالله تعالى قادر على خلق الإنسان والكون
في لمح البصر، وهذا لا يُنازع فيه أحد، لكن اختياره للتدرج ليس دليل عجز، بل دليل
حكمة.
كما أن الفنان البارع يستطيع أن يرسم
لوحة في لحظات، لكنه يختار أن يُبدعها على مهل، لِيُبهر الناظرين، ويُظهر
تفاصيلها، كذلك -ولله المثل الأعلى- الله تعالى خلق الكون بتدرج يُظهر عظمته لا
عجزه.
ثانيًا: حكمة اختيار
التدرج في الخلق:
رغم قدرة الله عزّ وجل على الخلق الفوري،
فإن اختياره للتدرج في خلق السماوات والأرض (6 أيام) وظهور الإنسان بعد 14 مليار
سنة يعكس حكمة إلهية متعددة الأبعاد:
1- إظهار النظام والسنن
الإلهية:
(سُنَّةَ
اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَبْدِيلًا) (الفتح: 23)؛ فالكون لم يُخلق
عبثًا، بل وفق نظام دقيق، والعلم يُثبت أن تطوّر الكون خضع لمراحل متسلسلة:
الانفجار العظيم، تكوّن الذرات، النجوم، الكواكب.. وصولًا لتهيئة الأرض للحياة.
لو خُلق الإنسان فجأة دون مراحل تسبق
وجوده، لفَقَد القدرة على إدراك عظمة الخلق من حوله، فكل نجم يراه، وكل قانون
فيزيائي يدرسه، دليلٌ على أن وجوده كان محسوبًا، لا عبثيًا.
2- إبراز عظمة الله:
التدرج يتيح للإنسان التفكر في آيات الله؛
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي
الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت:
53).
3- تهيئة الكون للإنسان:
العناصر التي يتكون منها الإنسان
(كالكربون والحديد) لم تتكون إلا داخل النجوم العملاقة، والأرض احتاجت مليارات
السنين لتبرد وتستقر، والغلاف الجوي والماء والحرارة المناسبة.. كلها نتائج مراحل
متراكبة.
فكم هو عظيم أن تُبنى هذه الأعجوبة
الكونية بمجراتها ونجومها وكواكبها وشموسها وأقمارها، من أجل ظهور كائن واحد في
الفصل الأخير؛ ذاك هو الإنسان! تمامًا كما يُبنى القصر العظيم لتُسلّم مفاتيحه
لضيف شريف، هكذا أُعد الكون لاستقبال خليفة الله في الأرض.
4- اختبار الإنسان وتعليمه
الصبر:
التدرج في الخلق يُربّي في الإنسان
التأمل، والاعتراف بعظمة الخالق، كما قال الإمام الغزالي: «التدرج في الخلق يربي
في الإنسان التواضع أمام عظمة الله».
ليس كل ما يمكن إنجازه فورًا هو الأفضل، فزرع
النخلة قد يأخذ سنوات، لكن ثمرتها أعظم وأبقى من نبتة تُزرع في ساعة وتموت في يوم.
ثالثًا: معنى «الأيام»
بالنسبة لله:
«الأيام» ليست أيامًا بشرية؛ قال الله
تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا
عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) (الحج: 47)، وقال جل
جلاله: (فِي يَوْمٍ كَانَ
مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (المعارج: 4)؛ المقصود بـ«الأيام» في
خلق الكون هو مراحل زمنية طويلة، وليست 24 ساعة، وكلمة «يوم» في اللغة العربية
تعني فترة زمنية كما في «يوم الجمل» أو «يوم بدر».
قال الإمام ابن كثير: «الأيام عند الله
ليست كأيامنا، بل هي مراحل يعلمها الله».
رابعًا: التفسير العلمي:
العلم الحديث يدعم فكرة أن ستة أيام قد
تشير إلى 6 مراحل رئيسة في تطور الكون، وهذه المراحل يمكن تصوّرها كما يلي:
الأولى: الانفجار العظيم (Big Bang):
منذ نحو 13.8 مليار سنة، حدث انفجار عظيم
لم يكن انفجارًا بالمعنى الفيزيائي العنيف، بل هو توسّع ولحظة ابتدأ فيها الزمان
والمكان والمادة والطاقة، في أقل من جزء من الثانية، بدأت الجسيمات الأولية
تتكوّن.
الثانية: تكوّن اللبنات
الأولى للمادة:
خلال الدقائق الأولى، بدأت الذرات
البسيطة مثل الهيدروجين والهيليوم تتكوّن، هذه المرحلة تُعرف باسم «عصر التكوُّن
النووي».
الثالثة: تكوُّن النجوم
والمجرات:
بعد مئات الملايين من السنين، انجذبت
الغازات بفعل الجاذبية، وتشكلت النجوم الأولى والمجرات، داخل النجوم، بدأت عمليات
الاندماج النووي، وهي المسؤولة عن تكوين العناصر الأثقل.
الرابعة: تكوّن الكواكب
والأنظمة الشمسية:
بعد تشكل النجوم، بدأت الكواكب تدور
حولها، مجموعتنا الشمسية تشكّلت قبل حوالي 4.6 مليارات سنة، بعد انفجار نجم عملاق
قديم.
الخامسة: تهيئة الأرض
للحياة:
الأرض استغرقت مئات الملايين من السنين
لتبرد، ويتكوّن غلافها الجوي والمائي، بدأت العمليات الجيولوجية والبيئية المعقدة؛
تشكّلت الجبال والمحيطات والغلاف المغناطيسي.
السادسة: ظهور الحياة
وتطورها:
ظهرت الحياة البسيطة قبل نحو 3.8 مليارات
سنة، وتطوّرت تدريجيًا حتى ظهرت الكائنات المعقدة.
وأخيرًا، ظهر الإنسان العاقل -نؤمن بأن
سيدنا آدم عليه السلام هو أول البشر، ولكننا نأخذ بالأدلة العلمية التي لا يحيد
عنها الملحدون في أي نقاش- منذ حوالي 300 ألف سنة، وهو آخر مَن خُلق، لكنه الأهم
من حيث الوظيفة والغاية.
وهكذا، فإن هذه المراحل الست تتوافق مع
تقسيم «الستة أيام» الوارد في القرآن الكريم، باعتبارها مراحل متتابعة في خَلق
الكون وتهيئته، لا أيامًا بالمعنى الزمني البشري.
خامسًا: لماذا «ستة أيام»
تحديدًا؟
العدد 6 في القرآن الكريم يرمز إلى
التمام والنظام الشامل: ست جهات (أعلى، أسفل، يمين، يسار، أمام، خلف)، وقال الإمام
الطبري: «اختيار ستة أيام يعكس نظامًا إلهيًا يتيح للعقل البشري استيعاب ترتيب
الخلق، وقال الفارابي: «الأعداد في الخلق الإلهي ليست قيودًا، بل رموزًا للنظام
الكوني».
ذكر «ستة أيام» يُعلّم الإنسان أن الخلق
منظم، ويحضّه على التفكر في مراحله؛ (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) (العنكبوت:
20).
إنَّ المدة الطويلة لتطور الكون لا تعني
تأخيرًا، بل تعكس قيمة الإنسان؛ (وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70)، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ
بِقَدَرٍ) (القمر: 49).
الكون بُني ليكون صالحًا لحياة هذا
الكائن المُكرَّم، وإذا ظهر الإنسان في آخر لحظة من عمر الكون، فذلك لأنه تاج
الخلق، لا هامشه.
إنَّ الشبهة هنا تنطلق مِن فهم بشري
محدود للزمن وطبيعة الله تعالى.
الله تعالى قادر على خلق الإنسان في لمح
البصر، لكنه اختار التدرج ليظهر عظمة حكمته، وتكريمًا لهذا الإنسان الذي جعله
خليفة في الأرض.