معبد الإلحاد يهتز (34)

هل هناك ما يستحق الحذف من القرآن؟!

هل هناك ما يستحق الحذف من القرآن؟!

الملحدون بلا حياء، وبلا علم، وبلا أخلاق، ولذلك يتعاملون مع القرآن الكريم بجهل فاضح وصفاقة منقطعة النظير.. فيرى أحدهم تركيبًا قرآنيًا محكمًا، ثم يقول في سخافة مدهشة: «كان يمكن أن يقال بشكل أقصر»! وكأن البلاغة هي الاقتصاد في الألفاظ، أو كأن كل تكرار عيب.. وكل اختصار فضيلة!

وهذا جهل بطبيعة البيان العربي كله؛ لأن اللغة العربية الرفيعة لا تجعل التكرار نقصًا بإطلاق، بل قد يكون التكرار فيها تقريرًا، وتعظيمًا، وتفصيلًا بعد إجمال، واستحضارًا للمعاني في النفس، وإيقاعًا لفظيًا يناسب المقام. بل قد يكون أيضا حذف المكرر هو عين الإفساد؛ لأنه يسلب الكلام توزيعه المقصود، ويُذهب ما فيه من التفخيم والتدرج.

والآية الكريمة التي يطعن فيها الملحدون هنا ليست جملة عادية، بل جاءت في مقام الحمد والتعظيم والتقرير الشامل لربوبية الله عز وجل؛ والمراد منها بناء نغمة معنوية ولفظية تتناسب مع جلال المقام.

ولهذا فالمشكلة ليست في الآية الكريمة بل في وهمٍ نقدي ساذج يظن أن «الأقصر» هو دائمًا «الأبلغ»!

بل إن هذا الوهم يمكن نقضه من أساسه بسؤال: إذا كان الاختصار وحده معيار البلاغة، فهل تكون كل جملة أقصر من غيرها أبلغ منها بالضرورة؟!

لو صح ذلك.. لكان حذف الكلمات من أي نص أدبي طريقًا دائمًا إلى تحسينه، ولكان أوجز بيت شعر هو أعظم الشعر، ولكانت أقصر خطبة هي أبلغ الخطب، ولكان حذف النعوت والقيود والتكرارات من كلام البلغاء ترقيةً له في كل حال.. وهذا باطل بالضرورة.

فالبلاغة هي اختيار اللفظ الذي يؤدي المعنى المقصود بأدق صورة، وأقوى تأثير، وأنسب سياق.

نص الشبهة

«الآية 36 من سورة الجاثية وقصور بلاغي وتعبير ركيك مكرر:

  • من الناحية البلاغية صحيحة لأنها تتكون من فاعل وصفات متكررة، كل صفة تبدأ بـ«رب»، وتوصف مفردات مختلفة (الأرض، السموات، العالمين) واستخدام الواو بين الصفات صحيح لربط المعطوفات.
  • من الناحية البلاغية: يوجد تكرار لفظ «رب» مع تغيّر الموصوف، وهذا أسلوب يسمى التكرار والتوكيد (توكيد الوصف). لو أردنا تحسين الأسلوب البلاغي دون تكرار وركاكة، يمكن صياغتها كالتالي «رب السموات والأرض والعالمين» هذا أسلوب أقصر وأجمل بلاغيًا لأنه جمع الموصوفات تحت صفة واحدة دون تكرار لفظي زائد». ا.هـ

الرد على الشبهة

أولًا: الآية أصلًا ليست كما صاغها الملحد اختزالًا:

الآية هي قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم بعدها: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

فنحن أمام مقام حمدٍ وتمجيدٍ وربوبيةٍ وكبرياء، وهذا وحده كافٍ لفهم أن التكرار هنا ليس حشوًا، بل جزء من الموسيقى المعنوية واللفظية في السياق.

فالآية الكريمة لا تريد فقط أن تقول إن الله رب الجميع، بل تريد أن تُسمعك هذا التدرج في الربوبية، وأن توزع المعنى على مفاصل الجملة توزيعًا مقصودًا.

والأهم من ذلك أن الملحد ارتكب خطأ منهجيًا قبل أن يبدأ نقده؛ إذ افترض أن إمكان إعادة صياغة العبارة نحويًا يساوي إمكان استبدالها بلاغيًا.

وهذا غير صحيح.. فيمكنك أن تعيد صياغة جملة أدبية بعبارة أخرى تؤدي أصل المعنى، لكن هذا لا يعني أنك حافظت على: ترتيب المعاني، ودرجات التوكيد، والتخصيص والتعميم، والإيقاع، والنبرة، والتناسب مع المقام، والإيحاءات التي نشأت من طريقة توزيع الألفاظ.

وهنا جوهر الشبهة، فالملحد أثبت أن هناك صياغة أخرى ممكنة، ولم يثبت أنها أبلغ. وهذا فرق شاسع.

ثانيًا: التكرار هنا ليس ركاكة:

قول الملحد: «يمكن أن نقول: رب السموات والأرض والعالمين» هذا صحيح من جهة إمكان الإفادة النحوية، لكنه ليس مساويًا للآية من جهة البلاغة.

لأن بين الصيغتين فرقًا كبيرًا:

الصيغة القرآنية: «رب السماوات ورب الأرض رب العالمين»

الصيغة المقترحة مِن قبل الملحد: «رب السماوات والأرض والعالمين»

الصيغة الثانية تختصر، نعم، لكنها تفقد أشياء مهمة: تفقد التوكيد المتدرج، وتفقد استقلال كل مجال من مجالات الربوبية بالعناية اللفظية، وتفقد الإيقاع المهيب الناتج عن تكرار «رب»، وتفقد التفصيل بعد التوزيع الذي يجعل المعنى أرسخ في النفس.

فليس كل حذف تحسينًا، بل قد يكون تسطيحًا.. فالاختصار لا يثبت التفوق إلا إذا حافظ على جميع الدلالات التي يحملها النص المختصر منه. أما إذا كان الاختصار يحذف بعض الدلالات أو يضعف بعضها، فهو ليس «تحسينًا»، وإنما هو تغيير.

وهذا هو الفارق بين أن تقول: «هذه العبارة تؤدي المعنى الأساسي.» وأن تقول: «هذه العبارة تؤدي المعنى نفسه بالقوة البلاغية نفسها» الأولى قد تكون صحيحة، أما الثانية فتحتاج إلى برهان. والملحد لم يقدم هذا البرهان.

ثالثًا: لماذا ذُكرت «رب» ثلاث مرات؟

لأن المقام مقام تعظيم شامل، والتكرار هنا يؤدي وظائف بلاغية متعددة:

1- تقرير الربوبية في كل نطاق: فقوله «رب السموات» يقرر الملك والتدبير للعالم العلوي. وقوله «ورب الأرض» يقرر الربوبية للعالم السفلي المشهود للناس. وقوله «رب العالمين» يعمم بعد ذلك تعميمًا شاملًا يستغرق كل موجود. فالتدرج هنا بديع جدًا.. من السموات، إلى الأرض، إلى العالمين جميعًا. ولو حذفت التكرار، ضعفت هذه الدرجات.

2- استقلال كل وصف بجلاله: حين تقول «رب السموات ورب الأرض» فأنت لا تمر على «الأرض» مرور المعطوف التابع فقط، بل تجعلها ميدانًا مستقلًا للتأمل في الربوبية. ثم حين تقول «رب العالمين» فهذا ليس مجرد معطوف ثالث، بل ذروة تعميمية بعد تخصيصين سابقين.

3- الإيقاع الصوتي: القرآن ليس معاني مجردة فقط، إنما هو أيضًا نظم وإيقاع. وتكرار «رب» هنا يحدث نغمة قوية متناسبة مع مقام الحمد والكبرياء. والاختصار الذي اقترحه المعترض يضعف هذا الجرس جدًا.

4- التكرار يوزع ثقل المعنى: وهذه نقطة يغفل عنها الملحد تمامًا. ففي الصياغة المختصرة، تقع الألفاظ كلها تحت مظلة واحدة: «رب السموات والأرض والعالمين». أما في الصياغة القرآنية، فإن لفظ «رب» يتقدم كل مرة على مجال من مجالات الربوبية، فيصبح كل مجال مستحضرًا مع وصف الربوبية مستقلًا: «رب السماوات ورب الأرض رب العالمين». فالتكرار هنا ليس مجرد إعادة صوتية، وإنما هو توزيع للمعنى على وحدات متتابعة. وهذا من صميم البلاغة.

رابعًا: لو كان التكرار عيبًا لكان كل تعداد بلاغي عيبًا:

إذا كان تكرار اللفظ عيبًا بمجرد إمكان حذفه، فلماذا يكرر المتكلم وصفًا أو فعلاً أو نداءً في مقام التأكيد؟ ولماذا يقول الخطيب: «أيها الناس، أيها الناس!» بدل أن يقولها مرة واحدة؟ ولماذا يقول الشاعر: «أنت الكريم، وأنت الشجاع، وأنت الوفي» بدل أن يجمعها في تركيب واحد؟ ولماذا يقول القائل في مقام التحذير: «إياك والكذب، إياك والخيانة، إياك والغدر؟» مع أنه يستطيع اختصار ذلك؟

لأن التكرار قد يؤدي وظيفة لا يؤديها الحذف. فإذا كان حذف اللفظ يؤدي إلى فقدان وظيفة بلاغية، لم يعد الحذف تحسينًا. وهذا بالضبط ما وقع فيه الملحد.. لقد تعامل مع الألفاظ باعتبارها وحدات قابلة للضغط، ولم يتعامل معها باعتبارها عناصر وظيفية داخل بناء بلاغي متكامل.

خامسًا: «رب العالمين» ليست إضافة زائدة:

لو قال «رب السماوات والأرض» لكفى في جانب من المعنى. لكن قوله بعد ذلك «رب العالمين» ليس مجرد تكرار لما سبق، بل هو انتقال من الخاص إلى الأعم. فالسماوات والأرض هما أعظم ما يشهده المخاطب من بنية الكون، ثم جاء بعدهما اللفظ الأوسع: «العالمين» ليدل على ربوبية الله لجميع العوالم والأصناف والمخلوقات.

إذن «رب العالمين» ليست فضلة يمكن ضمها بلا أثر، بل هي قمة التعميم بعد التفصيل. وهذا من أجمل الأساليب العربية.. أن تفصل بعض الأفراد العظام أولًا، ثم تجمع الجميع في لفظ كلي جامع. والصياغة القرآنية هنا لا تسير في خط أفقي من ثلاثة أشياء متعاطفة، بل تتحرك في بناء دلالي: السماوات - الأرض - العالمين. فهي تبدأ بما هو عالٍ عظيم، ثم بما هو أدنى وأقرب إلى المشاهدة، ثم تنتقل إلى اللفظ الجامع. وهذا يمنح العبارة حركة ذهنية لا توجد في الصياغة المختصرة بالدرجة نفسها.

سادسًا: هل «الأقصر أجمل»؟

الشبهة ساقطة من أصلها؛ لأنها تخلط بين الإيجاز والحذف. الإيجاز في البلاغة لا يقتصر على تقليل عدد الكلمات، وإنما هو: أداء المعنى الكثير باللفظ المناسب من غير إخلال.. أما إذا حذفت من الكلام لفظًا يؤدي وظيفة معنوية أو نفسية أو إيقاعية، فأنت لم تحقق إيجازًا بلاغيًا، بل حققت اختصارا شكليا.

وإذا كانت الصياغة الأقصر أبلغ لمجرد أنها أقصر، فلماذا لا نحذف من كل نص عربي نصف ألفاظه ونقول إننا حسّناه؟! والجواب: لأن البلاغة لا تقوم على عدد الكلمات، بل على العلاقة بين اللفظ والمعنى والمقام. ولهذا قال علماء البلاغة إن البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال. فقد يكون الإيجاز أبلغ في موضع، وقد يكون الإطناب أبلغ في موضع، وقد يكون التكرار أبلغ في موضع، وقد يكون الحذف أبلغ في موضع. والعبرة ليست بنوع الأسلوب في ذاته، وإنما بمناسبته للمقام.

سابعًا: الصياغة المقترحة من الملحد أضعف من جهة المعنى أيضًا:

قوله المقترح: «رب السماوات والأرض والعلمين» فيه أصلًا ضعف ظاهر حتى في السبك الذي كتبه؛ لأنه كتب العلمين بدل العالمين، وهذا وحده كاشف عن أن الملحد هنا ليس متماسكًا حتى في نقل البديل الذي يزعم أنه «أجمل». لكن حتى لو صححناها إلى: «رب السماوات والأرض والعالمين» فهي أضعف من الآية الكريمة؛ لأن «العالمين» تشمل السماوات والأرض أصلًا، فيصبح العطف أقرب إلى الجمع غير المتدرج، بينما في الآية جاء النسق على صورة أفخم: «رب السماوات ورب الأرض رب العالمين». فهناك حركة بيانية.. تخصيص، ثم تخصيص، ثم تعميم. أما الصيغة المقترحة فتجعل الأمر أقرب إلى سرد عناصر تحت مضاف واحد، من غير هذه البنية التدرجية الجميلة.

ونجد خطأ آخر في الشبهة.. الملحد يتعامل مع «السماوات، والأرض، والعالمين» وكأنها ثلاثة أشياء متساوية في الرتبة يمكن جمعها في قائمة واحدة. لكنها ليست كذلك. فـ«العالمين» لفظ أوسع من «السموات والأرض»، ولذلك فإن إدخال الخاصين ثم ختمهما بالعام ليس تكرارًا آليًا، بل بناء دلالي متدرج.

ثامنًا: الفرق بين «الجمع» و«التفصيل»:

لو قيل: «رب السموات والأرض والعالمين» فقد جُمعت الألفاظ تحت عامل واحد. أما في النظم القرآني، فقد فُصّل الوصف: «رب السموات ورب الأرض رب العالمين». والفرق بين الجمع والتفصيل ليس شكليًا. فالجمع يحقق سرعة في الانتقال. أما التفصيل فيحقق الاستحضار والتقرير والتعظيم. والمقام هنا مقام ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾ ثم ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ﴾ فالسياق كله سياق تمجيد وتعظيم، وليس سياقًا يحتاج إلى ضغط العبارة واختزالها. بل يمكن القول إن العبارة القرآنية جاءت منسجمة مع المقام؛ لأن المعنى العظيم يستدعي في كثير من الأحيان تفصيلًا يوازي عظمته. فحين يكون المقصود هو تعظيم الربوبية، فإن تكرار «رب» يجعل السامع يتلقى الربوبية مرة بعد مرة، في مجالات متتابعة، حتى ينتهي إلى «رب العالمين».

تاسعًا: التكرار هنا يحقق نوعًا من التوكيد التصاعدي:

ليس كل توكيد على درجة واحدة. عندما تقول «رب السماوات» فقد أثبتَّ الربوبية في مجال عظيم. ثم تقول «ورب الأرض» فتؤكد أن الربوبية لا تختص بالعالم العلوي، بل تشمل العالم السفلي أيضًا. ثم تقول «رب العالمين» فتنقل الذهن من المجالين المذكورين إلى الشمول الكلي. فالتكرار هنا يتحول إلى سلم دلالي يصعد بالمعنى: ربوبية السماء - ربوبية الأرض - ربوبية العالمين. وهذه الحركة التصاعدية لا يؤديها مجرد جمع الألفاظ تحت «رب» واحد بالدرجة نفسها. فالعبارة المختصرة تجمع، أما العبارة القرآنية فتجمع وتفصل في آن واحد: تفصل المجالات بذكر «رب» لكل مجال، ثم تجمعها في «رب العالمين». وهذا من دقائق النظم.

عاشرًا: الآية جاءت منسجمة مع السياق قبلها وبعدها:

الآيات قبلها وبعدها في سياق إظهار دلائل الله عز وجل، واختلاف الليل والنهار، وتصريف الرياح، وآيات الكون، ثم ختمت هذه المقاطع بحمد الله وربوبيته وكبريائه. فجاءت ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾ ثم توالت أوصاف الربوبية على هذا النسق المهيب: «رب السموات ورب الأرض رب العالمين» فهذا الترتيب يخدم الخاتمة التمجيدية للسياق كله. أما الصياغة المختصرة المقترحة، فتخسر كثيرًا من فخامة هذا الختام. ثم يأتي بعد ذلك ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فتتصل الآية اتصالًا وثيقًا بما قبلها: الحمد له، لأنه رب السموات ورب الأرض ورب العالمين، والكبرياء له في السموات والأرض. وهذا التناسب بين الربوبية والحمد والكبرياء يجعل العبارة جزءًا من بناء معنوي متكامل.

الحادي عشر: القرآن الكريم لم يكرر «رب» في كل موضع:

لو كان تكرار «رب» مجرد حشو أو عادة أسلوبية، لوجدنا القرآن الكريم يكررها آليًا كلما ذكر أكثر من مضاف إليه. لكن القرآن يستعمل أحيانًا «رب السموات والأرض» وأحيانًا «رب السموات والأرض وما بينهما» وأحيانًا «رب العالمين» وأحيانًا «ربكم ورب آبائكم الأولين» وأحيانًا «رب المشرق والمغرب». وهذا يدل على أن بناء العبارة يختلف بحسب المقام. فحين يكرر القرآن الكريم اللفظ في موضع، ويحذفه في موضع آخر، فهذا يعني أن المسألة ليست عجزًا عن الاختصار، وإنما اختيار مقصود للنظم المناسب لكل مقام. وهذا وحده يهدم دعوى أن تكرار «رب» هنا مجرد تكرار زائد.

الثاني عشر: لا يجوز أن نحاكم النظم القرآني إلى صياغة بديلة ثم نزعم أنها أفضل بلا معيار:

إذا اقترح شخص صياغة بديلة لنص أدبي، فعليه أن يثبت أن البديل:

1- يؤدي المعنى نفسه.

2- ويحافظ على درجات الدلالة نفسها.

3- ويحافظ على السياق نفسه.

4- ويحافظ على الإيقاع نفسه.

5- ويحافظ على قوة التأثير نفسها.

6- ثم يكون بعد ذلك أكثر إحكامًا.

أما أن يقول: «هذه الصياغة أقصر، إذن هي أجمل.» فهذا ليس نقدًا بلاغيًا، بل حكم ذوقي غير مؤسس. والأعجب أن البديل هنا ليس أفضل حتى من حيث كل هذه المعايير؛ لأنه حذف التكرار الذي يؤدي وظيفة بلاغية واضحة، وأضعف التدرج، وقلل من استقلال المجالات المذكورة، وسوّى بين الخاص والعام في تركيب واحد. فكيف يكون الاختصار دليلًا على التفوق؟

الثالث عشر: التكرار قد يكون أبلغ من الإحالة المختصرة لأنه يمنع ذوبان المعاني:

عندما تقول «رب السماوات ورب الأرض» فإن ذهن السامع يقف عند «السماوات»، ثم ينتقل إلى «الأرض». أما إذا قلت «رب السماوات والأرض» فإن المجالين يردان دفعة واحدة في تركيب واحد. والبلاغة ليست دائمًا في أن يصل السامع إلى المعنى بأسرع وقت ممكن؛ فقد يكون المقصود أن يعيش السامع المعنى مرحلة مرحلة. وهذا من أسرار البيان. فالقرآن الكريم لا يخاطب العقل وحده، وإنما يخاطب العقل والوجدان والخيال والحس السمعي في وقت واحد. ومن ثم فإن توزيع المعاني على وحدات لفظية متتابعة قد يكون أبلغ من جمعها في تركيب مختصر.

الرابع عشر: التكرار القرآني ليس واحدًا في وظيفته ولذلك لا يصح الاعتراض عليه بقاعدة واحدة:

القرآن يستعمل التكرار لأغراض متعددة: للتوكيد، للتقرير، للتهويل، للتذكير، للتعظيم، للتنبيه، لبناء الإيقاع، لتثبيت المعنى، لمراعاة مقتضى المقام. ولهذا فإن القول: «تكرر اللفظ، إذن وقع القصور» يشبه القول: «استُعملت الكلمة مرتين، إذن لا حاجة إلى الثانية»! وهذا استدلال فاسد؛ لأن الحاجة إلى التكرار تحددها الوظيفة التي يؤديها التكرار، لا مجرد وجوده. فإذا أدى اللفظ الثاني وظيفة جديدة، لم يكن زائدًا. وهنا تكرار «رب» لا يعيد المعنى نفسه بصورة آلية، بل يوزع الربوبية على المذكورات، ثم يختمها بالتعميم: «رب السماوات ورب الأرض رب العالمين».

الخامس عشر: التكرار في القرآن الكريم أسلوب معروف من أساليب البلاغة العليا:

القرآن الكريم مليء بتكرارات ليست حشوًا، إنما هي ذروة الإعجاز البلاغي.. مثل تكرار ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وتكرار ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وغير ذلك. فهل يقال هنا: كان يمكن ذكرها مرة واحدة وينتهي الأمر؟ لا؛ لأن البلاغة هنا ليست في أصل المعنى فقط، بل في إيقاع التكرار وتراكمه وأثره النفسي. وكذلك هنا: تكرار «رب» ليس عجزًا عن التنويع، بل اختيار بياني مقصود. والفارق أن من ينظر إلى الكلمات منفردة يرى «تكرارًا»، أما من ينظر إلى النظم فيرى وظيفة. وهذه هي المسافة بين القراءة الإلحادية المتشنجة والقراءة البلاغية.

السادس عشر: هل كان يمكن حذف «الحمد» أيضًا؟

لو طبقنا منطق الملحد تطبيقًا كاملا، لوجدنا أنفسنا أمام سؤال آخر: لماذا قيل ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾ ثم ذُكرت الربوبية؟ أليس من الممكن أن يقال مباشرة «رب السماوات ورب الأرض رب العالمين؟» ولماذا ذُكر الحمد أصلًا؟ ثم لماذا ذُكر بعد ذلك ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ﴾؟ أليس معنى الربوبية كافيًا؟ الجواب: لأن كل عنصر في النظم يؤدي وظيفة دلالية خاصة. الحمد نتيجة. والربوبية سبب من أسباب استحقاق الحمد.. والكبرياء مظهر من مظاهر الجلال. فكما أن حذف «الحمد» يخل بالبناء، فإن حذف بعض تكرار «رب» قد يخل بالبناء أيضًا. وهكذا يتبين أن منطق «يمكن حذف هذا اللفظ» لا يكفي للحكم على البلاغة.. فيمكن حذف كثير من الألفاظ من أي نص، لكن السؤال: ماذا نخسر حين نحذفها؟ وهذا هو السؤال الذي لم تطرحه الشبهة أصلًا!

السابع عشر: الرد على دعوى «الركاكة»:

الحكم بالركاكة يحتاج إلى بيان خلل في: التأليف، تناسب الألفاظ، وضوح المعنى، سلامة التركيب، أو منافاة الكلام لمقتضى الحال. فأين هذا الخلل في الآية الكريمة؟! هل هناك خلل نحوي؟ لا. هل هناك غموض في أصل المعنى؟ لا. هل هناك تنافر بين الألفاظ؟ لا. هل التكرار خارج عن أساليب العربية؟ لا. هل المقام مقام لا يناسب التوكيد والتفصيل؟ بل هو من أكثر المقامات مناسبة لذلك؛ لأنه مقام حمد وتعظيم وتقرير للربوبية والكبرياء. إذن أين «الركاكة»؟ كل ما قدمه الملحد هو قوله الآثم: «يمكن أن نقول بطريقة أقصر»! وهذا لا يثبت ركاكة. فالقول بأن هناك صياغة أقصر لا يعني أن الصياغة الأولى ركيكة، وإلا لكانت كل صياغة يمكن اختصارها ركيكة، وهذا لا يقول به عاقل.

الثامن عشر: ورطة الملحد:

هل البديل المقترح يؤدي المعنى نفسه فقط، أم يؤديه بالقوة البلاغية نفسها؟ إن قيل: يؤدي المعنى نفسه فقط، فقد سقطت دعوى «الأجمل بلاغيًا». وإن قيل: يؤديه بالقوة نفسها، فعليه أن يثبت ذلك، لا أن يفترضه لمجرد أن العبارة أقصر. والذي يظهر أن البديل لا يؤدي الوظائف البلاغية نفسها؛ لأنه حذف التكرار، وأسقط التوكيد المتدرج، وأضعف استقلال كل مجال من مجالات الربوبية، وأزال الحركة من الخاص إلى العام، وخفف الإيقاع، وسوّى بين المذكورات في تركيب واحد، وأضعف ملاءمة العبارة لمقام الحمد والكبرياء. فأين التحسين إذن؟ لقد تحولت الميزة الوحيدة التي يملكها البديل من «البلاغة» إلى مجرد القِصر. والقِصر ليس بلاغة في ذاته.. فالقرآن هنا لم يكرر «رب» عجزًا عن الاختصار، ولا وقع في الحشو والركاكة، بل جاء بنظم محكم يجعل الربوبية تتردد على السمع في بناء متدرج، كأنها ضربات تقرير وتمجيد: رب السموات، ورب الأرض، رب العالمين. فإذا استقر هذا الإيقاع في القلب، تهيأ السياق تمامًا لقوله بعده: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وهكذا يظهر أن ما ظنه المعترض «تكرارًا زائدًا» هو في الحقيقة جزء من جمال الآية وقوتها.

فالقصور ليس في بلاغة القرآن الكريم، بل في عين الملحد المجرم التي تنظر إلى الآية بمنطق محرر لغوي متعجل، ويزن البلاغة بعدد الكلمات، ولا يزنها بوظائف الألفاظ، ولا بمقتضى الحال، ولا بحسن النظم، ولا بتدرج المعنى.. إن العبارة الأقصر ليست بالضرورة أبلغ، كما أن العبارة الأطول ليست بالضرورة أبلغ؛ وإنما البلاغة أن يأتي اللفظ على قدر المعنى، وأن يأتي النظم على قدر المقام.

والآية الكريمة هنا لم تقل «رب السموات والأرض والعالمين» ثم انتهت؛ لأن المقصود ليس مجرد أن يعرف السامع أن الله رب الجميع، فهذه دلالة يمكن أن تؤديها عبارات متعددة. بل المقصود أن يُستحضر في النفس جلال الربوبية في مشاهدها المتعددة، وأن يتردد اسم «رب» مع كل مجال من مجالات هذا الملك العظيم، ثم يأتي الختام الجامع: «رب العالمين».

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة