سُنة التدافع.. وجريمة سرقة أعضاء الأسرى والمختطفين

سُنة التدافع.. وجريمة سرقة أعضاء الأسرى والمختطفين

جعل الله عز وجل الدنيا دار اختبار للناس، وسنّ بحكمته منظومة من السنن الإلهية الناظمة لحياة البشر، لا تتبدل ولا تتخلف، ومن هذه السنن سُنة التدافع؛ دفع الله الناس بعضهم ببعض، صوناً للأرض عن الفساد، وحماية للحق من انتفاش الباطل، قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِد يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40)، قال البقاعي في نظم الدرر: «لأن كل فرقة تريد هدم ما للأخرى، بل ربما أراد بعض أهل ملة إخراب بعض معابد أهل ملته، فيدفعه الله بمن يريد من عباده»، والآية عامة في دفع كل إفساد وهذا العموم من طبيعة السنن.

قال الطبري في تفسيره: «إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، لهُدم ما ذكر من دفعه تعالى ذكره بعضهم ببعض، وكفِّه المشركين بالمسلمين عن ذلك، ومنه كفه ببعضهم التظالم، كالسلطان الذي كفّ به رعيته عن التظالم بينهم، ومنه كفُّه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق، ونحو ذلك، وكلّ ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض، لولا ذلك لتظالموا، فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيَعهم وما سمّى جل ثناؤه، ولم يضع الله تعالى دلالة في عقل على أنه عنى من ذلك بعضا دون بعض».

إن هذا التدافع هو الذي يحجم الباطل ويعيد الحق إلى أهله، فإن اختل ولم يوجد من يدفع الإفساد بشكل كافٍ، فإن الباطل يتمادى والظلم يتمدد، وهذا بالضبط ما يحدث في زماننا هذا والله المستعان، فالاحتلال الصهيوني يمعن في ممارسة الإبادة الجماعية على مرأى ومسمع من العالم في غزة خاصة وفي المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية، ولا يجد من يوقفه عند حده فيتمادى في جرائمه وانتهاكاته للأعراف والقوانين الدولية والشرائع السماوية، وقد ظهر مؤخراً نوع جديد من جرائم الاحتلال البشعة، وهي جريمة سرقة الأعضاء من الأسرى والمخطوفين الفلسطينيين، وهي ممارسة وإن كانت قديمة عند الاحتلال، إلا أنها تضاعفت أضعافاً كثيرة في الآونة الأخيرة، مع عدم مبالاة بعاقبة فعلهم الشنيع، وصدق من قال: «من أمن العقوبة أساء الأدب».

قال مدير المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة إسماعيل الثوابتة، في تصريح لوكالة «الأناضول»، في 17 أكتوبر 2025م: إن الاحتلال سلم عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر 120 جثماناً خلال الأيام الثلاثة الماضية، موضحاً أن معظم الجثامين وصلت في حالة مزرية، تُظهر تعرض أصحابها لإعدام ميداني وتعذيب ممنهج، لافتاً إلى أن أجزاء من أجساد العديد من الشهداء مفقودة، بينها عيون وقرنيات وأعضاء داخلية؛ ما يؤكد سرقة الاحتلال أعضاء بشرية خلال احتجاز الجثامين.

وأوضح د. منير البرش، المدير العام للمستشفيات بغزة أن كثيرًا من الجثامين أُفرغت من الأعضاء الحيوية (القلب، الكبد، الكلى، القرنية)، وحُشيت بالقطن الأبيض لإخفاء عملية الاستئصال.

وفي مقابلة مع تلفزيون «عربي 21» في برنامج للقصة بقية، قال البروفيسور غسان أبو ستة: إن الأعضاء المفقودة في الجثامين هي الأعضاء التي تزرع الآن بطريقة روتينية، يعني: القلب والرئتين والكبد والكلى والقرنية.

جريمة ممنهجة وممارسة ممتدة

إن جريمة سرقة الأعضاء ابتدأت مبكراً منذ انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى، قال الصحفي السويدي دونالد بوستروم، في مقال بصحيفة «أفتونبلاديت» السويدية: إن الشبان الفلسطينيين الذين قتلهم الجيش «الإسرائيلي» خلال الانتفاضة الأولى في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات تعرضوا لممارسات «إسرائيلية» لسرقة الأعضاء.

وأجرت د. نانسي شيبر- هيوز، وهي عالمة أنثروبولوجيا طبية أمريكية، مقابلة مع يهودا هيس في عام 2000م، اعترف فيها بأن معهد أبو كبير بتل أبيب كان يأخذ أعضاء وأنسجة «على نحو غير رسمي»، ودون إذن، وشمل ذلك استئصال القرنيات، وصمامات القلب، والعظام، والجلد.

وفي ديسمبر 2009م، اعترف جيش الاحتلال «الإسرائيلي» بأن معهد أبو كبير استأصل خلال التسعينيات أنسجة -بما في ذلك القرنيات والجلد والعظام- من جثث، منها جثث فلسطينيين، دون موافقة ذويهم.

هذا ويفرض القانون «الإسرائيلي» تشريح الجثة لأي شخص يموت في ظروف غير طبيعية، أو في أثناء الاحتجاز، بمن فيهم السجناء، ويتم هذا التشريح في معهد أبو كبير حصريًّا.

مقابر الأرقام

لا يزال عدد الجثامين الفلسطينية التي يحتجزها الاحتلال غير واضح، فقد أفادت الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء وهي منظمة فلسطينية غير حكومية، أن الاحتلال يحتجز رفات ما لا يقل عن 735 شخصًا، بينهم 99 من غزة، في ثلاجات الموتى، أو مقابر الأرقام، ولنا أن نتخيل ما هو حال هذه الجثامين وكم الأعضاء البشرية التي سرقت منها.

فمنذ عام 1967م تتبع دولة الاحتلال سياسة احتجاز جثامين الفلسطينيين الذين قتلتهم قواتها، وفي السبعينيات أنشأت «مقابر الأرقام»، وهي مواقع دفن سرية يُدفن فيها الفلسطينيون دون الكشف عن هوياتهم، ويتم تمييزهم فقط بلوحة معدنية تحمل رقمًا.

الموقف القانوني

يجادل باحثون ومنظمات حقوقية عديدة، مثل «الحق»، بأن هذه السياسة أداة للعقاب الجماعي، وشكل من أشكال السيطرة على الجسد الفلسطيني، حيًّا أو ميتًا، وتشكل هذه الممارسات انتهاكا للمادة (17) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تفرض احترام الموتى، وتُصنف على أنها جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي (المادة 8)، الذي يحظر تشويه الجثث، والاعتداء على الكرامة الشخصية.

وأكد رائد أبو بدوية، أستاذ القانون الدولي، أن ما تقوم به سلطات الاحتلال من احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين، والتلاعب بها أو نزع الأعضاء الحيوية، يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني ولأحكام اتفاقيات جنيف، ويقع تحت تصنيف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

إلا أن الاحتلال لا يواجه ضغوطاً حقيقية مؤثرة لمنعه من هذه الانتهاكات الواضحة، بل نجده يشرع قوانين ويصدر قرارات سياسية باعتقال «المقاتلين غير الشرعيين» دون محاكمة أو تواصل قانوني، كما تسمح باحتجاز جثامين الأسرى والتمثيل بها.

أرقام قياسية ومصدر غامض

صرح وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر مؤخراً بأن «إسرائيل» سجلت رقمًا قياسيًا عالميًا في التبرع بالكُلى، واحتفت موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية بذلك، في مشهد يعكس ازدواجية فاضحة في المعايير الدولية، حيث يُكافأ الاحتلال على إنجازاته الإنسانية، بينما تُترك جرائم الجسد الفلسطيني بلا مساءلة أو تحقيق.

ووجّه مدير عام وزارة الصحة في غزة، د. منير البرش، اتهامًا مباشرًا للاحتلال، متسائلًا عن مصدر الأعداد القياسية من الكُلى التي يفاخر بها عالميًا، وقال: إن الاحتلال الذي يحتجز جثامين الشهداء الفلسطينيين لسنوات، ويمنع تسليمها لعائلاتها، هو ذاته الذي يظهر اليوم أمام العالم بوجه إنساني زائف، يتحدث عن التضامن والتبرع بالأعضاء، بينما يُمارس في الخفاء سياسات تنتهك أبسط حقوق الإنسان.

وفي تصريح للناشطة والمترجمة التركية آيشتين كانت أوغلو قالت تعليقاً على خبر أن الاحتلال لديه أكبر بنك جلود تطوراً في العالم، قالت: لكننا نعلم أن اليهود لا يتبرعون بجلودهم أو أعضائهم بسبب الأهمية التي يوليها معتقدهم لسلامة الجسد، فكيف يمكنهم إذن امتلاك أكثر بنوك الأعضاء والجلود تطوراً في العالم؟! وتساءلت: جلود من هذه؟ أعضاء من هذه؟ كيف يمكنكم نهب شعب ما وصولاً إلى أعضائه وجلده؟ أي حق يبيح لكم هذا؟

وبعد، فإن سُنة التدافع الإلهية هي الضمانة الوحيدة لوقف هذه الجريمة البشعة ومحاسبة المجرمين، ومن الأهمية بمكان أن يكون لنا دور مؤثر في تطبيق هذه السُّنة المنسية قبل أن يستبدلنا الله.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة