ظلم النفس في الأشهر الحرم

خلق الله سبحانه الكون، زمانَه ومكانَه وهو أعلم به، يخص زمانًا أو مكانًا بما يخصه من التشريف أو الحل أو الحرمة، وذلك عن علم منه وحكمة، فيحرم الشيء في زمان ويحله في غيره، ويُغَلِّظُ العقوبة على الذنوب في زمان أكثر منه في زمان آخر، كل هذا عدلًا ورحمة وحكمة منه سبحانه، وليس على المرء إلا الاستجابة لأمر الله تعالى، فمن استجاب هُدي لخيري الدنيا والآخرة، ومن أبى ضل ضلالًا بعيدًا، أو قل نقص أجره، ولم يكتمل هديه.


بين ظلم النفس والتوبة في الأشهر الحُرُم |  Mugtama
بين ظلم النفس والتوبة في الأشهر الحُرُم | Mugtama
 خلق الله عز وجل الإنسان وجبله على حرية اختيا...
mugtama.com
×


الأشهر الحرم؟

قال الله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) (التوبة: 36).

وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ..»(1).

بمعنى: إنَّ الزَّمانَ في انْقِسامِه إلى الأعْوامِ، والأعْوامِ إلى الأشْهرِ، عادَ إلى أصْلِ الحِسابِ والوَضْعِ الَّذي اخْتارَه اللهُ ووضَعَه يَومَ خلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ؛ وذلك أنَّ العرَبَ كانوا يُؤَخِّرونَ شَهرَ المُحرَّمِ ليُقاتِلوا فيه، وهكذا يُؤَخِّرونَه كلَّ سَنةٍ، فيَنتَقِلُ مِن شَهرٍ إلى شَهرٍ حتَّى جَعَلوه في جَميعِ شُهورِ السَّنةِ، فلمَّا كانت تلك السَّنةُ، كان قدْ عادَ إلى زَمنِه المَخْصوصِ به، وقدْ خلَقَ اللهُ سُبحانه السَّنةَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهرًا، منها أربَعةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَة مُتَوالِياتٌ: ذو القَعْدةِ؛ وسُمِّيَ بذلك للقُعودِ فيه عنِ القِتالِ، وذو الحِجَّةِ؛ للحَجِّ، والمُحَرَّمُ؛ لتَحْريمِ القِتالِ فيهِ، وواحِدٌ فَردٌ، وهو رجَبُ مُضَرَ، ونُسِبَ إلى قَبيلةِ مُضَرَ؛ لأنَّها كانت تُحافِظُ على تَحْريمِه أشدَّ مِن مُحافَظةِ سائرِ العرَبِ، ولم يكُنْ يَستَحِلُّه أحَدٌ مِنَ العرَبِ، وقولُه: «الَّذي بيْن جُمادى وشَعْبانَ» تَحْديدٌ لشَهرِ رَجبٍ الحَقيقيِّ(2).

النهي عن ظلم النفس في الأشهر الحرم

قال الله تعالى: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)؛ قال الإمام ابن عطية: وقوله مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ نص على تفضيل هذه الأربعة وتشريفها، قال قتادة: اصطفى الله من الملائكة والبشر رسلًا ومن الشهور المحرم ورمضان، ومن البقع المساجد، ومن الأيام الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الكلام ذكره فينبغي أن يعظم ما عظم الله(3).

وقال الإمام القرطبي: لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا عَظَّمَ شَيْئًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ صَارَتْ لَهُ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِذَا عَظَّمَهُ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ جِهَاتٍ صَارَتْ حُرْمَتُهُ مُتَعَدِّدَةً فَيُضَاعَفُ فِيهِ الْعِقَابُ بِالْعَمَلِ السَّيِّئِ كَمَا يُضَاعَفُ الثَّوَابُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ(4).

النسيء من ظلم النفس

قال الله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) (التوبة: 37).

قال السعدي: النسيء: هو ما كان أهل الجاهلية يستعملونه في الأشهر الحرم، وكان من جملة بدعهم الباطلة، أنهم لما رأوا احتياجهم للقتال في بعض أوقات الأشهر الحرم، رأوا -بآرائهم الفاسدة- أن يحافظوا على عدة الأشهر الحرم، التي حرم الله القتال فيها، وأن يؤخروا بعض الأشهر الحرم، أو يقدموه، ويجعلوا مكانه من أشهر الحل ما أرادوا، فإذا جعلوه مكانه أحلوا القتال فيه، وجعلوا الشهر الحلال حرامًا، فهذا -كما أخبر الله عنهم- أنه زيادة في كفرهم وضلالهم، لما فيه من المحاذير.

منها: أنهم ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، وجعلوه بمنزلة شرع الله ودينه، والله ورسوله بريئان منه.

ومنها: أنهم قلبوا الدين، فجعلوا الحلال حرامًا، والحرام حلالًا.

(زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) أي: زينت لهم الشياطين الأعمال السيئة، فرأوها حسنة، بسبب العقيدة المزينة في قلوبهم(5).

هل ينسأ الناس اليوم فيقعون في الكفر؟

نعم كثير من الناس يقعون في مثل ذلك، من التبديل في المحرمات، وليس شرطًا في الأشهر الحرم، ولكن في غيرها من تحريم ما أحل الله تعالى، أو تحليل ما حرمه الله تعالى، وهذا أخطر ما في الأمر، فليحذر المسلم أن يمس قضية التشريع، لأن التشريع لا يكون إلا لله تعالى، قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ) (الروم: 21)، وذلك في كل صغيرة وكبيرة، فليس الحرام إلا ما حرم ربنا سبحانه، وكذا ليس الحلال إلا ما أحله الله تعالى، ولئن يقع الإنسان في معصية وكبيرة معترفًا بعقابها الشديد خير له من أن يحرم ويحلل دون علم فيقع بذلك في الكفر عياذًا بك اللهم.

كيف أمنع ظلم نفسي؟

قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ(6).

ومنع الظلم يكون بأمرين اثنين:

أولهما: عدم اقتراف الآثام وذلك لتغليظ العقوبة عند الله لمقترفها في هذه الأشهر عن غيرها، وهذا معلوم للجميع.

ثانيهما: وهو الأهم، وهو السعي في اكتساب الحسنات من زيادة الطاعات، فحرمان النفس من الخير في هذه الأشهر ظلم لها، ومن هنا لابد من تحسس الطاعات والمحافظة عليها، خاصة وقد خص الله هذه الأشهر بمزايا عدة.

ففيها أفضل أيام السنة في العبادة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ»(7).

وفيها يوم عرفة ويوم عاشوراء

عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يكفر السنة التي قبله(8).

وفيها شهر الله المحرم

عَنْ أبي هريرة قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ. وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ»(9).

عليكم بالنوافل عباد الله

وفي الحديث القدسي: «وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»(10).






__________________

(1) البخاري (4405).

(2) الدرر السنية، https://dorar.net/hadith.

(3) المحرر الوجيز (3/ 30-31).

(4) القرطبي (8/ 134-135).

(5) تيسير الكريم الرحمن، ص336

(6) تفسير ابن كثير (4/ 131).

(7) أخرجه الترمذي (757).

(8) رواه مسلم (1162).

(9) رواه مسلم (1163).

(10) رواه البخاري (6502).

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة