مضى الخالدان وبَقِيَتْ آثارُهما
الخالد الأول: الشيخ خالد راشد المبارك:
تلك الأيام ما زالت
ماثلة، كنتُ شاباً يافعاً مُحِباً لطلب العلم لكني تائه في صحرائه، أجوب فيافيه
بلا بوصلة، وإذ بي عند الباب في مدخل عام 1994م كان لقاؤنا، ما أجمل اللقيا بلا
ميعاد! التقيت بالمروءة، والرجولة، وعنفوان الدعوة، وصاحب الهم، والرسالة،
والتفاني، والعلم والعمل؛ كلها مصهورة على هيئة رجل جادٍّ، متوقِّد الحِجا
والجوارح، سيف مسلول بلا جيش.
انتشلني من
التِّيه إلى مدارج الطلب الأصيل، وكمال الوعي بأهمية التكامل المعرفي في علوم
الشريعة؛ للفهم الصحيح للكتاب والسُّنة، يحاذي ذلك التربية الإيمانيّة والقيمية، والزهد
في الدنيا، وصيام الإثنين، والقيام، والتواضع، والكرم، والإخلاص، فلا خير في علم
لا يتبعه العمل، كما لا خير في جسد نضير بلا روح مُورِقةٍ تقودُ جوارحَه.
كان الأبَ،
والصاحب، والمربي، والمؤدب، والشيخ، توقًّفَ مشروعُه نظرياً، لكني حسنة من حسناته
ولي الفخر؛ فكان من الوفاء أن تقرَّ عينه، فألهمني توقُّدُهُ الاستمرار في مشروع
صناعة شباب، عالمين، عاملين، يجمعون، ولا يفرقون، يحملون هَمَّ البشرية، لا همَّ
النفس، فكان رحمه الله البذرة لتربة مشروعي عام 2011م.
الخالد الثاني: د. خالد عبدالمحسن الحبشي:
كان اللقاء أو
الهناء عام 2011م، خالد -باختصار- كان ساعدي الأيمن، بل كل جوارحي فعلياً، فَهِمَ
الرسالة، وعاش لها، متفانياً، مضحياً، وكان محل النفس، وبهجة الروح، ونبض القلب،
أدار المشروع إدارياً، ومالياً، ووظيفياً، فكان هوائي الذي أتنفسه، ورئتي التي
أعيش بها، وعقلي الذي أفكر به، فهل ترى لهذا من خَلَف!
لكنه باغتني
بالرحيل، وهي المرة الأولى والأخيرة التي لم يستأذني فيها بالرحيل، لم تكن مجالسنا
في دنيا، بل عليها نجلس نرقُبُ الآخرة، اجتمعنا على محبة الله ورسوله صلى الله
عليه وسلم، اجتمعنا على الطاعات، وافترقنا عليها، بفضل الله سبحانه.
يظن الناسُ أن
ذكراهما غَبَرت واستحالت رماداً على أرضي، وما علموا بجمر الشوق يضطرمُ تحته،
يتلظَّى، يكاد يثور -في أي لحظة- لمجرد لمحِ الاسم أو بريقِ ابنٍ حملَ الاسمَ أو
وافقه أو أشبهه أو حرفاً من حروفه أو كان منه مُدانياً.
مضى المربي
ورابيتُه، ومضى المُعين ومَعينُه، مضى الخالدان، ومضى معهما ربيع العُمُر،
الأوراقُ تتساقط، دبيبُ الخريفِ إلى الستين يجري مسرعاً، لم يَعُدْ وقتٌ للالتفات،
لم يبقَ إلا تدارك الأنفاس قُبيل الانطفاءِ الأخير.
آهٍ.. من قِلة
الزادِ.. وبُعد السفر.. ووحشة الطريق!
والله المستعان،
أسأله الصبر، والسلوان، والثبات، والقبول، والبركة، والسعادة لهما في دار القرار، والملتقى
منابر النور.. آمين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً