صراع بين رسالتين (1 - 2)

صراع بين رسالتين (1 - 2)

كان بنو إسرائيل أول أمرهم ممثلين لعقيدة التوحيد وسط شعوب قلما تعرف حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر.

والانفراد بعقيدة صحيحة بين أمم ضالة يتطلب غير قليل من العناء والمصابرة، فقد يسأم الإنسان تكاليف الغربة الروحية، وقد يبتلى بمن يضيق به وبعقيدته ويحاول فتنته عنها...

اختبار يعقوب لأبنائه

ومن هنا رأينا يعقوب عليه السلام يجمع أبناءه قبيل موته، ويريد أن يطمئن على مسيرتهم بعد أن يغادر الحياة، ترى أيظلون على الإيمان الذي شرفوا به، أم يتَّبعون غيرهم على الشرك والفساد؟!

(أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 133).

وكلمة الإسلام قديماً وحديثاً هي العنوان الفذّ للدين الأثير عند الله، بما يتضمنه هذا الدين من توحيد للخالق واستقامة على أمره وإنفاذ لوصاياه، وإقامة لأحكامه.

يوسف الصدّيق وحفظ رسالة يعقوب

وقد كان يوسف الصدِّيق عليه السلام أشرف رجال هذه الأسرة، وأصلح أولاد يعقوب عليه السلام وأرعاهم لتعاليم أبيه في حياته وبعد مماته.

وكان يقدِّر نعمة الاختيار الإلهي لبيت يعقوب كي يحرس التوحيد ويرفع لواءه.

ولذلك رأيناه في السجن ينتهز الفرص فيدعو المسجونين إلى الله وينفرهم من الوثنيَّة ويشرح لهم معالم الإيمان الحق...

وكان السجناء قد لحظوا قدرته على استنباط الغيوب من خلال تعبير الرؤيا، فقال لهم يوسف: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (يوسف: 38).

ويوسف بهذه الكلمات ينوّه بمكانة أسرته، ووظيفتها الرفيعة في قيادة الناس إلى الله الواحد، ونبذ الوثنية السائدة على عهده.

ولذلك يتابع نصحه لرفقاء السجن قائلاً: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الحُكْمُ إِلَّا للهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف: 40).

ومن الإنصاف أن نقول: إن أبناء يعقوب في تاريخهم المتقدم، وفوا بعهدهم لأبيهم، وقاوموا أمواج الوثنية التي حاولت أن تجرفهم، ولعلهم تحملوا في ذلك آلاماً رهيبة.

وأي آلام أبشع من تذبيح الأبناء واستحياء النساء؟ لكنهم مع تلك المحن لم يفقدوا شخصيتهم، ولم يذوبوا في غيرهم ولم ينسوا أصل رسالتهم.

وفي ذلك يقول القرآن الكريم عنهم: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَالَمِينَ وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ) (الدُخان:33).

انحراف بني إسرائيل وتحدياتهم

لكن بني إسرائيل مع سير الزمان، واختلاف الليل والنهار، أخذوا يبددون أمجادهم، ويغاضبون ربهم، ويتنكرون لمواريثهم، ولم ينشأ هذا الانحراف من غلبة عدو عليهم وتأثيره فيهم، بل نشأ من اغترارهم بالله وجراءتهم عليه وابتذالهم لنعمه، وأضحوا كالولد المدلل لا ينتظر منه أدب، ولا تثمر في تقويمه عظة.

وتطرق هذا العوج إلى المبادئ التي اختيروا لإعلاء منارها وتمهيد سبلها، فإذا هم يخلطون التوحيد بالشرك، ويذهلون ذهولاً مطلقاً عن اليوم الآخر، ويرتكبون المعاصي دون حذر، وينسون قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وينطلقون على ظهر الأرض ما تسيرهم إلا غرائزهم الدنيا مقترنة بدعاوى عريضة ومزاعم مكذوبة، فكانوا بهذا المسلك الجديد من الأمم التي كلفوا قديماً بتعليمها وتأديبها، وفضلوا تفضيلاً عليها.

ومن رحمة الله بعباده أنه يقبل عثراتهم ويغفر زلاتهم ولا يؤاخذهم لأول ما يفرط منهم، وقد أمهل بني إسرائيل طويلاً كيما يثُوبوا لرشدهم ويعتذروا عن أخطائهم، وبعث فيهم أنبياء كثيرين يذكِّرونهم بالله ويخوِّفونهم نقمته.

لكن القوم لم يرعَووا ويدَعوا ما هم فيه، بل تأدبت بهم الشراسة الجامحة أن يعدوا على أنبياء الله فيقتلوا من ضاقوا بنصحه منهم: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (المائدة: 71).

وكان آخر اختبار سقطوا فيه موقفهم من عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، فقد جاءهم هذا الإنسان الصالح يبغي ترقيق قلوبهم وتهذيب طباعهم وإلزامهم حدود الله وتعاليم الوحي الأعلى، واعتناق حقيقة الدين بدل الاستمساك بقشوره والخروج على جوهره.

ولكنهم سخروا منه أقبح سخرية، ورموه وأمه بأغلظ الإفك، ثم ابتغوا قتله كشأنهم مع من سبقه، بيد أن الله نجَّاه منهم ووقاه شرهم.

وكان هذا كما قلنا آخر اختبار لبني إسرائيل فقد كانت النبوات وقفاً عليهم، وهدايات السماء تنبعث من أرضهم.

وطالما سطعت أشعَّة الوحي من ساحات المسجد الأقصى على أيدي رسل كرام غير أن هذه الأشعة ضاعت بين غيوم كثيفة من الشهوات، ومحا أثرها شعب عز على العلاج بعد أن تغلغل الفساد الخلقي والاجتماعي في أعماقه...

قيادة الإنسانية من أولاد إسرائيل إلى أولاد إسماعيل

وقررت العناية العليا أن تنقل قيادة الإنسانية من جنس إلى جنس، أو من أولاد إسرائيل إلى أولاد إسماعيل، أو من اليهود إلى العرب.

كان عيسى ابن مريم آخر إسرائيلي يرسل إلى قومه، وكان تكذيبهم له آخر جرم يختم به تاريخهم الديني.

ثم يجيء دور العرب بعدئذ ليفتحوا صفحة جديدة في الحياة، بعدما ملأ اليهود الصفحات السابقة بمخازيهم ومآسيهم: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلَامِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الصَّف: 7).

وفي تسويغ هذا الانتقال الحاسم، وسرْد أسبابه وملابساته، وفي تعريف العرب بمكانتهم الإنسانية الجديدة ودورهم القيادي الخطير، وفي تقرير الواجبات الثقيلة التي تفرضها هذه الرسالة العظمى على العرب، في هذا كله نزلت آيات شتى نريد أن نتدبّرها ونتدارس دلالاتها وأبعادها.

 

 


 

_________________

نشر في مجلة «لواء الإسلام»، العدد (12)، شعبان 1393هـ/ 27 أكتوبر 1973م.

المصدر: رابطة العلماء السوريين.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة