كيف تدير الأسرة رحلة الهجرة الناعمة؟

كيف تدير الأسرة رحلة الهجرة الناعمة؟

الهجرة ليست ذوباناً في ثقافة الآخر، وإنما حفاظ على هوية ومنظومة قيم.. الهجرة والاغتراب يعني أن رسالتك أقوى من الألم النفسي.. الاغتراب يعني أن الثبات الإيماني هو المنقذ، وليس الركض وراء إبهار الحداثة.

إن الهجرة والاغتراب لا يعني أن الشخص يهرب للأمام، بل هو ثابت ثبوت الشجرة الطيبة التي ضربت جذورها العميقة بأصل القيم الثابت، وغطّت فروعها السماء بأخلاق الإسلام السامية والجاذبة لأي ثقافات أخرى.

«المجتمع» تواصلت مع عدد من خبراء الأسرة والسلوك، لمعرفة الجهود الأسرية وفي القلب منها الأم في كيفية حماية أبنائها من خطر الاغتراب المعاصر أو الهجرة الناعمة.

الهجرة انتقال قيمي

د. محروس سليمان، المستشار التربوي والأستاذ المساعد بالجامعة الإسلامية، أكد، في حديثه لـ«المجتمع»، أن الهجرة في التصور الإسلامي ليست انتقالاً جغرافياً فحسب، وإنما انتقال قيمي وإيماني.

وأوضح أننا عندما نتأمل نماذج الصحابيات نجد أن المرأة المسلمة كانت شريكاً أساسياً في صناعة الثبات وحماية الهوية، وتقدم لنا السيرة النبوية نماذج خالدة في هذا الشأن؛ فأسماء بنت أبي بكر لم تكن مجرد امرأة صاحبت حدث الهجرة، بل كانت نموذجاً للأم المؤمنة التي قدّمت الأمن النفسي والثبات الإيماني في ظروف بالغة الصعوبة، وهي في أواخر حملها.

وتابع سليمان: تمثل أم سلمة صورة مؤثرة للأم التي دفعت ثمناً باهظاً للهجرة، إذ فُرّقت عن زوجها وحُرمت من طفلها مدة من الزمن، لكنها بقيت متماسكة، مؤمنة بأن الرسالة التي تحملها أكبر من الألم الذي تعيشه.

وقال: أما اليوم، فإن الأسر المسلمة المهاجرة تواجه نوعاً مختلفاً من التحديات، فالتحدي لم يعد في عبور الحدود، بل في عبور التأثيرات الثقافية والفكرية التي تتسلل بهدوء إلى عقول الأبناء ووجدانهم، لذلك يمكن وصف الهجرة المعاصرة بأنها «هجرة ناعمة»؛ لأنها لا تنتزع الهوية دفعة واحدة، وإنما قد تُضعفها تدريجياً إن لم تكن الأسرة يقظة وواعية.

ونبه سليمان أنه من خلال العمل التربوي مع أسر ومعلمين في بيئات متعددة، ألاحظ أن أكبر خطر لا يتمثل في اختلاف اللغة أو العادات، وإنما في أن ينشأ الطفل وهو يشعر:

  • أن هويته الإسلامية أمر ثانوي في حياته.
  • تغييب الممارسات الإيمانية اليومية.
  • المحافظة على الهوية بالمواعظ وحدها، بل بصناعة بيئة أسرية حيّة.

الأم ضابطة وحاضنة تربوية

من جهتها، أكدت الخبيرة في التربية الإسلامية د. إيمان سفيان أن الهجرة المعاصرة ليس حدثاً طارئاً، وإنما مسار إنساني معقد، تتقاطع فيه الضرورات الاقتصادية والتعليمية مع أسئلة الهوية والرسالة.

وأضافت لـ«المجتمع» أنه في قلب هذا المسار، تقف الأم المسلمة بوصفها الفاعل التربوي الأعمق أثرًا، وليس باعتبارها مرافِقة للهجرة، بل باعتبارها مهندسة معناها الأخلاقي والوجودي.

وتابعت د. إيمان قائلة: اليوم، تواجه الأسر المسلمة في بلدان الاغتراب تحديات ناعمة؛ من ذوبان ثقافي، وإعادة تعريف الأسرة، وتفكيك المرجعيات القيمية، وهنا تنتقل الأم من دور الحاضنة إلى دور الضابطة التربوية، فتحفظ الهوية عبر بناء وعي نقدي لدى الأبناء، يميز بين الاندماج الواعي والذوبان، ويجعل من الدين إطارًا وفلسفة للحياة لا عبئًا عليها.

وأشارت إلى أنه برغم التحديات، تحمل الهجرة الناعمة مزايا إستراتيجية إذا أُديرت بوعي، فهي:

  • توسّع الأفق المعرفي للأبناء.
  • تنمّي الكفايات اللغوية والحضارية.
  • تمنح قدرة مبكرة على المقارنة النقدية بين النماذج القيمية.

كما تتيح للأم المسلمة إعادة تقديم الإسلام بوصفه منظومة أخلاقية إنسانية قادرة على العيش والتأثير في سياقات متعددة، لا خطابًا دفاعيًا منغلقًا.

ونوهت بأنها أيضاً تكشف عن نماذج واقعية من أسر مسلمة في الغرب عن نجاحات لافتة؛ من أمهات حوّلن البيوت إلى مساحات هوية، حيث تُدار الحوارات القيمية بلغة العصر، وتُمارس العبادات كخبرة حياة، ويُدمج الأبناء في المجتمع دون التفريط بالمرجعية.

الهجرة اختبار عميق للهوية والثقافة

بينما أكدت خبيرة القيادة التربوية والمحاضرة بالجامعة الإسلامية هبة أبو عيادة أن الهجرة الناعمة اليوم تحوّلت إلى اختبار عميق للهوية والثقافة ودور الأم المسلمة في حماية الأسرة من الذوبان داخل بيئات مختلفة.

وأوضحت أنه في واقعنا المعاصر، تعيش كثير من الأسر المسلمة المهاجرة إلى الغرب أو دول الاغتراب تحديات مركّبة؛ أبرزها ضغط الاندماج الثقافي، وتعدد مصادر التأثير على الأبناء، وتراجع البيئة الداعمة للقيم الدينية والاجتماعية.

وشددت هبة، في حديثها لـ«المجتمع»، على أنه هنا يتضاعف دور الأم بوصفها الحارس الأول للهوية، فتحافظ الأم على هوية أبنائها عبر بناء بيت قيمي داخل المنزل، يقوم على بناء عقيدة سليمة وتعليم القرآن واللغة العربية، وربط الأبناء بالسيرة النبوية كنموذج حي، مع تعزيز الحوار المفتوح، لفهم ما يواجهونه خارج البيت بدل الانغلاق أو المنع.

وبيّنت أن الهجرة المعاصرة تحمل تضحيات ثقيلة، منها شعور العزلة، وضغط العمل والدراسة، وصعوبة توازن الأم بين متطلبات الاندماج وحماية الخصوصية الدينية والحفاظ على تماسك وبناء الأسرة.

وختمت: تبقى الأم المسلمة في الاغتراب مشروع تربية مستمراً، تصنع من غربتها مساحة لصناعة جيل قادر على التوازن بين الانتماء الديني والبناء القيمي والعيش في عالم متغير.

هجرة أصحاب الكفاءات العلمية والحرفية

ويؤكد الخبير السلوكي عبدالقدوس القضاة أن دواعي الهجرة لا تختلف اليوم عن الأسباب البشرية الأولى في مجملها، فمنها ما هو اتقاء لشكل من أشكال الاضطهاد، ومنها ما هو ضرب في الأرض طلباً للرزق، ومنها ما هو بقصد العلم والدراسة، وغير ذلك من أسباب الهجرة المشروعة اضطرارية كانت أم اختيارية.

وأوضح القضاة لـ«المجتمع» أن الهجرة الناعمة كذلك ليست حديثة، ولكنها اليوم تتخذ منحنيات خطيرة، حين تصبح تدريجياً حالة انفصال وقطيعة مع المجتمعات، لا سيما حين يهاجر صاحب الكفاءة العلمية والحرفية، ويجد له متسعاً وترحيباً لا يراه في وطنه.

وأضاف أن أرقام الإحصاءات مرعبة، التي تؤشر إلى أن 54% من الذين يهاجرون من بلداننا الإسلامية لا يعودون لمواطنهم مطلقاً، وأن 33% من الذين يشغلون قطاع الأطباء في مستشفيات بلد كبريطانيا هم من العرب.

وواصل القضاة، في حديثه: هناك هجرة على مستوى العائلات، مما يرتب على المرأة وظيفة رعائية أخرى؛ وهي تهيئة أبنائها للحركة الفاعلة الطبيعية داخل مجتمعهم الجديد، مع الحفاظ على قيم الدين وشعائره.

ونبه على أنه لا بديل هنا عن إدراك الأم أن بعضاً من كمالياتها في الحياة العادية في موطنها لا بد أن تتغير، وتضع مكانها أولوية كبيرة تتعلق بأبنائها وتأهيلهم بما يضمن هذه المعادلة الدقيقة، ولا بد من تعاون ممنهج ومستمر ومدروس بين الوالدين لتحقيق ذلك، مشيراً إلى أن المهمة لا تبدو يسيرة، ولكن الوقت المهم الذي سيعطى من الأم تحديداً لأبنائها سيكون من التضحيات الأولى والأهم التي تقدم في هذا الإطار.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة