دلالات تسليم "المسجد البابري" للهندوس لبناء معبد فوقه
منذ صعود الحزب الهندوسي المتطرف "بهارتيا جاناتا" للحكم عام 2014، عقب فوزه في الانتخابات، تحولت الهند إلى حكم عنصري ضد المسلمين، وزادت الهجمات عليهم وقتلهم، لتتحول تدريجياً إلى دكتاتورية كاملة الآن، مع تعصب ديني همجي.
وجاء الحكم الذي أصدره 5 قضاة هندوس بتسليم ما تبقى من المسجد البابري وأرضه الذي تم هدمه في عام 1992، وقتل قرابة 2000 من المسلمين، للهندوس المتطرفين الذين هدموه مكافأة لهم على جريمتهم، وسحب المسجد من المسلمين بحجة وجود معبد هندوسي تحته، ليضع الهند على خطى الحكم النازي، بالسعي لمحو التاريخ الإسلامي هناك.
فرغم أن المسجد بناه الإمبراطور المغولي المسلم ظهير الدين محمد بابر في القرن السادس عشر، حيث بناه المسلمون سنة 935 هـ؛ أي منذ 506 سنة إسلامية يزعم الهندوس أنه بني على أنقاض معبد بمكان مولد "راما" الذي يعدونه إلها.
وشيد المسجد في عهد الإمبراطورية المغولية المسلمة التي حكمت القارة الهندية بأكملها، كان مركزاً إسلامياً مشعّاً في آسيا زهاء أربعة قرون، ويدعي الهندوس أن الإمبراطور المغولي المسلم هدم معبدهم عام 1528 لبناء المسجد.
حكم سياسي ديني لا قضائي
وجاء حكم المحكمة العليا سياسياً دينياً أكثر منه حكماً عدلياً، فمن هدم المسجد بالأمس هو اليوم على سدة الحكم في الهند، وهو حزب BJP (بهارتيا جنتا بارتي) وإجرامهم في حق المسلمين والأقليات الأخرى معروف ومتكرر.
فمن الغريب أن تصدر المحكمة حكماً بإعطاء المسجد كله للهندوس لبناء معبدهم عليه، برغم أن محكمة هندية أصدرت عام 2010 قراراً يقضي بتقسيم موقع المسجد ثلثاً للمسلمين وثلثين للجماعات الهندوسية المختلفة، وهو الحكم الذي طعنت فيه الأطراف كلها، ولو أقرت المحكمة حكماً بتقسيم المسجد بين الطرفين لكان أكثر رضاء للطرفين.
وقد أعرب رئيس "مجلس اتحاد مسلمي عموم الهند" أسد الدين عويسي عن عدم رضاه عن المحكمة العليا في قضية النزاع على أرض المسجد البابري، وألمح إلى أنه حكم غير عادل، حيث قال للصحفيين: "المحكمة العليا هي في الواقع العليا لكنها ليست معصومة".
وأضاف: المحكمة العليا هي في الواقع العليا ولكن غير معصومة، وسنقاتل من أجل حقوقنا القانونية، نحن لسنا بحاجة إلى خمسة أفدنة من الأراضي كتبرع من المحكمة والحكومة لبناء مسجد بديل، علماً أن مساحة أرض المسجد البابري 2.77 فدان.
وقال: إن المسلمين غير راضين عن الحكم الذي أصدرت المحكمة العليا في الهند بتسليم الأرض التاريخية لمسجد بابري للهندوس، لتشييد معبد عليه، مقابل منح المسلمين أرضاً بديلة بمساحة هكتارين، لبناء مسجد عليها، في منطقة أيوديا، بولاية أتار بارديش.
وقالت وكالة "بلومبرج" للأنباء: إن القرار صدر بالإجماع من قضاة المحكمة العليا المكونة من خمسة قضاة، وقضى بأن الأرض التي دُمر فيها مسجد بابري من قبل مجموعة هندوسية متطرفة في عام 1992، تخص في الأصل هندوساً، وسيتم تسليمها إلى هيئة، ستتولى إدارتها الحكومة الاتحادية اعتباراً من الآن.
وقرأ كبير القضاة الهنود، رانجان جاجوي، الذي يترأس هيئة المحكمة، الحكم أمام قاعة المحكمة المكتظة اليوم السبت.
وفي وقت سابق، أصدرت المحكمة أمراً بتشكيل لجنة وساطة من ثلاثة أعضاء برئاسة قاضي المحكمة العليا المتقاعد إبراهيم خليفة الله، بحسب ما ذكره فيشنو شانكار، وهو محامي منظمة "هندو ماهاسابا"، وهي من الأطراف الرئيسة في النزاع.
ورغم مرور نحو 27 عاماً على هدم مسجد بابري التاريخي، الذي أشعل غضباً طائفياً في الهند، وأدى لمقتل أكثر من ألفين معظمهم من المسلمين، جاء قرار المحكمة العليا ليبدد آمال المسلمين الهنود.
قصة المسجد البابري
في مدينة "أيوديا" بمنطقة أتر برديش بالهند، كان يقع مسجد من أكبر المساجد في الهند، تم إنشاؤه في عام 1528م، بني المسجد بأوامر من الإمبراطور المغولي ظهير الدين بابر، أعلى هضبة راماكوت، التي يدعي الهندوس أنها مكان مولد لمعبودهم "راما".
وعام 1853 قتل 70 شخصًا في مواجهات هي الأولى من نوعها في أيوديا بين الهندوس والمسلمين جراء النزاع على ملكية الموقع المقام عليه مسجد بابري، عقب احتجاجات نظمها هندوس متعصبون ليرد المسلمون بمسيرة مضادة.
وفي العام 1854 نظم المسلمون مسيرة أخرى تصدى لها الهندوس والقوات البريطانية التي كانت تحتل الهند، ما أسفر عن مقتل أكثر من 700 شخص.
وبدأت الاعتداءات للمرة الأولى عام 1855 حيث ادعى الهندوس وللمرة الأولى أن لهم حقاً في مكان بناء المسجد، وكان ذلك في عهد الأمير واجد علي شاه، حاكم منطقة "أيوديا".
وفي نفس العام (1885) تجددت المناوشات بين الهندوس والمسلمين، وبدأت مجموعة من الهندوس بإقامة منطقة لهم في ساحة المسجد، ولجأ حينها المسلمون للقضاء وصدر الحكم لصالح المسلمين في عام 1886.
وفي عام 1934، تعرض مسجد بابري لأضرار خلال مواجهات بين الهندوس والمسلمين بسبب ذبح المسلمين بقرة ضمن احتفالات عيد الأضحى، وهو ما يرفضه الهندوس لأنهم يعبدون البقر.
وفي 22 ديسمبر 1949 هجمت مجموعة هندوسية على المسجد ووضعت فيه تماثيل للإلهين رام وسينا لدى الهندوس؛ ما اضطر الشرطة إلى وضعه تحت الحراسة وأغلقته بدعوى أنه محل نزاع.
ويوم 3 من نوفمبر 1984 سمح رئيس الوزراء الأسبق راجيف غاندي للهندوس بوضع حجر أساس لمعبد هندوسي في ساحة مسجد بابري، وتبع ذلك حكم صادر من إحدى المحاكم بالسماح بفتح أبواب المسجد للهندوس، وإقامة شعائرهم التعبدية فيه على غرار ما يفعله الصهاينة مع المسجد الأقصى بدعوى أن أسفله معبداً يهودياً.
وفي عام 1986، جلبت جماعة هندوسية متشددة الطوب إلى محيط المسجد من أجل بناء معبد مكانه، وفي عام 1990 شهدت مدينة "أيوديا" مسيرة قادها زعيم حزب "بهاراتيا جاناتا" القومي الهندوسي حينها، أل كي أدفاني، وردد المتظاهرون مطلبهم القديم بإقامة معبد هندوسي مكان المسجد، وتصدى له المسلمون.
ويوم 6 ديسمبر 1992، هاجم حشد من الهندوس المتطرفين المسجد وواصلوا الاعتداءات وهدموه وحولوه إلى أنقاض خلال ساعات، تحت عين الحكومة الهندية، حيث تقدم 15 ألف هندوسي يحملون الفؤوس ومعاول الهدم إلى المسجد البابري، ومحو أربعة قرون ونصف قرن، مرددين الأهازيج الهندوسية، مؤكدين أنه قد حان الأوان ليخرج المسلمون من الهند.
أجج هدم المسجد التوتر بين الهندوس والأقلية الهندية المسلمة، ووقعت أعمال شغب واسعة النطاق، خلفت أكثر من ألفي قتيل معظمهم مسلمون، واعتبرت هذه المواجهات الطائفية الأعنف في الهند منذ استقلالها عام 1947.
واستمر تصاعد الصراع بين المسلمين والهندوس على أرض المسجد التي تمتد على مساحة 25 هكتاراً، فأصدرت محكمة هندية عام 2010 قراراً يقضي بتقسيم موقع المسجد ثلثاً للمسلمين وثلثين للجماعات الهندوسية المختلفة، وهو الحكم الذي طعنت فيه الأطراف كلها.
ومنذ ذلك الحين، ظل المسلمون يطالبون بإعادة بناء المسجد، بينما واصل الهندوس المطالبة ببناء معبد في الموقع.
وقد استغل القوميون الهندوس وحزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم، القضية لاستقطاب أصوات الهندوس لصالحه في الاستحقاقات الانتخابية، بتأييده لمطالب المتطرفين الهندوس، وسعى بالفعل لدعم فكرة إخلاء الأرض من المسجد تماماً وبناء معبد "راما".
وقد اتهم تقرير حكومي تم تسريبه للبرلمان في نوفمبر 2010 زعماء من المعارضة الهندوسية بممارسة دور في تدمير مسجد بابري.
وفي ديسمبر 2001 طالبت أحزاب المعارضة الهندية باستقالة الوزراء المتهمين في قضية هدم البابري، وهددت لجنة عمل المسجد البابري باللجوء إلى المحكمة العليا الدستورية لو تقاعست الحكومة عن إصدار قرار جديد وبسرعة.
وفي 30 مايو 2017، دخلت القضية مرحلة جديدة، إذ وجهت محكمة رسميًا اتهامًا للمؤسس المشارك للحزب الحاكم إل كيه أدفاني وقادة آخرين بينهم وزيرة بالتآمر الجنائي في هدم المسجد.
وفي عام 2000، قال رئيس الوزراء الهندي: إن بناء المعبد الهندوسي مكان المسجد البابري يأتي "تعبيراً عن الأماني القومية"، وإنه "برنامج لم ينتهِ بعد"!، ليعلن المجلس الهندوسي العالمي، في مايو 2001، أنه سيبدأ قريباً ببناء معبد بالقرب من موقع المسجد البابري.
وبعد حادث الهدم أصدرت المحاكم الهندية قراراً بمنع بناء أي شيء في مكان المسجد البابري، إلا أن الهندوس قاموا ببناء معبد لهم في جزء من أرض المسجد.
وتم تشكيل لجنة تضم خبراء في عدة مجالات منها الآثار وغيرها للوقوف على ملكية الأرض التي أثبتت أنه لم يكن يوجد شيء على هذه الأرض قبل بناء المسجد.
وجاء قرارهم بأن اللجنة بعد مسح ثلاث طبقات من الأرض لم تجد أي آثار هندوسية تدل على وجود معبد هندوسي، وأوصت بإعادة بناء المسجد، إلا أن هذا لم يتحقق، وأعلن حينها المجلس الهندوسي العالمي بأنه لن يسمح بإعادة البناء، وإلا ستحدث اضطرابات وأعمال عنف.
ولكن في عام 2002، أجرت مجموعة أخرى عملية استكشافية من قبل مؤسسة الآثار الهندية، وجاء تقريرها أنه يوجد هيكل في موقع المسجد البابري، عبارة عن جدار كبير واحد على طول الحافة الغربية وشبكة مكونة من 50 قاعدة لعواميد أصغر بكثير، وجاء نهاية التقرير أن "هذا دليل على وجود سابق لبناء ضخم في الموقع لذا فمن المرجح أن يكون هذا البناء هو معبد راما".
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً