مهددات لدول الخليج.. والسعودية تتصدى لها

علم_المملكة_العربية_السعودية

لم يعد السؤال الذي تواجهه دول الخليج: هل تندلع حرب جديدة في المنطقة؟ وإنما هل أعددنا أنفسنا لحرب قد تتسع قبل أن نتمكن من احتوائها؟ ففي أسابيع قليلة تسارعت التهديدات العسكرية والاقتصادية والأمنية، وتداخلت جبهات الخليج واليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، حتى باتت المنطقة أمام اختبار إستراتيجي لا تستطيع أي دولة مواجهته منفردة.

وفي قلب هذه العاصفة، تقف المملكة العربية السعودية؛ فهي الثقل الجغرافي والاقتصادي والسياسي الأكبر في مجلس التعاون، واستقرارها ركيزة لاستقرار الخليج؛ ولذلك، فإن استهداف منشآتها النفطية ومطاراتها ومدنها ومقدساتها لا يمثل تهديداً سعودياً فحسب، بل على الأمن الخليجي بأكمله.

المظلة الأمنية

وقد كشفت حرب 28 فبراير 2026م، وما تلاها حدود المظلة الأمنية الأمريكية والغربية، ففي تحقيق نشرته وكالة «رويترز» في 15 أكتوبر، وثّقت ما لا يقل عن 135 هجوماً بالصواريخ والمسيّرات على 84 موقعاً حيوياً في الخليج، شملت منشآت للطاقة والموانئ والمطارات وخطوط الأنابيب، وهذه الوقائع لا تعني انتهاء الشراكة الأمنية الغربية، لكنها تفرض مراجعة مدى كفايتها في مواجهة حرب متعددة الجبهات.

ومن هنا تبرز أهمية التحرك السعودي نحو بناء منظومة ردع أوسع، فقد أعلنت السعودية وتركيا وباكستان، في بيان رسمي صادر عن اجتماع الرياض في 5 أكتوبر 2026م، الانتقال إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع الجماعي في «تحالف مكة»، واتخاذ التدابير اللازمة لتوفير القوات والقدرات المتفق عليها وسرعة نشرها.

أما مصر، فقد أعلنت تضامنها مع المملكة ضمن بيان الدول الأربع في 11 أكتوبر، ثم بحثت تقديم دعم عسكري، دون اكتمال الإجراءات الدستورية اللازمة لنشر قواتها حتى 19 أكتوبر.

وعلى الجبهة الجنوبية، تمثل هجمات الحوثيين المدعومين من إيران تهديداً مستمراً للمنشآت المدنية والطاقة والملاحة في البحر الأحمر، وقد أدانت السعودية وتركيا وباكستان ومصر، في بيانها المشترك بتاريخ 11 أكتوبر، الهجمات الحوثية على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وما أسفرت عنه من قتلى وجرحى وأضرار مدنية، وهي شهادة رسمية على انتقال التهديد إلى مرافق حيوية تمس حياة السكان والاقتصاد.

أما مضيق هرمز، فقد تحول إلى أداة ضغط جيوسياسي واقتصادي خطيرة، وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن نحو 20.9 مليون برميل من النفط والسوائل البترولية يومياً عبرت المضيق خلال النصف الأول من عام 2026م، مقابل 4.2 ملايين برميل يومياً عبر باب المندب، وهذا يعني أن اضطراب الممرين معاً يهدد تدفقات الطاقة والتجارة والتأمين البحري، ويرفع تكلفة الحرب على دول الخليج والعالم.

وفي الضفة المقابلة للبحر الأحمر، تتصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، بينما تستنزف الحرب السودانية مؤسسات الدولة وقدرتها على الإسهام في أمن البحر الأحمر، وتضيف المواجهات «الإسرائيلية» في فلسطين ولبنان وسوريا احتمالات جديدة لتوسع الصراع، فيما تبقى المواجهة الأمريكية الإيرانية مصدراً مباشراً لاحتمال انتقال الضربات إلى أراضي الخليج، أما التوتر الأوروبي الروسي فيزيد تعقيد البيئة الدولية التي تعتمد عليها المنطقة في التسليح والطاقة والتجارة.

ولم تعد الخسائر افتراضية؛ ففي تحليل نشرته «رويترز» في 15 أكتوبر، استناداً إلى توقعات صندوق النقد الدولي، قُدّر انكماش الاقتصاد السعودي بنحو 3.3% خلال 2026م، والإماراتي 3.9%، والقطري 15.6%، في ظل تداعيات الحرب واضطراب الطاقة والتجارة، وهي توقعات لا نتائج نهائية، لكنها تكشف حجم الأخطار الاقتصادية.

إن أخطر ما في هذه التهديدات ليس تعددها، بل احتمال تزامنها؛ فتتعطل الممرات البحرية، وتتضرر منشآت الطاقة، وتُستنزف الدفاعات الجوية، وتتراجع الثقة الاستثمارية، بينما تنشغل القوى الكبرى بأزماتها الخاصة.

ما العمل؟

تحتاج دول الخليج إلى قرار إستراتيجي جماعي يحول مجلس التعاون من إطار للتنسيق إلى منظومة فعلية للأمن المشترك؛ عبر قيادة عمليات دفاعية متكاملة، وإنذار مبكر موحد، ومخزون مشترك للذخائر الاعتراضية، ودفاع سيبراني جماعي، وخطط لاستمرار إمدادات الماء والكهرباء والغذاء والدواء.

وتحتاج كذلك إلى تنسيق حماية الممرات البحرية، وتطوير بدائل تصدير الطاقة، وإنشاء صندوق خليجي للطوارئ الاقتصادية، وتوحيد المواقف الدبلوماسية لمنع توسع الحرب، مع دعم تسويات مستدامة لأزمات اليمن والسودان والقرن الأفريقي.

والأهم ألا تتحول اختلافات التقدير بين العواصم الخليجية إلى منافذ تتسلل منها مصالح القوى الخارجية.

إن السعودية لا ينبغي أن تُترك تواجه هذه التهديدات وحدها؛ فأمنها من أمن الخليج، وقوتها جزء من قوة دوله، وليس المطلوب اندفاعاً إلى الحرب، وإنما استعداد مشترك يمنعها، وردع يرفع كلفتها، ودبلوماسية تحاصر أسبابها.

لقد انتهى زمن الاطمئنان إلى أن النار ستبقى وراء الحدود؛ فحين تشتعل المنطقة لن تسأل النيران عن حدود الدول الصغيرة والكبيرة؛ فإما أن يحمي الخليج أمنه بوصفه كتلة إستراتيجية واحدة، أو يواجه كل بلد أخطار المنطقة منفرداً(1).

الهوامش
  • 1 نُشر في «الراي» الكويتية، الخميس 22 أكتوبر 2026م.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة