بلاغة التعريف في جوامع الكلم (3)

المفلس الحقيقي.. كيف تبدد المظالم رصيد الحسنات؟

سعد الحسن

31 أكتوبر 2026

29

صورة تعبيرية لرجل يضرب الناس ويشتمهم

قد يأتي المفلس الحقيقي يوم القيامة وفي رصيده صلاة وصيام وزكاة، ثم ينصرف من حسابه وقد فقد حسناته وحُمِّل من خطايا غيره؛ فكيف يجتمع هذا الرصيد وذلك المصير؟ بعد الوقوف عند تعريف القوة وغنى النفس، نتابع في هذه الحلقة من «بلاغة التعريف في جوامع الكلم» كيف ينقل البيان النبوي مفهوم الإفلاس من خسارة المال إلى خسارة النجاة، وكيف يجعل التعريف مشهدًا حيًّا يكشف عاقبة العدوان على حقوق الناس.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: « أتَدرونَ ما المُفلِسُ؟» قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهَمَ له ولا مَتاعَ. فقال: «إِنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يَومَ القيامةِ بصَلاةٍ، وصيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَك دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإن فنيَت حَسَناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ» (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم).

المفلس الحقيقي.. من السؤال إلى تصحيح المعيار

يبدأ الحديث عن المفلس الحقيقي بسؤال: «أتدرون ما المفلس؟»، فيستدعي معرفة المخاطبين قبل أن يقدم إليهم المعنى المراد. والسؤال هنا مدخل إلى التعليم؛ إذ يتيح للسامعين أن يشاركوا في بناء المعنى، ويهيئهم للموازنة بين ما يعرفونه وما سيكشفه الجواب النبوي. ولو ورد التعريف ابتداءً لأفاد العلم، لكن الحوار يضيف إليه ترقبًا ومشاركة، ويجعل المسافة بين الجوابين جزءًا من الدرس.

وجاء السؤال بـ«ما» -وليس بـ«مَن»- ليركز على حقيقة المفلس وصفته؛ فالمقصود بيان المعيار الذي يستحق به الإنسان هذا الوصف. أما جواب الصحابة: «المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع»، فيصور المعنى المتداول في حياتهم. وتلفت كلمة «فينا» النظر إلى دائرة هذا الاستعمال: هكذا نعرف المفلس في معاملتنا وأحوالنا.

وفي الجمع بين نفي الدرهم ونفي المتاع إحاطة بصورة العوز؛ إذ يشمل النفي المال وما يُملك من الأعيان التي ينتفع بها الإنسان. وهذا معنى صحيح في مجاله، غير أن البيان النبوي يفتح أمامه مجالًا أشد خطرًا وأبقى أثرًا.

ثم يأتي قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن المفلس من أمتي» مؤكدًا بـ«إن»، ليثبت في النفس حقيقة قد يغفل عنها من يقيس الخسارة بما يراه في الدنيا وحدها. وذكر «أمتي» يجعل التحذير قريبًا من السامع؛ فالمشهد متعلق بإنسان ينتسب إلى الأمة ويأتي بشعائرها، بما يدعو كل فرد إلى مراجعة نفسه وعلاقاته.

وهنا تختلف طريقة التعريف عن الحديثين السابقين في السلسلة؛ ففي تعريف القوي الشديد وغني النفس برز النفي وتصحيح التصور مباشرة، أما هنا فينشأ التصحيح من الحوار، ثم يتسع في صورة قصة قصيرة. لا يلغي الحديث المعنى المالي للإفلاس، وإنما يكشف إفلاسًا أعظم يستحق أن يستأثر بالخوف والانتباه.

تكرار «هذا» وتجسُّد الحقوق في أشخاص

لا يقدم الحديث صاحبه خاليًا من العمل الصالح؛ إنه «يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة». وذكر هذه العبادات يرسم بداية توحي بوجود رصيد يرجى نفعه، ثم يفاجئ السامع بالوجه الآخر: «ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا…». وتتولد قوة المشهد من اجتماع الأمرين في شخص واحد: عبادة أداها، ومظالم حملها معه.

ويتكرر الفعل «يأتي»، فيجمع بين ما قدمه الإنسان من طاعات وما ارتكبه من اعتداءات. فهو لا يحضر ببعض تاريخه الذي يرضى عنه ويترك سائره؛ بل يواجه تبعات ما عمل. وتكشف «قد» مع الأفعال الماضية تأكيد اعتداءات وقعت، وأصبحت حقوقًا يطالب بها أصحابها.

ثم تتوالى الأفعال: «شتم»، و«قذف»، و«أكل»، و«سفك»، و«ضرب». وهي ألفاظ تكشف تنوع العدوان، من إيذاء باللسان وانتهاك للأعراض إلى اعتداء على الأموال والدماء والأبدان. ويمنح العطف بالواو كل مظلمة حضورها، فتتراكم التبعات في السمع كما تراكمت في حياة صاحبها.

وأشد ما يستوقف في هذا السياق تكرار اسم الإشارة «هذا». كان يمكن التعبير عن المظالم بعبارة عامة، لكن تكرار الإشارة يستحضر أصحابها واحدًا واحدًا؛ فهذا شُتم، وهذا قُذف، وهذا أُكل ماله، وهذا سُفك دمه، وهذا ضُرب. وهكذا تتجسد الحقوق في أشخاص، ويصبح وراء كل فعل إنسان ينتظر الإنصاف.

وتعود الإشارة نفسها عند استيفاء الحقوق: «فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته». فالذين حضروا في سياق الاعتداء يحضرون في سياق الجزاء، ويصل تكرار اللفظ بين المظلمة واستيفائها. وتوحي «مِن» التبعيضية في «من حسناته» باقتطاع نصيب من الرصيد لكل صاحب حق، حتى يتبين السامع كيف يمكن أن تتبدد حسنات جمعها صاحبها بعمل طويل.

 حين ينقلب الرصيد إلى تبعات

يبلغ المشهد منعطفه عند قوله صلى الله عليه وسلم عن المفلس الحقيقي: «فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه»؛ فالفناء يدل على نفاد الرصيد، وتضيف عبارة «قبل أن يقضى ما عليه» أن الحقوق لم تستوفَ بعد. وهذه هي لحظة انكشاف الخسارة: انتهى ما يملكه، وبقي ما يُطالب به.

ولا يقف السياق عند الحرمان من الحسنات؛ بل ينتقل إلى حمل الخطايا: «أخذ من خطاياهم فطرحت عليه». وبذلك يتحول مسار الحساب من إعطاء أصحاب الحقوق من حسناته إلى تحميله من خطاياهم. ويعرض الحديث هذا التحول بأفعال متتابعة تجعل عاقبة الظلم محسوسة في حركة المشهد.

وتلفت المقابلة بين «فطُرحت عليه» و«ثم طُرح في النار» إلى شدة الخاتمة؛ فقد طُرحت الخطايا عليه، ثم صار هو المطروح. وتكرار مادة «الطرح» يصل بين العبء والمصير في إيقاع حاسم، وتأتي «ثم» لتفصل الخاتمة عما سبقها وتبرز هولها بعد انقضاء مشاهد الاستيفاء.

وعند اكتمال المشهد ندرك أن الحديث عن المفلس الحقيقي لم يكتف بإضافة معنى إلى كلمة «المفلس»، بل أعاد ترتيب ما ينبغي أن يخشاه الإنسان؛ فالإفلاس الذي بدأ في جواب السامعين بفقد الدرهم والمتاع انتهى في البيان النبوي بضياع الحسنات وثقل الخطايا؛ وبذلك صار التعريف تجربة يتابع القارئ مراحلها ويشهد عاقبتها.

إن بلاغة هذا الحديث تصل العبادة بأثرها في السلوك، وتوقظ صاحب العمل الصالح إلى ضرورة صيانة حقوق الناس ورد المظالم والتوبة منها. ومن فَهِم مشهدَ الإفلاس راقب لسانه ويده ومعاملاته، وعرف أن حفظ رصيده يبدأ من حفظ حقوق من يعيش بينهم.

 فما أشد خسارة من يتعب في جمع الحسنات، ثم يفتح للعدوان سبيلًا إلى تبديدها!

 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة