التخلية في رجب وشعبان قبل التحلية في رمضان

رقية محمد

19 يناير 2026

124

لا يصل مزارع إلى حصاد ثماره دون أن يحرث الأرض ويغرس بذورها ويتعهدها بالسقي، ولا يصل مسلم إلى الفوز في سباق رمضان دون تجهيز مسبق في رجب وشعبان، قال بعض الصالحين: «السنة شجرة، رجب أيام إيراقها، وشعبان أيام إثمارها، ورمضان أيام قطافها» (الغنية لطالبي الحق للجيلاني، 1/ 326).

فلا بد من أخذ أهبة الاستعداد ليكون المرء من الرابحين في شهر رمضان المبارك، وفيما يلي بيان ذلك.

لماذا التخلية في رجب وشعبان؟

والمتأمل في الحديث الذي رواه أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسولَ اللَّهِ، لم أَرَك تَصومُ شَهْرًا منَ الشُّهورِ ما تصومُ من شعبانَ؟ قال: «ذلِكَ شَهْرٌ يَغفُلُ النَّاسُ عنهُ بينَ رجب ورمضان، وَهوَ شَهْرٌ تُرفَعُ فيهِ الأعمالُ إلى ربِّ العالمينَ، فأحبُّ أن يُرفَعَ عمَلي وأَنا صائمٌ» (أخرجه النسائي (2357)، وأحمد (21753)، وحسنه الألباني)، يستخلص عدة أسباب عن أهمية التخلية في  تلك الشهور، ومنها:

1- خير الأعمال خواتيمها:

من المعلوم من القرآن والسُّنة استحباب ختم المسلم حياته بخير عمله، وكذلك بينت السُّنة أن أعمال العام كلها ترفع في شهر شعبان، وعلَّم النبي صلى الله عليه وسلم الاهتمام بخصوصية هذه المناسبة، وإكثاره من الصيام مزيد بيان بأن تخلية النفس من أمراضها وذنوبها بالتوبة والندم، ثم بالإكثار من الأعمال الصالحة، يعد من أفضل ما يختم به المرء صحيفة عمله.

2- النجاة من الغفلة:

في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَغفُلُ النَّاسُ عنهُ» التحذير من خطورة الغفلة، والحرص على اقتناص أوقات الخير، وعدم الانخداع بقلة المقبلين، ليتذكر كل أحد أن ينجو بنفسه يوم لا ينفع صاحب ولا ولد.

3- التأهب لاستقبال الضيف الكريم:

رمضان ضيف عزيز يأتي مرة واحدة في العام، ومن حقوق الضيف الاستعداد لاستقباله، فكما يُنظف البيت ويُزين لاستقبال ضيف عزيز، فإن تنظيف القلب من الذنوب وإعداد النفس بالطاعات في رجب وشعبان هو الاستعداد الحقيقي لاستقبال شهر رمضان، قال الله تعالى: «وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (النور: 31).

4- كسر شهوة النفس:

التدرج في التخلية مثل الإكثار من الصيام في شعبان يساعد على كسر حدة شهوة النفس وقسوة القلب، ويُسهل عليها بعد ذلك أن تتنعم بلذة العبادة والطاعة في رمضان، فلا تشعر بالثقل أو الملل، بل تصبح التحلية كالقيام والذكر وتلاوة القرآن سجية لها.

ما الطرق العملية للتخلية في رجب وشعبان؟

1- التوبة النصوح وكثرة الاستغفار:

من أعظم استعدادات ما قبل رمضان البدء بتوبة صادقة من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، والندم عليها والعزم على عدم العودة لها، وترك الصحبة الفاسدة، وترك أماكن المعاصي، وكذلك الإكثار من الاستغفار، كل ذلك مطهر للنفس من الذنوب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «واللَّهِ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إلَيْهِ في اليَومِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّة» (رواه البخاري، 6307).

2- مكاشفة النفس:

وذلك من خلال الوقوف مع النفس وقفة صادقة، وتحديد الأمراض التي أصابتها؛ مثل الغفلة، والحسد، والكبر، والغيبة.. إلخ، وتحديد طرق علاجها من خلال القرآن والسُّنة وهدي السلف الصالح.

3- تصفية القلب:

من خلال التسامح والعفو عن الناس، وتعهد النية بالإخلاص، فلا يرجو المرء إلا الله بعمله، فبقدر نقاء القلب يستهدي المرء بكلام ربه ويُقبل عليه، قال الله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطففين: 14)، فما صد الكفار والمنافقين عن الانتفاع بكلام ربهم إلا بما تراكم على قلوبهم من ذنوب وأمراض وشبهات، ونور الله لا يُهدي لعاصٍ.

5- إتمام الفرائض ثم الإتيان بالنوافل:

إن أفضل ما يتقرب به العبد لربه الفرائض التي كتبها عليه، ثم تأتي النوافل كحارسة للقيام بتلك الفرائض، ولذلك يحسن الحرص على النوافل مثل صيام الإثنين والخميس، وثلاثة الأيام البيض خاصة في رجب وشعبان، وزيادة ورد القرآن تدريجياً، والحرص على قيام الليل، حتى لا تمل النفس فجأة عند دخول رمضان، وتُضيع جزءاً كبيراً من رمضان في الترويض على القيام بالنوافل.

الطرق العملية للتحلية بعد التخلية

فبعد تطهير القلب والنفس مما أصابهما من أمراض وشهوات، يبدأ التحلي بالفضائل، وذلك على مراتب، جِماعها:

1- تحلية القلب: من خلال إحياء حب الله في القلب، حتى يكون الله عز وجل أحب للعبد من نفسه وولده وماله، ويتجلى ذلك بكثرة ذكر الله، وقراءة القرآن، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

2- تحلية الخُلُق: من خلال مراقبة الله في الأفعال، والخوف منه، ورجاء رحمته، فينعكس ذلك على معاملته مع الخلق، فيتخلق بالبشاشة، وبذل الكلمة الطيبة، وصلة الرحم، والإحسان إلى الناس.

3- تحلية الجوارح: من خلال تقوية الإرادة والعزيمة، واليقين أن الله يعين عباده الذين يجاهدون أنفسهم ليعبدوه، يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69)، وكذلك تذكير نفسه بمآلات الظالمين أنفسهم، فتتوجه نحو الطاعة، فلا تنظر العين إلى الحرام، ولا تسمع الأذن الغيبة، ولا ينطق اللسان إلا ما يحبه الله ويرضاه.

إن الحرص على التخلية قبل التحلية أساس في تزكية النفس وإصلاحها، فلا يمكن للنفس أن تتحلى بالطاعات وتثمر في رمضان وهي مثقلة بأوزار الذنوب وآفات القلوب، فليقتنص كل يقظ شهري رجب وشعبان، ويجعلهما بمثابة فترة الإعداد والتهيئة الروحية قبل دخول سباق رمضان.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة