8 أسس وركائز لاختيار شريك الحياة
هناك قرارات في
الحياة يمكن للإنسان أن يتراجع عنها إذا أخطأ، وهناك قرارات أخرى قد يدفع الإنسان
ثمنها لسنوات طويلة أو مدى الحياة؛ ويأتي اختيار شريك الحياة في مقدمة القرارات
التي لا ينبغي أن تُبنى على لحظة انبهار أو عاطفة أو لحظة إعجاب، فالشريك في
الحياة الزوجية ليس مجرد شخص نختاره هباء ونقضي معه أيامنا، بل هو إنسان سيدخل في
كل تفاصيل حياتنا، ويشاركنا أفراحنا وأتراحنا وأزماتنا، ويؤثر في استقرارنا
النفسي، وفي طريقة عيشنا، بل وفي الطريقة التي سيكبر بها أبناؤنا.
ولهذا، فإن
السؤال الناضج هنا ليس: من أتزوج؟ وإنما مَن الذي يَصلح أن أبني معه الحياة؟
فالجمال قد يجذب
العين، والكلام الجميل قد يأسر القلب، والتوافق في البدايات قد يصنع انبهاراً
كبيراً؛ لكن الذي يبني بيتا ويَصُونه عند الاختلاف هي أشياء وركائز أعمق من ذلك
بكثير.
إن حُسن اختيارشريك الحياة ليس بحثاً عن إنسان كامل، بل هو بحث واعٍ عن إنسان صالح دِينياً
ودُنيوياً، تُبنَى معه حياة تستحق أن تُعاش؛ ولذلك كلما كان اختيار شريك الحياة
مبنياً على أسس صحيحة؛ كانت حياتك الأسرية أكثر سعادة واستقراراً بفضل الله.
وهذه بعض الأسس
والركائز لاختيار شريك الحياة:
1- الدِّين والقِيم: أصل اختيار شريك الحياة
في زماننا هذا
قد يأسرك جمال المظهر، وقد يجذبك لُطف الحديث، وقد يأخذك بريق الحضور؛ لكن شريك
الحياة لا يُختار بما يُبهر العين للحظة، وإنما يُختار بما يُطمئن القلب ويُقنع
العقل، فالانبهار قد يصنع بداية جميلة، لكنه لا يصنع وَحده بيتاً مستقراً، أما
الدِّين والقيم فهما ما يظهر أثرهما حين تهدأ العاطفة، وتأتي المسؤولية، ويقع
الاختلاف.
ولهذا جاء
التوجيه النبوي والحث على اختيار الزوجة باعتبار الدِّين، فقال صلى الله عليه وسلم:
«فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَداكَ» (متفق عليه)؛ والمقصود هنا ليس التدين
الشكلي وحده، وإنما يكون الدين منظومة حقيقية تضبط الأخلاق والقرارات والحقوق عند
الرضا والغضب.
2- الأخلاق حين تسقط الأقنعة:
قد يُجيد
الإنسان في البدايات أن يُطلق أجمل الكلمات، وأنقى العبارات، وأرق التصرفات، لكن
المعدن الحقيقي لا يظهر في أوقات الانسجام، وإنما يظهر حينما تسقط الأقنعة ويأتي
الاختلاف والضغط ومن ثَمَّ الغضب، فعليك أن تُراقب كيف يُعامِل من لا يحتاج إليه،
وكيف يتصرف حين يُرفض طلبه، وكيف يعتذر حينما يُخطئ، وكيف يحفظ كرامة من يختلف
معه، وبماذا يتفوه في حق من أخطأ في حقه.
ففي مثل هذه
اللحظات تتراجع الكلمات المُصطنعة، وتظهر الأخلاق الحقيقية، وهنا تبدو حقيقة
الإنسان، ففي لحظات الانفعال تخرج المكنونات، وتنزلق الكلمات، وتظهر معادن الناس؛
ولذا، عليك ألا تبحث عن شخص يجيد إبهارك حين يريدك؛ ولكن ابحث عن إنسان تستطيع أن
تشعر معه بالأمان حتى في وقت الاختلاف، وتستطيع أن تطمئن لأخلاقه حتى وقت وجود
مشكلة قد لا نجد لها حلاً في وقتها.
3- النضج النفسي أهم من كثرة الكلام والعاطفة الوقتية:
قد يملك الإنسان
قدرة هائلة على التعبير، وقد يجيد صناعة اللحظات الجميلة، وقد يقول من الكلمات ما
يجعل القلب يميل سريعاً أو يطمئن؛ لكنه لا يجيد إدارة الخلاف، والزواج لا تُختبر
قيمته في لحظات العاطفة، وإنما في لحظات الضغط والاختلاف والمسؤولية.
فالنضج النفسي
ليس معناه ألا تغضب، وإنما أن تعرف كيف تتصرف حينما تغضب، وأن تعرف كيف تغضب دون
أن تؤذي، وكيف تنفعل دون أن تَضر، وكيف تختلف دون أن تهدم، وكيف تعتذر دون أن
تتعالى، وكيف تتحمل المسؤولية بدلاً من أن تبحث دائماً عن الأعذار.
ولذلك لا تنخدع
بكثرة الكلام؛ فاللسان قد يتقن وصف الحب، لكن السلوك هو وحده الذي يكشف حقيقة ذاك
الحب، والعاطفة قد تشعل البداية، أما النضج فهو الذي يحميك طوال الطريق.
4- التوافق في الرؤية لا التشابه في كل شيء:
ليس مطلوباً أن
يكون شريك الحياة نسخة منك؛ فقد تختلفان في الطباع، والهوايات، وطريقة التفكير،
وطريقة التعبير، وحتى في بعض التفاصيل اليومية، ومع ذلك تنجح الحياة بينكما،
فالمهم أن تتفقا على ما هو أكبر من التفاصيل الفرعية؛ معنى الأسرة، وحدود
الاحترام، وتربية الأبناء، وإدارة المال، وكيف نتخطى الصعاب والعقبات، ونظرتكما
للمستقبل.
فليست المشكلة
أن تختلفا في الفرعيات والأمور البسيطة، وإنما المشكلة أن تختلفا جذرياً في الهدف
المقصود والمنشود، فنصيحتي لك ألا تبحث عن شخص يشبهك في كل شيء؛ ولكن ابحث عن شخص
يشاركك الاتجاه، ويتوافق معك في الطريق، ويعرف كيف يحترم اختلافك.
5- لا تجعل اختيارك على ما تتخيله فيه:
من أكثر الأخطاء
شيوعاً في اختيار شريك الحياة أن تختاره بناء على الشخص الذي تتمنى أن يُصبح عليه،
لا الشخص الذي هو عليه الآن، فقد ترى بعض الصفات الجميلة القليلة عنده، ثم تبني
فوقها مستقبلاً كاملاً: سيتغير، سينضج، سيُصلي، سيُقلع عن التدخين، سيتحمل
المسؤولية، سيفهمني لاحقاً!
والزواج حقيقة
لا يُبنى على الوعود المُتخَيلَــة، وإنما على واقع تراه، وخُلق تختبره، ومسؤولية
يثبتها السلوك، فعليك أن لا ترتبط بصورة صنعتْها أمنياتك، ثم تنتظر من الواقع أن
يطابقها، اختر الإنسان الذي تعرفه، لا المشروع الذي تتمنى أن تصنعه منه؛ فحُسن
الاختيار يبدأ حينما ترى الواقع كما هو، لا كما تتمنى وترجو أن يكون.
6- لديه القدرة على تحمل الصعاب:
لا بد أن نعلم
أن الحياة الزوجية ليست طريقاً مفروشاً بالوُرُود دائماً؛ بل فيها ضغوطات مفاجئة،
ومسؤوليات متزايدة، وأيام تحتاج إلى صبر وحكمة أكثر من حاجتها إلى الكلام الجميل، لذلك
عند اختيار شريك الحياة، لا تنظر فقط إلى قدرته على صناعة اللحظات السعيدة، بل
انظر إلى كيف يتصرف حين تصبح الحياة صعبة.
هل يواجه
المشكلة أم يتهرب منها؟ وهل يتحمل نتائج قراراته أم يلقيها على غيره؟ وهل يستطيع
أن يتكيف مع تغير الظروف دون أن يفقد اتزانه؟
فالشريك الحقيقي
ليس من يشاركك أيام الرخاء فقط، بل من تستطيع أن تطمئن إلى قدرته على عبور أيام
الشدة معك.
7- لا بد أن تكون على علم بالبيئة التي جاء منها:
قبل أن تختار
شريك حياتك، لا تنظر إلى الشخص وحده بمعزل عن البيئة التي نشأ فيها؛ فالإنسان ابن
بيئته، وحتماً فإن الأسرة والنشأة الأولية تترك بصمتها في شخصية الإنسان في: الحب،
والاختلاف، والإدارة، وتحمل المسؤولية، والتعايش مع الصعاب، والتعامل مع الآخرين، فلا
بد أن تتعرف على القيم التي تَرَبَّى عليها، وكيف كانت تُدار الخلافات في بيته؟
وما الذي تعلمه عن الزواج والأسرة؟
ولكن لا تجعل
بيئته حكماً نهائياً عليه إجمالاً وتفصيلاً، فالإنسان قد يرث بعض أنماط أسرته، وقد
يَعِيَهَا ويختار أن يصنع شيئاً مختلفاً ومغايراً، ولكن هذا نادر، ولذلك لا تسأل
فقط: من أين جاء؟ وإنما ماذا أخذ من بيئته؟ وماذا قرر أن يُغير؟
فمعرفة الجذور
وإن كانت مهمة لا تعني الحكم على الشجرة، ولكنها تساعدك على فهمها قبل أن تجعلها
شريكاً لك في بناء حياتك.
8- لا تجعل الحب أو الإعجاب يعميك أو يحجبك عن الإشارات الحمراء:
الإعجاب قد
يُجمِّل العيوب، والحب قد يجعل الإنسان يرى ما يتمنى أن يراه، لا ما هو موجود
أمامه فعلاً، ولذلك لا تجعل قوة مشاعرك سبباً في تجاهل سلوكٍ يُثير القلق، أو
تبرير موقف يتكرر، أو التغاضي عن علامة لو رأيتها في شخص آخر لما قبلتها، فالحب
الصادق لا يطلب منك أن تُلغي عقلك، ولا أن تُسكت حدسك، ولا أن تتغاضى عما يؤذيك.
وفي النهاية،
أهمس في أذنك وأقول: انظر إلى الأفعال والسلوكيات بدقة، واقرأ ما بين السطور،
وراقب شريك حياتك في غير لحظات الود والعاطفة، وحاول أن تختلف معه لترى ردَّ فعله،
وطريقة اختلافه، اختبر عقله في حل المشكلات، وكيف يتصرف حين تضيق الخيارات.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً