عمالة الأطفال.. بين الرؤية الحقوقية والمنظور الإسلامي
تمثل عمالة الأطفال إحدى المشكلات الاجتماعية التي تواجه المجتمعات المعاصرة؛ لذا تسعى
الحكومات إلى سن تشريعات تجرّم هذه الممارسة، وتتبنى إستراتيجيات وخططاً وطنية
للحد منها؛ كونها لا تقتصر على كونها ظاهرة اقتصادية أو اجتماعية، بل تُصنّف وفقاً
للأمم المتحدة باعتبارها «انتهاكاً جسيماً لحقوق الطفل»، فما المقصود بعمالة
الأطفال؟ وما المنظور الحقوقي الذي تتبناه المنظمات الأممية (يونيسف، ومنظمة العمل
الدولية) تجاهها؟ وكيف ينظر الإسلام إليها؟ وما أوجه الالتقاء والافتراق بين
الرؤيتين؟
المنظور الحقوقي الأممي لعمالة الأطفال
عمل الأطفال
ظاهرة قديمة تضرب بجذورها في التاريخ الإنساني، فقد ساهم الأطفال على الدوام في
الأنشطة الزراعية لأسرهم، كما انخرطوا في المجال الصناعي إذ ضمت طوائف الحرف
الصغار وتعهدتهم بالتدريب ليكونوا جزءاً من الطائفة، وظل هذا الوضع إلى قيام
الثورة الصناعية في أوروبا إذ كانت الأرض مصدر الثروة واستعانت الأسر بأبنائها في
العمل الزراعي، فلما توسع القطاع الصناعي وظهرت التكنولوجيا الحديثة انتقل
الكثيرون للعمل بالمصانع، وفضل أصحابها تشغيل الأطفال لانخفاض أجورهم، وتعرض
الأطفال للعمل المضني والاستغلال جراء ذلك، وعندئذ ظهرت الحاجة إلى ضبط عمالة
الأطفال ثم حظرها كلية.
ولهذا كان من
ضمن أهداف «منظمة العمل الدولية» منذ إنشائها عام 1919م القضاء على عمل الأطفال،
استناداً إلى أنه يسلبهم طفولتهم ويعوق نموهم الاجتماعي والعاطفي ويحرمهم من
مواصلة تعليمهم، واقتضى الأمر تحديد بعض المفاهيم الأساسية، مثل: من هو الطفل؟ وما
عمالة الأطفال؟ وإطلاق الاتفاقات الأممية التي تحظر عمالة الأطفال.
تجمع الأدبيات
الأممية كلها على أن الطفل «هو الشخص دون الثامنة عشرة عاماً»، وأما عمالة الأطفال
-كما تعرفها الأمم المتحدة- فهي «أعمال تضع عبئاً ثقيلاً على الأطفال وتعرض حياتهم
للخطر، ويوجد في ذلك انتهاك للقانون الدولي والتشريعات الوطنية، فهي إما تحرم
الأطفال من التعليم أو تتطلب منهم تحمل العبء المزدوج المتمثل في الدراسة والعمل»،
وأما أسوأ أشكال عمالة الأطفال فتشمل العبودية، والاستغلال الجنسي، والأنشطة غير
المشروعة، والأعمال التي تضر بصحة الطفل أو سلامته أو أخلاقه.
وعلى الصعيد
القانوني، يمكن الإشارة إلى عدد من الاتفاقيات الدولية؛ إذ تنص الاتفاقية رقم (138)
لعام 1973م على منع عمل الأطفال الذين هم دون سن استكمال التعليم الإلزامي (15 سنة
عموماً) في أي من القطاعات الاقتصادية، بينما تنص الاتفاقية رقم (182) لعام 1999م
على ضرورة اتخاذ تدابير فورية للقضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال.
وفي عام 2002م،
أطلقت منظمة العمل الدولية «اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال» لمواجهة هذه
الظاهرة، ففي 12 يونيو من كل عام يلتقي ممثلو الحكومات ومؤسسات العمل والعمال
والمجتمع المدني، لبحث سبل مواجهة هذه الظاهرة، كما تشارك المنظمة في متابعة الخطط
القومية التي تتبناها الحكومات لحظر عمالة الأطفال.
كان لهذه
التحركات صداها في المنطقة العربية حيث اتجهت الحكومات إلى إصدار التشريعات التي
تحظر عمل الأطفال ففي مصر، على سبيل المثال، تضمن قانون الطفل (1996م) فصلاً عن
العمل، ويحظر التشريع المصري عمل الأطفال دون الخامسة عشرة، ويشترك عدد من
الضمانات مثل عدم تشغيلهم ليلاً، وحظر تشغيلهم في الأعمال الخطرة وما إلى ذلك.
المنظور الإسلامي لعمالة الأطفال
وفي المقابل،
يقدم الإسلام رؤية متكاملة وشاملة لقضية عمالة الأطفال وتغطي أبعاداً فسيولوجية
ومادية وأخلاقية ودينية، وأول ما يسترعي النظر في هذه الرؤية التعريف الدقيق
للطفل؛ إذ يقول السمين الحلبي: «والطفل يطلق على الصبي من حين يولد إلى حين يحتلم»،
ويذكر القرطبي أنه «من لم يراهق الحلم»، بينما يرى الجزري أنه «وصف للإنسان من حيث
ولادته إلى أن يبلغ»، في حين يذهب الفيروزآبادي إلى أن الطفل هو «الصغير من كل شيء».
وبالنظر في هذه
التعريفات، نجد أنها تُبيّن أن الطفولة مرحلة زمنية ممتدة تبدأ من الميلاد وتنتهي
بالبلوغ الجسدي، ولا يشذ تعريف الفيروزآبادي عن ذلك؛ فمن لم يبلغ فهو صغير، أي طفل،
فالبلوغ العلامة الدالة على انتهاء مرحلة الطفولة، ويربطه الفقهاء بعلامة أخرى هي
التمييز والإدراك العقلي؛ إذ يصفون الصبي بـ«المميز»، فالعقل والتمييز عندهم أمارة
تدل على البلوغ.
ويستشف من هذا
أن مفهوم الطفل لديهم مفهوم مرن متسع؛ إذ يرتبط بالنمو البدني والنضج العقلي، فمتى
بلغهما تجاوز مرحلة الطفولة مهما كانت سِنه، فقد يكون ذلك في الثانية عشرة، وقد
يكون في السادسة عشرة، وهو ما يسمح بمراعاة الفروق الفردية بين طفل وآخر، وبين
بيئة حضارية وأخرى، إذ تتباين الحضارات في تحديد متى تنتهي الطفولة.
شروط وضوابط عمل الصبي
أما قضية العمل،
ففيها تفاصيل، والكلام فيها متشعب، ويشمل مسائل من قبيل: مدى جواز عمل الصبي،
وشروطه وضوابطه؟ ولمن يكون كسبه، وإصابة العمل؟
يتفق التربويون
وعلماء الشريعة، بل والفلاسفة أيضاً، على جواز اشتغال الصبية ببعض الصنائع، غير أن
هذا الجواز لا يعني أن العمل هو الأصل في حياة الطفل، بل الأصل هو التعليم، كما
صرحوا؛ لذا، فقد اشترطوا قدراً أولياً إلزامياً من التعليم ينبغي أن يتلقاه الطفل،
فإذا أتمه ولم تظهر عليه النجابة أو الميل نحو مواصلة التعلم، جاز لوالده أو وليه
توجيهه لتعلم صنعة؛ إذ لا ينبغي ترك الطفل دون تعليم أو عمل خشية أن يفسد.
وحول هذا المعنى
يقول ابن سينا في كتابه «السياسة»: «فإذا اشتدت مفاصل الصبي واستوى لسانه وتهيأ
للتلقين ووعى سمعه، أخذ في تعلم القرآن وصور له حروف الهجاء ولقن معالم الدين، وإذا
فرغ من تعلم وحفظ أصول اللغة نُظر عند ذلك إلى ما يراد أن تكون صناعته فوجه لطريقه،
وليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مؤاتية ولكن ما شاكل طبعه وناسبه».
وعلى هذا، صاغ
الفقهاء ضوابط لضمان سلامة الطفل خلال الاشتغال، ومنها أن يكون العمل بإذن وليه،
وأن يراعى تكليفه ما يطاق من الأعمال، وأن تكون الصناعة نافعة للناس ولا يأباها
الشرع.
وحول هذا يقول
ابن القيم في «تحفة المودود»: «ينبغي أن يعتمد حال الصبي وما هو مستعد له من
الأعمال ومهيأ له منه، فإن رأى وليه عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع مستعداً لها
قابلاً لها وهي صناعة مباحة نافعة للناس فليُمكنه منها، هذا كله بعد تعليمه له ما
يحتاج إليه في دينه».
وعلى هذا، فإن
الرؤية الإسلامية وإن كانت تجيز عمل الصغار، إلا أنها لا تسمح به إلا بعد انتهاء
فترة التعليم الإلزامي، فضلاً عن أنها تنزله منزلة الاضطرار والضرورة، ووضعت له
قيوداً تضمن سلامة الصبي، وهي في هذه تتسق مع الرؤية الأممية الحقوقية، لكنها
تختلف عنها باعتبار الطفولة مرحلة تنتهي بالنمو البدني والعقلي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً