نماذج علمائيّة ملهمة

أبو داود السجستاني.. الإمام الحافظ وكتابه «السنن» عمدة أحاديث الأحكام

أبو داود السجستاني.. الإمام الحافظ وكتابه «السنن» عمدة أحاديث الأحكام

الإمام أبو داود السِّجِسْتاني رحمه الله، أحد أعلام الإسلام الكبار وحَمَلة ال عام النبوية العظام، ومن الأئمة الأربعة الذين خُصُّوا بجمع الحديث النبوي الشريف في أحد «الكتب الستة» المشهورة، اشتهر بكتابه العظيم «سنن أبي داود» الذي صار عمدةً للمحدثين والفقهاء على مر العصور، حيث جمع فيه ما يزيد على أربعة آلاف حديث منتقاة من بين مئات الآلاف، قاصدًا خدمة الفقهاء ببيان أحكام الشريعة العملية من خلال الأحاديث. اتفق العلماء على جلالة قدره وإمامته في الحديث، فكان يقول الإمام أحمد بن حنبل عنه: «أبو داود أعلم بما يحتاج إليه الناس».

اسمه ونسبه ومولده ونشأته

هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي، أبو داود السجستاني، والسجستاني نسبة إلى بلده سِجِستان، وهي بكسر السين وفتحها.

إمام أهل الحديث في زمانه، ومحدث البصرة، وهو صاحب الكتاب المشهور بسنن أبي داود، ولد أبو داود في مفتتح القرن الثالث الميلادي عام 202هـ، في خلافة المأمون، في بلدة من إقليم سجستان، جنوب هراة، وهي منطقة تتنازعها أفغانستان وإيران وباكستان الآن، قال السمعاني: وهي أحد البلاد المعروفة بكابل.

طلب الحديث أولاً في بلاده فطاف خراسان وما حولها، ودخل الري وهراة، وغيرها من البلدان، وسمع من مشاهير علمائها، ثم بدأ رحلته في الطلب خارج بلده، وهو ابن ثمانية عشر عاماً، فزار العراق ودخل البصرة عام 220 هـ، ثم دخل الكوفة عام 221 هـ، وقدم بغداد عدة مرات، وآخر مرة زارها كانت عام 271هـ، كما زار الجزيرة والشام، وأقام بطرسوس عشرين عام، كما سمع الحديث بمصر ودمشق وبلاد الشام، وكتب عن علماء هذه البلاد جميعًا. قال الخطيب: «وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين»، ثم انتقل إلى البصرة بطلب من الأمير أبي أحمد الموفق الذي جاء إلى منزله في بغداد، واستأذن عليه ورجاه أن يتخذ البصرة وطنًا؛ ليرحل إليها طلبة العلم من أقطار الأرض، فتعمر بسببه؛ بعد أن خربت وهُجرت وانقطع الناس عنها لما جرى عليها من فتنة الزنج، قال الذهبي: «سكن البصرة بعد هلاك الخبيث طاغية الزنج، فنشر بها العلم، وكان يتردد إلى بغداد» (أبو داود السجستاني صاحب السنن، إسلام ويب، من أعلام الدعوة).

رحلاته العلمية

لما نشأ الإمام وترعرع كانت دائرة علم الحديث واسعة، ولذلك ذهب يطوف مراكز العلم في العالم الإسلامي عدة سنوات واتسعت رحلته، فعمت بلاد خراسان ومصر والحجاز، وكتب عن علماء هذه البلاد، قال ابن كثير: أبو داود السجستاني أحد أئمة الحديث الرحالين إلى الآفاق في طلبه، وزار طرسوس التي أقام بها عشرين عام ودمشق التي سمع الحديث فيها كما يذكر ابن عساكر.

وقد رحل الإمام إلى المراكز المهمة التي حوت كبار المحدثين في بلاد المسلمين، واستفاد من الشيوخ الذين هم محل الثقة والأمانة، وأخذ الحديث ممن لا يحصى كثرة، قال ابن حجر العسقلاني: وشيوخه في السنن وغيرها نحو ثلاثمائة نفس، ومن أعيانهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن محمد بن أبي شيبة، ومسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي، والحافظ أبو بكر عبدالله بن محمد بن أبي شيبة، ومحمد بن العلاء، وعمر بن مرزوق، والحافظ الثبت أبو كريب، وأبو عثمان عمرو الناقد، وعمر بن الخطاب السجستاني، وزهير بن حرب، وغيرهم كثير. (أبو داود الإمام الحافظ، تقي الدين الندوي المظاهري، ص24 – 28، بتصرف).

وقد توافد عليه الطلبة من كل جهة من الشرق والغرب، فأكب على إفادتهم بما كان يملكه من المادة الغزيرة في علم الحديث والرواية، فتوسّع نطاق طلابه، ولا يمكن إحصاؤهم، وربما كان يجتمع في مجلس درسه ألوف من الرجال، وقد روى عنه خلق من الأئمة، قال الذهبي: «كفى به فخراً أن الإمام الترمذي والنسائي من تلاميذه»، وقال ابن كثير: «حدث عنه جماعة منهم: أبو بكر عبدالله وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو بكر أحمد بن سلمان النجاد، وهو آخر من روى عنه في الدنيا، ومنهم الترمذي وإسماعيل بن محمد الصغار، ومحمد بن مخلد الدوري، وأحمد بن محمد بن هارون الخلال» (أبو داود الإمام الحافظ، ص29).

مكانته العلمية

جمع أبو داود 500 ألف حديث، وانتقى منها «سننه» التي تحتوي على قرابة 5 آلاف حديث، وحكي عن أبي داود أنه قال: «ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه»، ولقد أدرج في «سننه» من أحاديث الأحكام الشيء الكثير، حتى إنهم يعتبرون كتابه «السنن» أكثر فقهاً من الصحيحين، زيادة على حسن وضعه، وقد ذكر في «رسالته» لأهل مكة أن الأربعة آلاف والثمانمائة التي ذكرها في كتابه كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا فلم أخرجها.. إلى أن يقول في رسالته: «ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بيّنته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض».

فهمة أبي داود كانت في جمع الأحكام التي استدل بها فقهاء الأمصار، وبنوا عليها الأحكام، وقد جمع في «سننه» الصحيحين للعمل والحسن، واللين والصالح، ما كان منها ضعيفاً صرح بضعفه، وما فيه علة بيّنها، وترجم على كل حديث، وما سكت عنه فهو صالح عنده.

وقد خلف لنا إمامنا الجليل أبو داود عدداً كبيراً من مؤلفاته، وذخيرة نادرة من مصنفاته نالت إعجاب العلماء، واستولت على عقول الباحثين، ومنها كتاب «دلائل النبوة»، و«ابتداء الوحي»، و«المراسيل»، و«الناسخ والمنسوخ»، و«فضائل الأعمال»، و«الزهد»، و«الدعاء»، و«أخبار الخوارج»، و«كتاب القدر»، وما إلى ذلك من المصنفات المفيدة والمؤلفات القيمة التليدة.

لقد قدر أبو داود علماء عصره وأهل زمانه أيّما تقدير، فأشادوا بذكره في كل مكان، وتتلمذوا على مجلسه في أي بقعة، بل لقد أسرف بعضهم إجلالاً لقدره، وتعظيماً لما يحمل من أشرف الحديث في صدره، قال أبو بكر الخلال: أبو داود هو الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه، أحد في زمانه، وقال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وحفظاً ونسكاً، وقال الحافظ موسى بن قارون: خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة، وما رأيت أفضل منه. (طريقة أبي داود في تخريج الحديث، عثمان ابن خضراء، مجلة دعوة الحق، العدد (313) ربيع 1).

كتاب سنن أبي داود

وهو من أبرز كتب الحديث الستة الأصول، ومن بين السنن الأربع التي تحظى بمكانة مميزة لدى أهل العلم؛ فهي مصدر أساسي للحديث النبوي عندهم، ويأتي كتاب سنن أبي داود في المنزلة الثالثة بعد صحيحي البخاري، ومسلم، فكانت هذه الكتب مركزًا يحوي أدلة الفقه والأحكام التي ندر ما يفوتها حديث صحيح وتتهافت الأدلة عليها؛ وهو ما دفع العلماء للعناية بها والتعليق عليها وشرحها.

ومن جهة أخرى، جمع أبو داود في كتابه «السنن» مجموعة كبيرة من الأحاديث النبوية التي دارت بين الفقهاء واستدلوا بها، وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار، ووصل عدد الأحاديث في الكتاب إلى 5274 حديثًا، انتقاها أبو داود من بين 500 ألف حديث نبوي، وسميت أحاديثه بالأحكام، وهي أحاديث تدور حول الزهد والفضائل، كما تحدث عن منهجه في تأليف كتابه وترتيبه من مُختلف النواحي ضمن رسالته لأهل مكة، ويضم فيه 35 كتابًا، وعدد أبوابه 1871 بابًا تشمل أحاديث مرفوعة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأخرى موقوفة على الصحابة، وآثار أخرى منسوبة للتابعين (أبو داود السجستوني، كتاب سنن أبو داود، ص1، بتصرّف).

وقد أشاد كثير من العلماء بأبي داود وجامعه «السنن»، حتى عدُّوه أحدَ أسفار الإسلام، وفي مرتبة الصحيحين؛ البخاري، ومسلم، وهو ما يَشي بقيمة أبي داود العلمية والفقهية بين أقرانه.

قال محمد بن مخلد: لَمَّا صنَّف كتاب «السنن»، وقرأه على الناس، صار كتابُه لأصحابِ الحديث كالمصحف يَتبعونه ولا يُخالفونه، وأقرَّ له أهلُ زمانه بالحفظِ والتقدُّم فيه.

وقال أبو عبدالله بن منده: الذين خرَّجوا الصحيح، وميَّزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب: أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مُسلِمُ بن الحجاج القُشيري، وبعدهما أبو داود سليمانُ بن الأشعث بن إسحاق السجستاني، وأبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النَّسائي. (شروط الأئمة لابن منده، ص42).

أقوال العلماء في أبي داود

  • قال أبو بكر الخلال: أبو داود السِّجِسْتاني الإمام المقدَّم في زمانه، رجل لم يسبِقْه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعها أحدٌ في زمانه، رجل ورع مقدَّم. (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج9، ص58).
  • قال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي: أبو داود السِّجِسْتاني: كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلمه، وعلله، وسنده، في أعلى درجة العفاف، والصلاح، والورع، مِن فرسان الحديث. (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج9، ص58).
  • قال أبو حاتم بن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا؛ فِقهًا وعلمًا وحفظًا، ونسكًا وورعًا وإتقانًا، جمع وصنَّف وذبَّ عن السنن.
  • قال موسى بن هارون: ما رأيت أفضل من أبي داودَ.
  • قال الحافظ أبو عبدالله بن مَنْدَهْ: الذين خرجوا وميزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعةٌ: البخاري، ومسلمٌ، ثم أبو داودَ، والنسائي.
  • قال الذهبي: كان أبو داود مع إمامته في الحديث وفنونه من كبار الفقهاء؛ فكتابه يدل على ذلك، وهو من نجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدةً، وسأله عن دقاق المسائل في الفروع والأصول. (سير أعلام النبلاء للذهبي، جـ13، ص212 - 215).
  • قال ابن كثير: أبو داود السِّجِسْتاني: أحد أئمة الحديث الرحَّالين الجوَّالين في الآفاق والأقاليم، جمع وصنَّف، وخرَّج وألَّف، وسمع الكثير‍ عن مشايخ البلدان في الشام ومصر والجزيرة والعراق وخراسان، وغير ذلك، وله السنن المشهورة المتداولة بين العلماء. (البداية والنهاية لابن كثير، جـ11، ص58).




_______________

1- البداية والنهاية لابن كثير.

2- شروط الأئمة، محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده.

3- كتاب سنن أبي داود، أبو داود السجستوني.

4- طريقة أبي داود في تخريج الحديث، عثمان بن خضراء، مجلة دعوة الحق، العدد (313) ربيع 1، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المشور السعيد، المغرب، 1995م.

5- أبو داود الإمام الحافظ، تقي الدين الندوي المظاهري، دار القلم، ط3، دمشق، 1996م، ص24 – 28، بتصرف

6- أبو داود السجستاني، صاحب السنن، إسلام ويب، من أعلام الدعوة، 19/ 5/ 2024م، https://isla.mw/bkvf2m.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة