الحكامة التربوية الرقمية.. حين تتسع الوسائل ويضيق المعنى

الحكامة التربوية الرقمية.. حين تتسع الوسائل ويضيق المعنى

لم يكن أخطر ما أحدثه التحول الرقمي في التعليم أنه أدخل التقنية إلى الفصول، بل أعاد -في صمتٍ متسارع- تشكيل معنى التعليم ذاته؛ حتى غدا السؤال اليوم لا يتعلق بما نستخدمه من أدوات، بل بما نصنعه من إنسان، فبين وفرة المنصات، وتسارع البيانات، وتضخّم مؤشرات الأداء، يتقدّم مشهدٌ جديد يبدو في ظاهره أكثر كفاءة، لكنه في عمقه يثير قلقًا مشروعًا: هل نتقدّم في التعليم، أم نُعيد تعريفه على حساب جوهره؟

لقد كان التعليم، في أصله، مشروعًا إنسانيًا قبل أن يكون نظامًا إداريًا؛ يُبنى فيه العقل، وتُصان فيه الكرامة، وتُربّى فيه القدرة على الفهم والاختيار، وهي المعاني التي تندرج في مقاصد الشريعة الكلية، وعلى رأسها حفظ العقل وصيانة الكرامة الإنسانية، فلا يُتصوّر إصلاحٌ تعليميٌّ يفرّط فيها وهو يظنّ أنه يطوّرها.

غير أنّ الرقمنة، حين تدخل بلا رؤيةٍ حاكمة، لا تكتفي بتحسين الوسائل، بل تميل إلى إعادة ترتيب الغايات نفسها، بحيث يصبح ما يُقاس هو الأهم، وما لا يُقاس يُهمَل، ولو كان هو لبّ العملية التربوية.

ومن هنا تبرز الحكامة التربوية الرقمية لا بوصفها ترفًا تنظيميًا، بل ضرورةً لضبط هذا الانزلاق الهادئ؛ إذ لا يكفي أن نُسرّع التعليم، ولا أن نُحسّن إجراءاته، ما لم نُحسن توجيه هذا التسريع، ونضبطه بميزانٍ يجعل الوسائل تابعةً للمقاصد، لا مزاحمةً لها، وهو معنى تقرره القاعدة الأصولية: «الوسائل لها أحكام المقاصد».

ولا يُنكر عاقل ما حملته الرقمنة من مكاسب؛ فقد قرّبت المعلومة، ووسّعت دائرة الوصول، وفتحت آفاقًا جديدة للتفاعل، وجعلت القرار -في ظاهره- أكثر اتصالًا بالبيانات، غير أنّ هذه الوفرة نفسها قد تتحول إلى عبءٍ معرفيّ إذا لم تُحسن المؤسسة قراءتها، وقد تتحول إلى وهمٍ بالموضوعية إذا أُسند الحكم إلى الأرقام وحدها، وكأنّ الإنسان يُختزل في أثره الرقمي.

وهنا يكمن الخلل الدقيق؛ حين تنتقل المؤسسة التربوية من خدمة الإنسان إلى إدارة مؤشراته. فليست كل دقةٍ في القياس دقةً في الفهم، ولا كل كثافةٍ في البيانات دليلًا على جودة القرار؛ إذ يبقى في التعليم ما لا يُقاس؛ أثر المعلم في نفس المتعلم، وبناء الدافعية، وتشكيل الذوق، وترسيخ القيم، وهذه كلها إذا تراجعت، فلن تعوّضها منصاتٌ أكثر تطورًا، ولا تقاريرُ أكثر تفصيلًا.

وإذا كان هذا هو التحدي في عمق الفعل التربوي، فإنّ التحدي في بنيته لا يقل خطورة؛ ذلك أنّ الرقمنة لا توزّع آثارها بعدل، فثمّة من يملك الوصول، ومن يملك القدرة، ومن يملك المهارة، في مقابل آخرين يقفون على هامش التحول.

وهنا يصبح الحديث عن حكامة رقمية دون عدالةٍ حديثًا منقوصًا؛ لأنّ العدل مقصدٌ أصيل لا تستقيم السياسات بدونه، كما لا يستقيم التعليم الذي يُوسّع الفجوة بين الناس ولو بدا ناجحًا في إدارته.

ثم تأتي مسألة الخصوصية لتضعنا أمام بعدٍ أخلاقيٍّ أعمق؛ إذ لم يَعُد المتعلم يتعامل مع كتابٍ ودرسٍ فحسب، بل أصبح جزءًا من منظومةٍ تُسجّل تفاعله، وتراكم بياناته. وفي غياب الضبط، قد تتحول هذه البيانات من وسيلة تحسينٍ إلى مجال انتهاك، وهو ما يتعارض مع أصلٍ شرعيٍّ راسخٍ في صيانة الإنسان ومنع الضرر عنه.

ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ؛ فمع اتساع الاعتماد على المنصات، يبرز سؤالٌ آخر أكثر خفاءً: من يملك التعليم في البيئة الرقمية؟ وهل تبقى الغاية التربوية هي الحاكمة، أم تبدأ الأدوات في فرض منطقها الخاص؟ وحين يُترك هذا السؤال بلا جواب، يتحول التطوير إلى تبعيةٍ ناعمة، تتشكل فيها المنظومة من خارجها أكثر مما تُبنى من داخلها.

لهذا كله، فإنّ الحكامة التربوية الرقمية لا تُبنى بكثرة الأدوات، بل بحسن توجيهها؛ ولا بكثافة الاستخدام، بل بضبط مقاصده؛ ولا بسرعة التحول، بل برشده. فهي توازنٌ دقيق بين الشفافية، والمساءلة، والكفاءة، والتشاركية، والعدالة، في إطارٍ يجعل التقنية خادمةً للإنسان، لا حاكمةً عليه.

إنّ الخطأ الأكبر ليس في دخول التقنية إلى التعليم، بل في أن تدخل بلا ميزان، فالتقنية لا تحمل قيمةً في ذاتها، وإنما تستمد معناها من الغاية التي تُسخَّر لها، فإن وُضعت في موضعها الصحيح، كانت أداة تمكينٍ، وإن تجاوزت حدّها، أصبحت سببًا في إضعاف ما جاءت لتحسينه.

ومن هنا، فإنّ الرهان الحقيقي ليس على رقمنةٍ أوسع، بل على بصيرةٍ أعمق؛ بصيرةٍ تُبقي الإنسان في مركز العملية التعليمية، وتُعيد للتربية معناها، وتجعل من التقنية خادمًا واعيًا، لا سيّدًا متخفّيًا، فليس كل ما يتقدّم يُصلح، ولا كل ما يتأخر يُفسد، وإنما الميزان الدقيق في ذلك كله:

أن تبقى الوسائل في خدمة المقاصد، لا أن تُزاحمها حتى تُقصيها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة