فصائل الضفة الغربية.. تغييب قسري أم صهر وعي؟!

محمد القيق

23 يوليو 2025

454

فصائل الضفة الغربية.. تغييب قسري أم صهر وعي؟!

يستمر صمت قاتل هناك في الضفة الغربية، صمت يحوي في ثناياه هضم صوت شعب وفصائل وقياداتها، ليس منذ السابع من أكتوبر 2023م، وإنما منذ عام 2008م؛ حيث بدايات تعزيز الانقسام الفلسطيني الذي نتج بعد فوز «حماس» في الانتخابات التشريعية عام 2006م، وتلا ذلك تشكيلها حكومة بعد رفض فتح المشاركة وصولاً لأحداث الفلتان الأمني الممنهج وفرق الموت التي تزامنت مع قرار أمريكي بحصار الحكومة وقرار «إسرائيلي» باعتقال قادتها ووزراء وبرلمانيين لجعل المشهد عائماً على كل الصعد.

هناك تجذر الانقسام الفلسطيني في نفس الوقت الذي تقدم فيه «الإسرائيلي» خطوة للأمام بالاستيطان والضم والعربدة، فبات المواطن الفلسطيني بين جدار عنصري أنشأه أرئيل شارون عام 2002م يفصل الضفة الغربية عن القدس والداخل المحتل عام 1948م، وكانت أصلاً غزة معزولة عن باقي الأرض ليصبح الفلسطيني في تحدٍّ لإعادة لحمته الداخلية من جهة ومواجهة «الإسرائيلي» من جهة أخرى.

المقاومة في الضفة.. تراجع تكتيكي أم إعادة تموضع؟ |  Mugtama
المقاومة في الضفة.. تراجع تكتيكي أم إعادة تموضع؟ | Mugtama
تشهد الضفة الغربية في السنوات الأخيرة تصعيدًا غير...
mugtama.com
×

دايتون

أعد الجنرال الأمريكي كيث دايتون خطة لترويض الفلسطينيين ولصهر الوعي وإحداث شلل وطني وسياسي ومجتمعي بخطوط متوازية؛ ليفكك كلمة سر الفلسطيني المقاوم ويعلن مشروع الفلسطيني الجديد.

بدأت مسارات متوازية بشكل متسارع لكسر الضفة الغربية، حيث إن الخطة كانت معدة للضفة وغزة، إلا أن غزة لم تعد متوفرة لتطبيق الخطة فيها، حيث سيطرت حركة «حماس» هناك وباتت لدينا سلطتا أمر واقع في الضفة بقيادة فتح التي تقول: إن سلاحها هو شرعيتها الدولية، وأخرى في غزة بقيادة «حماس» التي تقول شرعيتي بندقيتي.

استغل دايتون المشهد؛ فبدل أن تكون هناك إعادة لحمة ومصالحة، تم إجهاض كل المحاولات والضغط والابتزاز المالي والسياسي في ذلك، حتى وصل الأمر في حرب غزة عام 2009م إلى أن عقدت جامعة الدول العربية اجتماعها في الدوحة، واتصل رئيس وزراء قطر بمحمود عباس ليحضر فقال له: حضوري يعني ذبحي من الوريد إلى الوريد، هناك سارعت أمريكا لكثير من الضغوط مالياً وفكرياً وإعلامياً وسياسياً لتجعل الانقسام إستراتيجياً، وتخلق ثقافتين في الشارع الفلسطيني؛ ثقافة إرهاب تصف بها غزة لمنع المقاومة وتشويهها، وثقافة سلام وهمي برخاء اقتصادي في الضفة لإغراء الناس وتثبيط روح تحرير أرضهم.

وهنا انطلقت خطة دايتون بمسارات عدة، منها:

- اعتقالات شرسة واسعة النطاق في صفوف «حماس» و«الجهاد» والجبهات، ومنع أي عمل مقاوم تحت إطار أن هناك انقساماً فلسطينياً، وأن أي خلية تتجهز سيتم اعتبارها تخطط للانقلاب على سلطة «فتح» في الضفة، وكان ذلك بالتوازي، حيث الاعتقالات والملاحقات في غزة لأنصار وقادة «فتح»، والحجج كثيرة.

وقع الفلسطينيون في فخ الإجهاد الداخلي والاقتتال طويل الأمد المشتت لهدف التحرير والطامس لروح الوحدة والمنفر للجمهور من الانخراط السياسي.

- السيطرة على ماكينة الإعلام؛ حيث يتم تشويه المقاومة وتضخيم قوة «إسرائيل» وتكثيف البرامج التي تنادي بنبذ العنف وتعزيز السلام وتشجيع الحوار مع «الإسرائيلي».

- تغييرات جوهرية في مناهج التعليم خاضعة لرقابة الأمريكي ولجانه، وحذف كل ما يعزز في الأجيال ثقافة وطن وحرية.

- ضبط إيقاع الجامعات وخطب المساجد ومحاربة الكتَّاب والمثقفين وإغلاق مراكز الثقافة والأبحاث والرياضة التابعة للفصائل في الضفة، وهذا الدور تناوبت عليه «إسرائيل» وأجهزة أمن السلطة في الضفة؛ ما جعل الفجوة كبيرة في ظل الملاحقة والتعذيب والاعتقال والحظر.

- ترسيخ فكرة أن السلاح الشرعي هو سلاح السلطة لجمع سلاح المقاومة، وبالفعل باشرت السلطة بذلك بحجة منع انقلابات، وهي في حقيقة الأمر برمجيات دايتون الأمنية التي جهز عقيدة عسكرية وأمنية نفسية تم تدريب آلاف عناصر الأمن عليها؛ وهي أن العدو الأول هو الداخلي المتمثل في الفصائل؛ ما انعكس سلباً على ثقافة داخلية فيها حقد وشحناء وتوتر لصالح «الإسرائيلي»، بينما حرص الأمريكي على إبقاء سلاح العشائر والمجموعات المسلحة كتجار المخدرات والسطو، وجعل لهم مواقع آمنة في مناطق ليست تحت سيطرة السلطة، ولكن سهل عليها الوصول لمواقع السلطة حتى تبقى تلك المجموعات ورقة رابحة بيد «الإسرائيلي» لتخويف السلطة بها.

- تعزيز برنامج اقتصادي يعتبر سجناً مباشراً للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، وكانت اتفاقية باريس الاقتصادية المذلة أساساً له، فتم فتح باب القروض من البنوك، والسماح لعدة شركات دولية بفتح السوق في الضفة، وهذا يعتبر سلخاً للمجتمع عن واقعه، حيث بات أمام المنزل سيارة حديثة بمبلغ عال ولا يستطيع مالكها شراء وقود لها؛ فيجبره هذا المشهد على استخدام المواصلات العامة للوصول إلى عمله، وبالتالي استطاعت الخطة وضع الأهالي في جو من الكماليات والخيال وإشغال عقولهم ووقتهم في متابعتها والتساوق معها لدرجة أن الشخص بات يعمل في وظيفتين ليسدد ما عليه من أقساط نصفها من الكماليات.

- تفعيل دور العشائر على حساب فكرة الأحزاب والمواثيق والحالة الوطنية، وهذا دفع إلى جعل العشيرة ملاذ العمل الاجتماعي واليومي على حساب العمل الحزبي والسياسي.

5 أدوات صهيونية لتفكيك الضفة الغربية |  Mugtama
5 أدوات صهيونية لتفكيك الضفة الغربية | Mugtama
تُعدّ الضفة الغربية ساحة مركزية في الصراع الفلسطين...
mugtama.com
×

حلول

في ظل حالة الترهل الفصائلية التي انعكست سلباً على النقابات والهيئات والجامعات والمساجد والمراكز التربوية والمناهج والنوادي التي هي عماد وأدوات الشعب للتعبير عن رأيه ومشاركته؛ فإنه بات لزاماً بحث العلاج بعد تشخيص المرض الذي نجح دايتون إلى حد كبير في تعميقه في جسد المجتمع الفلسطيني من خلال خصخصة الوجع وصهر الوعي وإعلاء الأنا وكسر الجماعية وتثبيط الشعور الوطني، خاصة بعد أن استعادت المقاومة الصورة التي تحتاج لاستكمالٍ مطلوب من الضفة الغربية ليعاد تشكل الوعي والثورة بعيداً عن مقدسات جعلها دايتون في عقلية بعض الفلسطينيين.

هناك متغيران يجبران قادة الفصائل في الخارج على إعادة النظر بحالة الضفة:

الأول: تصاعد الهجمة الاستيطانية والعسكرية التي تهدف لأخذ كل المنطقة، وبالتالي يصبح ميثاق تلك الفصائل حبراً على ورق إذا بقيت مواقفها هذه.

الثاني: «طوفان الأقصى» والإبادة في غزة وحالة «إسرائيل» على الساحة الدولية واستنزافها في كل الجوانب، وبالتالي بات الاستنزاف ليس فقط لفصائل الضفة، ولكن أيضاً للجيش «الإسرائيلي» في هذه المرحلة، وهذه فرصة الفصائل.

لذلك، ضمن تغيرات المشهد بات مطلوباً التالي:

- حل الفصائل في الضفة الغربية فوراً وإعلان المقاومة المباشرة من كل فئات الشعب ضد «إسرائيل» ومستوطنيها وإزالة هياكل التنظيمات التي باتت مترهلة في أفضل حالاتها ومحترقة أمنياً في حالاتها الأخرى، وباتت إطاراً يمنع الغضب أو يقننه أو حتى يمتصه ونشأت على إثرها خلايا وهمية هدفها الإيقاع بالشباب.

- تحديد العلاقة مع السلطة وإظهار الموقف الرسمي للفصائل بدل الميوعة القائمة بين عدائية وحديث عن توافق.

- استثمار المواجهة الحالية في إعادة تصحيح مفاهيم وفكر تم تشويهه من الأمريكي في المنطقة، وتوجيه الأجيال في الضفة الغربية لما بنته «طوفان الأقصى» بدلاً من تركهم لقمة سائغة للتعبئة الخاطئة بعد أن فشلت قيادات الضفة وأفشلت في مهمتها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة