تربية القلب عند فقد المحب..

كيف يتحول الحب إلى محنة؟ قصة قيس بن الملوح

كيف يتحول الحب إلى محنة؟ قصة قيس بن الملوح

قيس بن الملوح، اختلفت الروايات في اسمه ونسبه؛ فقيل: قيس بن الملوح، وقيل غير ذلك، إلا أن المشهور أنه من بني عامر بن صعصعة، ذلك الفتى الذي ارتبط اسمه بقصة حب ليلى العامرية، حتى غدا رمزًا للعاشق الذي أضناه الشوق وأفناه الهوى.

بداية الحكاية بين قيس وليلى

نشأ قيس مع ليلى في الصغر، وكانا يرعيان الغنم، فتعلقت نفسه بها وتعلقت هي به، ثم حال أهلها بينهما حين شاع أمر حبه لها، وتقدم لليلى خاطب من ثقيف، فزوجها والدها له رغمًا عنها، ورحلت ليلى معه بعيداً، فهام قيس على وجهه في البراري والقفار ينشد الشعر، ويأنس بالوحوش، ويتغنّى بحبه بين الأقطار.

وروي أن أباه ذهب به إلى الحج طلباً للشفاء، وقال له: تعلّق بأستار الكعبة وادعُ الله أن يشفيك من حبها! فذهب قيس وتعلق بأستار الكعبة، وقال: اللهم زدني لليلي حبًا، وبها كلفًا، ولا تنسني ذكرها أبدًا، فلما كان بمشعر مِنَى سمِع شخصاً ينادي: يا ليلى؛ فغشي عليه.

وروي أنه ذهب إلى زوج ليلى في يوم شديد البرودة، وكان جالسًا مع قومه إذ أوقدوا النار للتدفئة، فأنشده قيس قائلاً:

بربّك هل ضممت إليك ليلى     قبيل الصبح أو قبلت فاها؟

وهل رفّت عليك قرون ليلى      رفيف الأقحوانة في نداها؟

كأن قرنفلاً وسحيقَ مِسك      وصوب الغانيات قد شملن فاها!

فقال له زوجها: أما إذ حلّفتني فنعم.

فقبض قيس بكلتا يديه على النار ولم يتركها حتى سقط مغشيًا عليه.

ثم هام في الفلاة، فبحثوا عنه فوجدوه ميتاً، وعند رأسه بيتان من الشعر خطهما بإصبعه:

تَوَسَّدَ أحجارَ المهامِهِ والقفرِ     وماتَ جريح القلبِ مندملَ الصدرِ

فيا ليت هذا الحِبَّ يعشقُ مرةً     فيعلمَ ما يلقى المُحِبُّ من الهجرِ

فحملوه إلى الحي وغسلوه ودفنوه، وكثر بكاء النساء والشباب عليه.

قصة قيس وليلى من عاطفة فردية إلى ظاهرة ثقافية

لا تقف قصة قيس بن الملوح عند حدود حكاية عاشق حُرم من محبوبته، بل هي ظاهرة سيكولوجية تكشف عن تداخل معقد بين الإنسان وبيئته، وبين المشاعر الفردية وسلطة المجتمع، وبين قوة الكلمة في حفظ التجارب الإنسانية عبر الزمن.

إن قيمة دراسة قيس ليست في معرفة تفاصيل قصة حب لم تكتمل فحسب، وإنما في فهم الإنسان حين تصطدم رغباته الخاصة بالعادات الموروثة أو الأنظمة الاجتماعية المحيطة به، وكيف يمكن للعاطفة أن تتحول من تجربة شخصية إلى ظاهرة ثقافية يبقى أثرها قرونًا طويلة.

كيف يتحول الحب إلى محنة؟قصة قيس بن الملوح

قد يتحول الحب إلى محنة شديدة حيث تكشف قصة قيس عن جانب عميق من النفس الإنسانية؛ فالتعلق الذي يبدأ في مرحلة مبكرة من العمر قد يتحول مع الزمن إلى ارتباط شديد بالذاكرة والصورة الذهنية، خاصة عندما يُحرم الإنسان من الوصول إلى ما تعلق به.

وقد أورد الذهبي في حديثه عن قيس، وليلى، أنهما كانا يرعيان الغنم في الصغر، حتى أنشد قيس قائلاً:

تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة ولم    يبدُ للأتراب من ثديها حجم  

صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا    إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم(1)

ولذا، لم تعد ليلى في نظر قيس مجرد شخص محبوب، بل أصبحت رمزًا لكل ما فقد من معاني القرب، والقبول، والحلم الذي لم يكتمل، ولهذا نجد أن غيابها لم يكن غياب إنسانة فقط، بل غياب معنى ارتبط به وجدانه كله.

ولما كان الألم المفرط سبيلاً إلى هدم صاحبه، حاول قيس أن يعيد تشكيل معاناته فاستغل إمكاناته واستطاع أن يجعل من الشعر وسيلة للتعبير عن قضيته، ومن الحرمان لغة خالدة.

وهذا قريب مما يسميه علماء النفس بـــ«التسامي»؛ أي تحويل الدوافع والانفعالات القوية إلى أعمال ذات قيمة، وإن كان لا يصح إسقاط المصطلحات الحديثة إسقاطًا كاملًا على شخصيات تاريخية قديمة، إلا أنها تساعد على فهم بعض جوانب التجربة الإنسانية.

كيف خلد الشعر معاناة قيس وليلى عبر التاريخ؟

لم يكن شعر قيس بن الملوح مجرد وسيلة للشكوى، بل كان أداة لصناعة أثر تاريخي طويل، فالكلمة الصادقة القادرة على التعبير عن تجربة إنسانية عميقة تستطيع أن تتجاوز زمن صاحبها ومكانه.

ومن أشهر الأبيات المنسوبة إليه:

أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى      أُقَبِّلُ ذَا الجِدَارَ وَذَا الجِدَارَا

وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي    وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا

وهذان البيتان يكشفان عن قيمة بلاغية عالية، إذ كيف يتحول المكان عند الإنسان إلى وعاء للذكرى؛ فالجدار والتراب والديار لا تكون لها قيمة ذاتية، وإنما تستمد معناها من ارتباطها بمن سكنها.

وكذا المواقف والأحداث قد يكون لها وقع كبير حين حدوثها، ثم لا تلبث أن تخفت وتنسى، إلا إذا قيض الله لها قلمَ كاتبٍ، أو بلاغة شاعر، حينها تظل حية في ذاكرة التاريخ ووجدان الشعراء.

ومن ذلك ما أورده أبو نعيم بسنده عن ابن عائشة، عن أبيه، قال: حج هشام بن عبدالملك قبل أن يلي الخلافة، فاجتهد أن يستلم الحجر فلم يمكنه، وجاء علي بن الحسين فوقف له الناس، وتنحوا حتى استلمه، قال: ونصب لهشام منبر فقعد عليه فقال له أهل الشام: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أعرفه، فقال الفرزدق: لكني أعرفه، هذا علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما:

هذا ابن خير عباد الله كلهم       هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته   والبيت يعرفه والحل والحرم

يكاد يمسكه عرفان راحته         عند الحطيم إذا ما جاء يستلم

إذا رأته قريش قال قائلها          إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله       بجده أنبياء الله قد ختموا

وليس قولك من هذا؟ بضائره      العرب تعرف ما أنكرت والعجم

يغضي حياء ويغضي من مهابته     ولا يكلم إلا حين يبتسم(2)

فتخليد المآثر بالكلمة البليغة والشعر الخالد، ظهر هنا جلياً حين استهان هشام بن عبدالملك بعلي بن الحسين وتجاهله في الحج، فانبرى الشاعر الفرزدق يعدد مكارم ابن الحسين بقصيدة أصبحت في ذاكرة التاريخ حدثا لا ينسى.

وهذا يوقفنا على معنيين كبيرين:

  • الأول: أن للكلمة سطوة من نوع مختلف:

إذ لم يكن قيس قائدًا سياسيًا أو عسكريًا، ولم يملك سلطة اجتماعية، لكنه امتلك نوعًا آخر من القيادة؛ إنه سلطة الكلمة وقوة المعنى الذي استطاع من خلاله أن يخلد في التاريخ ذكراه، وهذا يكشف أن القيادة ليست دائمًا مرتبطة بالمنصب أو السطوة العسكرية، بل قد تكون في القدرة على التعبير عن قضايا يشعر بها الناس، فينصتون لصاحب الكلمة، بل وينقادون لها.

  • الثاني: البعد الإنساني في قصة حب قيس وليلى:

فالناس لا يتعلقون بقيس لأنه عاش قصة حب فقط، وإنما لأنه جسد أسئلة عميقة تدور في وجدان كائن جُبل على العاطفة، فمنحته دروساً توجيهية في كيفية التعامل مع الحرمان، وفي فن تحويل الألم إلى معنى، وفي حدود تعلق البشر بكل ما هو دنيوي.

ومن هنا تظهر أهمية التعامل مع الشخصيات التاريخية بميزانين متكاملين؛ ميزان التقدير لما قدمته من أثر، وميزان النقد لما حملته تجاربهم من جوانب تحتاج إلى مراجعة.

لماذا رفضت القبيلة زواج قيس بن الملوح من ليلى؟

نشأ قيس، وليلى، في بيئة قبلية صارمة تحفظ السمعة، وترسم حدود المقبول والمرفوض، وكانت علاقة الفرد بالجماعة علاقة شديدة التداخل، بحيث لا يُنظر إلى تصرفاته باعتبارها شأنًا خاصًا فقط، بل باعتبارها انعكاسًا على أسرته وقبيلته.

وقد أشارت الروايات الأدبية إلى أن من أسباب تعذر زواج قيس، بليلى، اشتهار شعره بها؛ إذ ترى قيم القبيلة أن إعلان الحب والتغزل بالمحبوبة قد يغير موقعها الاجتماعي ويؤثر في سمعة أهلها، وهو ما يكشف عن صراع بين منطق العاطفة الفردية ومنطق الاعتبار المجتمعي، فالعاشق يرى في الإعلان عن الحب صدقًا ووفاءً، بينما ترى الجماعة ذلك خروجًا عن أعرافها.

أزمة الاختيار بين قناعة الفرد وسلطة المجتمع

ولا شك أن الصدام بين الرغبات الشخصية والاعتبارات المجتمعية متعدد الجوانب، وهو أمر واقع قديماً وحديثاً، في جاهلية الناس وإسلامهم، فكل من عاش لقضية مؤمناً بها يجد في نفسه الرغبة الجامحة في الإعلان عنها، ومواجهة العالم بها، مهما كلفه ذلك من المشاق والتضحيات.

ومن ذلك ما حكاه ابن عباس: أن أبا ذر الغفاري حينما اختار الإسلام كرغبة فردية صادقة، اصطدم بقوة المجتمع المكي القبلي، حيث دخل على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فسمع من قوله وأسلم مكانه، فقال له النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: «ارجع إلى قومك، فأخبرهم حتَّى يأتيك أمري»، قال: والذي نفسي بيده، لأصرخن بها بين ظهرانيهم.

فخرج حتَّى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثمّ قام القوم فضربوه حتَّى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، قال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام فأنقذه منهم، ثمّ عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه(3).

وهذا الاصطدام لا يزال حاضرًا بصور مختلفة في المجتمعات الحديثة؛ فكم من إنسان يجد نفسه حائراً بين اختياراته الشخصية الصائبة، وتوقعات الأسرة ورغبات الوالدين، أو اعتبارات المجتمع، ولذلك فإن فهم السياق الاجتماعي لأي موقف يساعد على قراءة الشخصيات التاريخية بعيدًا عن الأحكام السطحية.

قيس بين الوفاء الصادق والتعلق المدمر

من أكثر الجوانب إثارة في شخصية قيس أن حبه لم يكن قائمًا على اللقاء والامتلاك، بل على الذكرى والحرمان، فقد تحول الحب عنده إلى تجربة داخلية يعيشها أكثر مما يعيش علاقة واقعية.

وهنا يظهر الفرق بين الوفاء بوصفه قيمة أخلاقية، والافتتان الذي يجعل الإنسان يدور حول صورة ذهنية لا يستطيع مجاوزتها، فالوفاء يحفظ المعنى الجميل، لكنه لا يعطل قدرة الإنسان على التعامل مع الواقع، وما أروع الوفاء إذا كان محمدياً! لأنه وفاء نقي صادق لا يعطل الحياة بل يحفظ الود، وقد عبر عنه صلى الله عليه وسلم حين غضبت عائشة وقالت: هل كانت إلا عجوزاً قد أخلف الله لك خيراً منها؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «لا والله ما أخلف الله لي خيراً منها، لقد آمنت إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها..»(4).

فلئن كان الوفاء يحفظ الود دون أن يعطل الحياة، فإن الافتتان بالمحبوب قد يجعل الإنسان أسيرًا للماضي، عاجزًا عن رؤية أبواب أخرى للحياة، بل ربما دافعا له إلى ما يغضب الله.

أورد الإمام ابن كثير: أن عبدالرحمن بن ملجم افتتن بامرأة يقال لها «قطام»، فسلب حسْنُها عقله حين رآها، فتعلق قلبه بها، فلما طلبها للزواج اشترطت عليه أن يقتل علي بن أبي طالب، فأعماه الافتتان والهوى عن رؤية الحق، وقاده غياب ميزان العقل إلى قتل أمير المؤمنين فخسران الدنيا والآخرة(5).

ولهذا، فإن الموقف من قيس يحتاج إلى قدر من الإنصاف؛ فلا يصح اختزال قصته في وصفها بالجنون أو السخرية، كما لا يصح إبرازها كنموذج كامل ينبغي تقليده، وإنما لا بد من النضج العاطفي المتزن الذي يجمع بين العقل والقلب معاً، فهو لا يعني قتل المشاعر، بل يعني قيادة المشاعر؛ لأن الإنسان الذي يعيش بلا إحساس يصبح قاسيًا، والذي يعيش بلا ميزان يكون أسيراً طاغياً.

نظرة شرعية في تعلق القلب بغير الرب

لا ينظر المنهج الإسلامي إلى مشاعر الإنسان باعتبارها أمرًا منفصلًا عن طبيعته البشرية؛ فالحب والميل بين الرجل والمرأة من سنن الله في خلقه، وقد أقر الشرع وجود هذه العواطف، لكنه أحاطها بالضوابط المحكمة حتى لا تتحول إلى استعباد.

وإذا كنا ننظر إلى قصة قيس، وليلى، من زاوية الإعجاب بصدق المحبة وبلاغة الشعر، فإنه ينبغي ألا نغفل هذا السؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية فيمن تجاوز التعلق عنده حدوده الطبيعية، فأصبح أسيرًا لما ولمن يحب؟ والجواب الخطير يكمن في فهم قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ) (البقرة: 165).

فالآية لا تنكر أصل المحبة البشرية، وإنما تبين أن أعلى مراتب التعلق لا تكون إلا بالله سبحانه، وأن كل محبة لسواه ينبغي أن تبقى في دائرة العبودية لله، دون مزاحمة المحبة العظمى أو الاستيلاء على مركز القلب.

ولا فرق في ذلك بين كون الحب والتعلق بمحرم، أو كان تعلقاً بأمر مباح كمحبة الزوجة أو الولد؛ ولذا، قال ابن القيم عن الخليل: «ولما سأل إبراهيم عليه السلام الولد فأعطيه، وتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضعاً لغيره، فأمره بذبحه، وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحاناً، ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه؛ ليخلص القلب للرب، فلما بادر الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ولده، حصل المقصود فرفع الذبح، وفدي بذبح عظيم»(6).

وفي قصة قيس بن الملوح تظهر هذه المخالفة الشرعية بجلاء؛ فقد ارتفعت صورة المحبوب في نفسه حتى غدت محور حياته وسبب وجوده، فصار الفقْد لا يعني فقْد شخص وفقط، بل فقْد المعنى الذي علّق عليه كل آماله، وهذه الحالة تكشف أهمية التوازن في بناء النفس؛ فالإنسان الذي يجعل سببًا دنيويًا واحدًا مركز حياته، وعلة وجوده يصبح أكثر عرضة للانهيار إذا فقد ذلك السبب.

وهذا المعنى لا يخص العلاقات العاطفية وحدها؛ فقد يتعلق الإنسان بمنصب، أو شهرة، أو إنجاز معين، حتى إذا زال عنه ذلك شعر بأن حياته فقدت معناها، ولذلك فإن بناء النفس السوية يقوم على أن تكون المحبة خاضعة لضوابط الشرع الحنيف مع بقاء التعلق الأول والكامل بالله تعالى.

كيف نحمي الأبناء من خطر الانهيار العاطفي؟

تقدم قصة قيس إشارات تربوية مهمة تتعلق بكيفية بناء شخصية قادرة على التعامل مع المشاعر والأزمات، فالإنسان لا يحتاج إلى من يعلمه كيف يشعر، بل يحتاج إلى من يعلمه كيف يدير شعوره، فالمشاعر بلا توجيه قد تتحول إلى عبء ثقيل، بينما المشاعر المنضبطة يمكن أن تكون مصدر إبداع وعطاء.

ومن أروع ما ورد في الذكاء العاطفي وفن إدارة المشاعر ما حدث من أم سليم الأنصارية حين مات ولدها، فقد روى الطبراني عن أنس بن مالك قال: ولدت أم سليم غلاماً، فاشتكى فاشتد شكوه ثم توفي وأبو طلحة عند النبي صلى الله عليه وسلم، فانصرف أبو طلحة من عنده حين صلى المغرب وقد لفته أم سليم وجعلته في ناحية من بيتها، فهوى إليه أبو طلحة فقالت: عزمت عليك بحقي أن لا تقربه فإنه لم يكن منذ اشتكى خيراً منه الليلة، فقربت إليه فطره فأفطر، ثم أخذت طيباً فأصابته، ثم دنت إلى أبي طلحة فأصابها، فقالت: يا أبا طلحة، لو رأيت جيراناً أعاروا جيراناً لهم عارية حتى ظنوا أن قد تركوها لهم، فلما طلبوها منهم وجدوا في أنفسهم، قال: بئسما صنعوا، فقالت: فإن الله قد أعارك فلاناً، ثم قبضه منك وهو أحق به، فغدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبح فأخبره الخبر، فقال: «اللهم بارك لهما في ليلتهما»(7).

فأم سليم ما أنكرت مشاعرها، لكنها استطاعت أن تديرها بحكمة في وقت شدة وأزمة.

وكم نفتقد في أسرنا ومجتمعاتنا حكمة أم سليم! فالابن أو الابنة يحتاجان إلى بيئة تعترف بمشاعرهما وتستمع إليهما، لكن مع غرس القدرة على التوازن، وتعليم أن الحياة لا تتوقف عند خسارة علاقة أو فشل تجربة.

فالتربية الناجحة لا تقوم على القمع الكامل للعاطفة؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى الانفجار أو الانحراف، ولا تقوم على ترك الإنسان أسير رغباته، وإنما تقوم على بناء شخصية تعرف قيمة القلب والعقل معًا.

وقد وضع القرآن قاعدة عامة في التوازن بين مطالب الروح والجسد، ومطالب الدنيا والآخرة، فقال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77)؛ فالإنسان لا يُطلب منه أن يلغي طبيعته، وإنما أن يضع كل شيء في موضعه الصحيح.

ومن الإشارات المهمة أيضاً ضرورة إتقان التفكير الإستراتيجي الموصل إلى فهم الواقع، ومعرفة القوى المؤثرة، واختيار الوسائل المناسبة.

لقد امتلك قيس صدق الشعور وقوة التعبير، لكنه لم يمتلك -وفق الصورة التي نقلتها الأخبار الأدبية- أدوات التفاوض الاجتماعي أو إعادة بناء الخيارات، وهذا يوضح أن النجاح في قضية ما يحتاج إلى اجتماع الإخلاص مع الوعي والفهم والحكمة.

بين خلود الشعر وحكمة التوازن

وعلى الرغم من تشكيك بعض المؤرخين في ثبوت قصة قيس بن الملوح، وليلى العامرية، إلا أن كثيرًا من أهل الأدب والتراجم أثبتوا أصلها، ورأوا أن كثرة الأخبار والشعر المنسوب إليه تدل على أن وراء هذه الحكاية حقيقة إنسانية عاشها شاعر عُرف بصدق العاطفة ورقة التعبير، لتبقى شخصية قيس بن الملوح واحدة من أكثر الشخصيات الأدبية قدرة على إثارة التأمل؛ إذ تجمع بين جمال التعبير وقسوة التجربة؛ فهو شاعر حفظ للأدب العربي جانبًا من أرقى صور التعبير عن المحبة، وهو في الوقت نفسه نموذج يكشف خطورة أن يتحول التعلق الإنساني إلى مركز للحياة.

إن قراءة قيس قراءة ناضجة لا تعني تمجيد الانهيار باسم الحب، ولا إنكار قيمة المشاعر باسم العقل، وإنما تعني إدراك أن الإنسان يحتاج إلى قلب يشعر وعقل يوجه وروح تتعلق بالله قبل كل شيء.

فالحب منحة حين يكون جزءًا من بناء الإنسان، ويصير محنة إذا ما استولى عليه ومنعه من رؤية بقية أبواب الحياة، ولهذا بقي قيس بن الملوح في الذاكرة لا بوصفه عاشقًا فقط، بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا عن طبيعة الإنسان؛ عن حاجته إلى الحب، وعن حاجته الأكبر إلى التوازن.

الهوامش
  • 1 الذهبي، سير أعلام النبلاء (4/ 5).
  • 2 أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء (3/ 139).
  • 3 متفق عليه: رواه البخاري (3861)، مسلم (2474)، باختصار.
  • 4 ابن الجوزي، صفة الصفوة (2/ 8).
  • 5 ابن كثير، البداية والنهاية (11/ 13-14).
  • 6 ابن قيم الجوزية، الجواب الكافي، ص191.
  • 7 الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد، المعجم الكبير (25/ 177).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة