هجرة من نوع جديد

هجرة من نوع جديد

تظل الهجرة النبوية المباركة معيناً لا ينضب من الدروس والعبر والعظات، وشجرة وارفة الظلال يستطل بها الفرد والأسرة والمجتمع والأمة بأسرها.

مع حلول عام هجري جديد، يتجدد الرحيق النبوي، فنعطر به أرواحنا وقلوبنا وأجسادنا، نتأسى برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ونسير على هداه.

ما أحوجنا إلى هجرة من نوع جديد، تستلهم روح الجهاد والصبر والعمل والتخطيط التي أظهرها النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، خلال رحلة مباركة غيّرت مسار التاريخ، ووضعت اللبنة الأولى للدولة الإسلامية.

هجرة على مستوى الفرد والأسرة

أمام كل فرد منا هجرتان؛ الأولى: هجرة رقمية من مواقع الذنوب والمعاصي، ومنصات الفتنة والإباحية، على شبكة الإنترنت، إلى ساحات الطاعة والعبادة والعمل الصالح، والمواقع النافعة؛ تقرباً لله ونيلاً لمرضاته وجنانه، فقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من موطن الكفر والبغي والعداوة لدينه إلى ساحة أرحب لدعوته، وإلى أنصار يسارعون إلى نصرته ومؤازرته، فأقام على أرضهم أول مسجد في الإسلام.

والهجرة الثانية: أن ينفض الفرد عن نفسه غبار الفشل والكسل، فيهب مسارعاً إلى العمل والجد والكد، إذا كان طالباً فيحصل العلم، وإذا كان رجلاً فليحصل الرزق الحلال، وإذا كانت امرأة فلتنهض بنفسها وأسرتها.

أما على مستوى الأسرة، فأمام أسرتك هجرتان؛ الأولى: ترك ما نهى الله عنه من المعاصي والفسوق، وكل ما حرم الله، سواء ما يتعلق بحقوق الله، أو ما يتعلق بحقوق العباد؛ فتهجر الأسرة إيذاء الجار، وقطع الرحم، والتجسس على الآخرين، والحسد، والغيبة، والنميمة، وغير ذلك من رذائل تفشت في مجتمعاتنا.

أما الهجرة الثانية للأسرة، فأن تهجر المشكلات والخلافات الأسرية، وما يُصدع بنيان الأسرة المسلمة من خصام وهجر وعقوق وفحش في القول وإيذاء نفسي وبدني، وليتحلى الزوجان بأخلاق بيت النبوة، فتحل عليهما المودة والرحمة والسكينة، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21).

هجرة المجتمع والأمة

من الفرد والأسرة، يسري عبق الهجرة الشريفة إلى المجتمع المسلم، فيهاجر بكل عزيمة وإخلاص إلى العمل والإنتاج والإتقان، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، واستعادة العقول والكفاءات المهاجرة، وأن يتحرر من التبعية إلى الاستقلال، ومن الاستيراد إلى التصدير، ومن التخلف إلى التقدم، فلا يكون عالة على بلاد الغرب، أو أن يجعل قوته بأيدي أعدائه، وهويته وثقافته بأيدي صناع «الترند» والفتنة، قال الأوزاعي: «إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل».

والهجرة الثانية التي تجب على مجتمعاتنا، في وقت تتعاظم فيه التحديات والخطوب، هي أن تهجر الفرقة والتشرذم، وأن تتوقف عن الاقتتال فيما بينها، وأن تصلح فساد ذات البين، وأن تستعيد وحدتها واصطفافها، قال الله عز وجل: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: 9)، وقال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: 10).

أنواع وألوان الهجرة

إن تقسيمات الهجرة كثيرة وفق العلماء والمفسرين وعلماء السير، وهناك أنواع وألوان من الهجرة المشروعة، والنصوص فيها كثيرة، وقد قسم العلماء الهجرة إلى قسمين، هجرة هروب وهجرة طلب؛ الأولى يقصد بها «الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، الهجرة من أرض البدعة، الهجرة من أرض غلب عليها الحرام، الخروج خوف المرض، الخروج خوف الأذية في المال، الفرار من الإصابة في البدن».

بينما تنقسم هجرة الطلب إلى «سفر الحج، سفر الجهاد، طلب العلم، سفر العبرة، سفر المعاش، طلب الرزق، سفر لقصد البقاع الخيرة، سفر للمرابطة في الثغور، سفر لزيارة الإخوان في الله».

إن الأمة في حاجة إلى قراءة جديدة للهجرة النبوية، واستلهام دروس عصرية تواكب ما تتعرض له الأسرة والمجتمع من تحديات ومؤامرات، وقوانين مشبوهة، تتربص باللبنة الأولى في بناء المجتمع.

ومن الحكمة في زماننا أن نصنع ونبتكر ألواناً وأنواعاً جديدة من الهجرة، ما دام القصد منها شريفاً ونبيلاً، فيهاجر الفرد والأسرة والمجتمع والأمة، كما بينا، ووفق متطلبات كل مجتمع، فهذا في حاجة إلى هجرة اقتصادية، وذاك إلى هجرة رقمية، وثالث في أمسّ الحاجة إلى هجرة معرفية وعلمية، والأمة بأسرها في حاجة إلى هجرة حقيقية إلى القيم والأخلاق، وإلى رفع راية الإسلام قولاً وعملاً.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة