هدايات سورة «الحجرات» (8)
التبيُّن وأثره في تزكية النفوس
بعدما تبين كيف
خاطبت الآية الكريمة: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن
تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:
6) الجانب الإيماني وما أثمرته من هدايات اجتماعية، يتبين المتأمل كذلك
عنايتها بجوانب أخرى لا تنفصل عن جوهر الإيمان، وهي تزكية النفس بالوسائل التربوية
وعلاج أمراضها الخفية، فهي تحوي منهجاً تربوياً متكاملاً يقوم على وسائل تربوية
متنوعة وقواعد راسخة وأدوية ناجحة تتمثل في:
أولاً: الوسائل التربوية:
الوسائل
التربوية وهي جوهر التربية، وبها تُطبق القواعد وتثمر في النفس؛ لذا يجب العناية
بها والتنويع بين أساليبها الكثيرة، لتستقبل النفس القواعد دون ضيق أو ملل، ومن
أمثلة هذه الوسائل التربوية في الآية:
1- التربية بالوعي العقلي والمنطقي:
اعتمدت الآية
على الإقناع العقلي بترتيب منطقي واضح: اعتماد خبر غير الموثوق، التورط في إيذاء
الأبرياء، الوقوع في مصيدة الندم، فلم تقفز إلى النتائج مباشرة، هذا التسلسل
يُخاطب العقل ويريه الصورة كاملة، فيقنعه، وتدرك النفس خطورة الأمر بالدليل
والبرهان لا بالتخويف فقط.
لذا، يجب على
المربي تدريب النشء على أن يربط بين المقدمات ونتائجها، وأن يفكر في التسلسل
المنطقي لأي قرار، فلا يقدم على أمر إلا بعد أن يدرس خطواته ونتائجه.
2- التربية بالعواقب:
تجلى أسلوب
التربية بالعواقب في: (فَتُصْبِحُوا
عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، حيث لم تكتف الآية ببيان الحكم، بل
عرضت النتيجة النفسية المترتبة على التسرع، وهي الندم، في إشارة أن المربي الحكيم
لا يكتفي بتحذير النشء من الفعل، بل يُريه ما سيؤول إليه حاله بعد الفعل، ويجعل
الصورة النهائية حاضرة في ذهنه كأنه يحياها، فيمتنع من تلقاء نفسه خوفاً من قسوة
تلك اللحظة.
3- التربية بالتأثير العاطفي:
خاطبت الآية عمق
الشعور الإنساني حين جمعت بين التحذير من الندم والشفقة على الضحايا، فحركت في
النفس مشاعر الرحمة والخوف معاً، رحمة بمن قد يُظلم بجهالة، وخوفاً من ندم لا ينفع
صاحبه، هذا المزيج يبني في النفس رقابة ذاتية تمنعها من الإساءة بدافع الحب
والرحمة لا لمجرد الخوف من العقاب.
لذا، فليحرص
المربي أن يؤسس لدى النشء ذكاءً عاطفياً يجعله يشعر بألم الآخرين ويصون قلبه
وقلوبهم.
4- التربية بالمسؤولية الفردية:
بدأت الآية
بخطاب جماعي: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا)، ثم حملت كل فرد مسؤولية خاصة بـ«فَتَبَيَّنُوا»، وهذا
أسلوب تربوي يُشعر الفرد بأنه مسؤول بذاته، فلا يُخفي مسؤوليته خلف كلمة الجماعة
والأغلبية، وأنه سيُسأل عن أفعاله هو، لا عن أفعال غيره.
ثانياً: القواعد التربوية:
لم تكتف الآية
بتوجيه عابر، بل تضع قواعد تربوية عملية لبناء عقل ناقد وشخصية متزنة، وهذه
القواعد تتجلى من نص الآية ذاتها، ومنها:
1- قاعدة التفكير النقدي والتحري:
الأمر «فَتَبَيَّنُوا»
أمر إيجابي بالبحث والفحص، فالقرآن لا يريد أمة متشككة سلبية، بل أمة ناقدة واعية
تبحث عن الحقيقة، وتتحقق من الأخبار، ثم تبني موقفها على بينة.
فالمربي لا
يكتفي بمنع المتربي من تصديق الأخبار، بل يجب أن يعلمه كيف يتحقق، فيدربه على
السؤال، وفحص المصادر، والموازنة بين الأدلة، والتمييز بين الخبر الصحيح والخبر
الكاذب، وهذا يُنشئ في النفس ملكة نقدية لا تُخدع بسهولة، ولا تتبع كل ناعق.
2- قاعدة التأني وقاية من الندم:
بين الوحي أن
الندم عاقبة التسرع، والندم المذكور في الآية ليس الندم المحمود الذي يدفع إلى
التوبة والإصلاح، بل هو الندم الذي يأتي بعد فوات الأوان، فقد وقعت الإصابة، ولحق
الأذى بالأبرياء، عندها يقف المرء عاجزاً، يرى الخراب الذي صنعته يداه، ولا يملك
إصلاحاً.
لذا، فالمربي
يعلم أن التأني ليس تردداً ولا ضعفاً، بل هو درع واقٍ من ندمٍ لا يُعالج، وأن
العجلة قد تُكسبه سرعة في الفعل ظاهرياً، لكنها تُكسبه بطئاً في الإصلاح، وربما
عجزاً عنه، فمن تأنى ندر ندمه، ومن استعجل كثر ندمه.
3- قاعدة العلم قبل العمل:
الأمر «فَتَبَيَّنُوا»
أمر بالعلم قبل الفعل، والتحقق قبل الإقدام، فالآية لا تمنع من العمل، بل تمنع من
العمل بغير علم، وجعلت الجهل منشأ الظلم؛ (أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ)، وبالتالي فالعلم منشأ
السلامة، وهذا يُؤسس لقاعدة العلم قبل القول والعمل.
فيجب على المربي
أن يؤسس النشء على ألا يقدموا على أمر حتى يعلمونه حق العلم، وألا يستحيوا من
السؤال؛ لأن السؤال عن الجهل علم، والصمت عن الجهل جهل مركب، ويُدربهم على أن
يفرقوا بين ما يعلم وما يظن، فلا يبني على ظن، ولا يتكلم بغير علم.
وهذه القواعد قطرة
من غيث قواعد تُستنبط من هذه الآية، ومن صار عليها وجد أنها علاج ناجح لعدد من
أمراض النفس.
ثالثاً: ما تعالجه الآية من أمراض النفس:
تقتلع الآية
آفات نفسية خطيرة تتسبب في إفساد العلاقات وتدمر البيوت، منها:
1- داء السذاجة
والأذن السّماعة: حيث تعالج الآية السذاجة وميل النفس الفطري إلى استقبال
الشائعات، فالسذاجة تقتل الوعي، وتجعل صاحبها أذناً سمّاعة تلتقط كل ما يُقال،
وتنقاد خلف كل خبر مثير دون تمييز، والآية تقتلع هذا الداء من جذوره، فتُعلم النفس
أن تصدق بعقلها لا بأذنها، وأن تسمع بأذن ناقدة، لا بأذن تمر عليها الشائعات
فتحملها إلى القلب والنفس مباشرة.
2- مرض التسرع:
مرض التسرع عموماً مذموم، وخاصة التسرع في الحكم، فالعجلة في التقييم تُعمي عن
الحقيقة، وتدفع إلى الحكم قبل النظر في الأدلة، فتأتي الآية بفرض التبيّن كبحاً
للانفعال النفسي والعاطفي المباشر، وتمنح العقل فرصة ليستعيد بصيرته للتحليل
الهادئ، والتأمل قبل الحكم، فكم من حكمٍ أُصدر في لحظة غضب، ثم تبين خطؤه بعد فوات
الأوان.
3- داء سوء الظن
بالآخرين: إن سوء الظن مرض خفي يقتل الثقة، ويهدم العلاقات، ويحوّل القلوب إلى
ساحات شكوك لا تنتهي، والأخبار المنقولة غالباً ما تكون وقوداً لهذا الداء، فتُلقي
في النفس بذور الشك، فبينما يدفع سوء الظن صاحبه إلى تصديق كل ما يُقال، تعالج
الآية هذا الداء بـ«فَتَبَيَّنُوا»، فلا يُبنى على الشبهة حكم، ولا يُصدق ظن حتى
يثبت، فيُصان القلب من الشك، وتُحفظ المودة بين المؤمنين.
4- مرض التعصب
والانحياز العاطفي: التعصب يُعمي البصيرة، ويجعل صاحبه يرى الحق في طرفه فقط،
وأحياناً تعاطف الإنسان مع الناقل قد يدفعه لتصديقه دون دليل، أو تكذيبه لمجرد أنه
لا يحبه، فتأتي الآية لتكسر هذا الانحياز، وتضع الحقيقة والتثبت فوق كل عاطفة، فلا
يُصدق أحد لقرابة أو صداقة، ولا يُكذبه لعداوة أو خصومة.
وهكذا يتجلى أن
الآية ليست مجرد توجيه أخلاقي، بل هي منهج عقلي ونفسي وتربوي يحمي الأفراد من
السقوط في فخ التسرع، ويصون المجتمعات والبيئات التربوية من الشقاق والندامة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً