مؤسسات الإغاثة.. من جهود الترقيع إلى التنمية المستدامة
جعل الإسلام من
الإنسان كياناً مُكرَّماً أوكل إليه الخالق أمانة الاستخلاف في الأرض وعمارتها،
وهيأ له كل الأسباب الممكنة التي تمدّه وتساعده في هذه المهمة؛ (اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ
رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ {32} وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) (إبراهيم)، وأعطاه الله أدوات العلم التي هي أهم ما يمكن
الاستفادة منه لعمارة الأرض بأفضل الوسائل والأساليب؛ (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ
أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ
وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: 78).
وبناءً على ذلك،
يلزم أن يتَّخذ أفضل الطرق مساراً، وأعظمها نتيجة، ليكسب أفضل نفْع وأصلحه وأدومه،
ومن هنا كان الحديث عن أهمية «التنمية المستدامة»، التي جاء بها الدين الحنيف بشكل
أفضل وأشمل، وحتى قبل أن تُعرف هذه المصطلحات ويلتفت الناس إلى بعض محتواها،
فالإسلام قد شرَع الزكاة، التي هي النماء والطهارة والبركة، كما شرع الصدقة والإنفاق،
والأوقاف، وغيرها من التشريعات الربانية، ويبقى أن يُحسن المجتمع المسلم
استثمارها، لتتحقَّق الفائدة المرجوة، وينعم المجتمع بها على الدوام.
التنمية المستدامة والعمل الإغاثي
لا يمكن الوصول
إلى تنمية مستدامة حقيقية ما لم تتكامل الأبعاد الثلاثة للتنمية تكاملاً متوازناً
كما يؤكد أهل الاختصاص؛ وهي: البعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والبعد البيئي،
وأي خلل في أحدها ينعكس بصورة مباشرة على الكل، وهذا ما نلاحظه اهتماماً متوازناً
في التشريعات الإسلامية.
وقد عرَّفت
منظمة الأمم المتحدة للأغذية (فاو) التنمية المستدامة بأنها إدارة وحماية قاعدة
الموارد الطبيعية، والتغيير المؤسسي لتحقيق واستمرار وإرضاء الحاجات الإنسانية
للأجيال الحالية والمستقبلية، بطريقة ملائمة من الناحية البيئية ومناسبة من
الناحية الاقتصادية ومقبولة من الناحية الاجتماعية.
كما أنها عملية
مستمرة تعبِّر عن احتياجات المجتمع وتقوم على مبدأ العدالة والمشاركة العامة،
ورشادة استخدام الموارد الطبيعية والمحافظة على حقوق الأجيال المستقبلية، واتخاذ
تحوُّلات هيكلية في الإطار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، والتمكين لآليات
التغيير وضمان استمراره.
ضرورة التحول في فلسفة العمل الإغاثي من سد الحاجة الآنية إلى صناعة الاكتفاء
واليوم، في عالم
تتزايد فيه الأزمات الإنسانية وتتسع رقعة الفقر والحروب، لم يعد العمل الإغاثي
التقليدي كافياً لإحداث التغيير المنشود في واقع الأمة؛ فالمساعدات المؤقتة -على
أهميتها- تعالج آثار الأزمات دون أن تمسَّ جذورها الحقيقية، ومن هنا برزت الحاجة
إلى تحوُّل نوعي في فلسفة مؤسسات الإغاثة؛ يقوم على بناء الإنسان وتنمية
المجتمعات، بخطط كفيلة تُخرِج الفرد والأسرة من دائرة الاحتياج إلى فضاء الاكتفاء
والنهضة.
استمرار العمل
من أعظم
الهدايات النبوية التي تُرسِّخ مفهوم التنمية المستدامة في حياة الفرد والمجتمع
مبدأ الاستمرار في العمل النافع ولو كان قليلاً؛ لأن الأعمال العظيمة والآثار
المباركة تُبنى على الدوام والثبات والتراكم، وقد أرشد النبيُّ صلى الله عليه وسلم
إلى هذا الأصل بقوله: «أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْوَمُها وإنْ قَلَّ» (صحيح
الجامع)، فقيمة العمل ليست بكثرته المؤقتة، وإنما باستمراره وثباته، كما ذكرت
عائشة رضي الله عنها أن «عمل النبي صلى الله عليه وسلم كان ديمَةً» (صحيح مسلم)،
وكانت رضي الله عنها إذا عملت عملاً لزمته وثابرت عليه.
فالديمومة مهمة
في مختلف الأعمال الدعوية والاجتماعية والخيرية والتربوية؛ لأن العمل القليل
المستمر يُحقِّق تراكم الخير، ويُرسخ الأثر، ويُنمي قدرات الأفراد والمجتمعات
بصورة مستدامة تحقق المقصود الشرعي والإنساني معاً.
ويؤكد الهدي
النبوي أهمية تمكين الإنسان القادر من العمل والإنتاج لتحقيق الاكتفاء الدائم
والاستغناء عن السؤال؛ فقد علَّم أحد الصحابة حين اشتكى إليه من الفقر كيف يحوِّل
ما يملك إلى وسيلة عمل وكسب، ثم وجَّهه إلى الاحتطاب والتجارة (أبو داود، وابن
ماجه)، وفي ذلك دلالة واضحة على أن الإسلام يدعو إلى التنمية القائمة على التأهيل
والإنتاج والاستدامة، لا على الاتكال وانتظار المعونات المؤقتة.
بناء المؤسسات التنموية بوصفها صدقة جارية للأمة
بناء المؤسسات
التنموية يُعدُّ من أعظم صور الصدقة الجارية التي يمتد نفعها للأفراد والمجتمعات
والأجيال، لما تحققه من حفظ لمصالح الناس وبناء لقدراتهم واستقرار لأحوالهم، وقد
أدرك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أهمية هذا الأمر حتى قال: «لئِنْ
سلَّمني اللهُ لَأدَعَنَّ أراملَ أهلِ العِراقِ لا يحتَجْنَ إلى أحَدٍ بعدي» (صحيح
ابن حبان).
وقد عرف التاريخ
الإسلامي منذ عصوره الأولى نماذج رائدة في إنشاء المؤسسات النافعة؛ فاهتم المسلمون
ببناء المدارس والمعاهد ودور العلم التي خرَّجت العلماء والمصلحين، كما أنشؤوا
البيمارستانات (المستشفيات) التي قدَّمت العلاج والرعاية للفقراء والمحتاجين،
وأسهمت في حفظ صحة المجتمع وتنمية قدراته، وامتدَّ إلى دعم الحرف والصناعات
والأسواق؛ بما وفَّر فرص العمل والكسب الكريم للناس، ورسَّخ مبدأ الإنتاج
والاعتماد على النفس.
وتُعد إقامة
المصانع والمشروعات الإنتاجية اليوم امتداداً لهذا الفهم الحضاري، لأنها تبني
اقتصاداً قائماً على الإنتاج والاكتفاء والاستدامة، خصوصاً وعندنا في الشريعة
الإسلامية ما يشجع وييسر إقامة هذه المشروعات على أكمل وجه، وذلك بوجود تشريعات
الزكاة والوقف والصدقة والوصايا وغيرها.
تحديات العمل الإغاثي المعاصر في العالم الإسلامي
يواجه العمل
الإغاثي في العالم الإسلامي تحديات عميقة تحدُّ من قدرته على صناعة أثر تنموي
مستدام، إذ ما تزال كثير من الجهود تنحصر في دائرة الإغاثة العاجلة والاستجابة
المؤقتة للأزمات، دون التوجُّه الجاد لمعالجة أسباب الفقر والبطالة وضعف التعليم
والتأهيل، ومع أهمية التدخل السريع في أوقات الكوارث والحروب؛ إلا أن الاقتصار على
المساعدات الموسمية يُبقي المجتمعات في حالة اعتماد دائم على المعونات، ويؤخر
انتقالها إلى مرحلة الاكتفاء والإنتاج.
وفي الوقت الذي
تتجه فيه كثير من المؤسسات العالمية إلى بناء المدارس والمستشفيات ومراكز التدريب
والمشروعات الإنتاجية ذات الأثر الممتد؛ ما يزال جانب من العمل الخيري الإسلامي
يعاني من ضعف التخطيط الإستراتيجي، وغياب الرؤية التنموية بعيدة المدى، والانشغال
بالمشروعات السريعة ذات الحضور الإعلامي الأكبر، كما تُضعف بعض مظاهر القصور
الإداري وسوء الحوكمة والتنافس المؤسسي من كفاءة العمل وأثره الحقيقي، إضافة إلى
ضعف التكامل بين المؤسسات الخيرية والقطاعين الحكومي والاقتصادي؛ ما يؤدي إلى تشتت
الجهود وتكرار المشروعات في بعض المناطق وغيابها عن مناطق أشد حاجة، ولذلك أصبحت
الحاجة ملحَّة إلى إعادة بناء فلسفة العمل الإغاثي الإسلامي على أسس تنموية
مستدامة تُعنى ببناء الإنسان وتمكينه.
رؤية مستقبلية لدَوْر مؤسسات الإغاثة
الأمة اليوم
أحوج ما تكون إلى الانتقال من مفهوم الإغاثة المؤقتة إلى مشروع نهضوي تنموي شامل،
يعيد بناء الإنسان علمياً ومهنياً واقتصادياً، ويُحوِّل المحتاج من متلقٍّ
للمساعدة إلى عنصر منتج قادر على العطاء، ومن المؤلم أن كثيراً من الأُسر تبحث
اليوم لأبنائها عن مراكز تدريب مهني حقيقية تؤهلهم لسوق العمل فلا تكاد تجد، رغم
ما تعانيه المجتمعات من البطالة وضعف المهارات والحاجة إلى الكفاءات التقنية
والحرفية، وهذا يكشف حجم الفجوة بين الاحتياجات الواقعية للمجتمعات وبين طبيعة
كثير من المشروعات الخيرية التقليدية.
وحتى تكون
مؤسسات الإغاثة أدوات بناء نهضة حضارية متكاملة تُعزِّز الاستقرار الاجتماعي
وتُقلِّل الاعتماد على الخارج وتُسهم في صناعة أمة قوية قادرة على النهوض برسالتها
الحضارية والإنسانية؛ نوصي بالآتي:
1- ضرورة
الالتفات الواعي إلى بناء مراكز التنمية والإنتاج والاستثمار فيها.
2- بناء شراكات
حقيقية بين المؤسسات الإغاثية والقطاع الاقتصادي والقطاع الخاص لتمويل المشروعات
الإنتاجية وتوفير فرص العمل.
3- التحوُّل من
ثقافة الإعانة إلى ثقافة التمكين ومنْح المحتاج أدوات الإنتاج.
4- توجيه جزء من
التبرعات والأوقاف إلى مشروعات مستدامة.
5- إطلاق
مبادرات نوعية لصناعة الكفاءات والقيادات المجتمعية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً