رحلة العصف والريحان..

العلَّامة د. صابر عبدالدايم في ركب الخالدين

د. محمود خليل

24 أغسطس 2025

343

حين تذكر الحركة الأدبية الحديثة في مصر والعالم العربي، وتستعرض أسماء الرواد الذين جمعوا بين الشعر والفكر، وبين العلم والوعي، وبين الدعوة والحركة، وبين التأصيل النقدي والتجديد الإبداعي، لا بد أن يطل اسم د. صابر عبدالدايم يونس ببهائه الخاص؛ شاعراً وأكاديمياً ومفكراً، صاغ تجربته في معترك الحياة والثقافة والسياسة، بروح صافية، ولغة رائقة، تستمد ألقها من نور الإسلام ووهج الثورة، ومتانة التراث، وتستجيب في الوقت ذاته لنبض العصر وتحدياته، وما يطاله من تطور وتغير وتجديد، يعتصره بقصيدته المفتاحية التي كان يطيب له أن يعرف بها نفسه:

اسمي: صابر

عمري: سنوات الصبار، جهلت بدايتها

بلدي: مصر.. القرية.. والموال

والمهنة: شاعر

وهواياتي: فك الأحجبة، وهدم الأسوار

والبحث عن الخصب المتواري خلف الأمطار

والتنقيب بصحراء النفس عن الآثار

وقراءة ما خلف الأعين من أسرار

نشأته

ولد د. صابر عبدالدايم يونس بقرية منشية العطارين مركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية في 15 مارس 1948م، وتخرج في كلية اللغة العربية عام 1972م، وحصل على الماجستير في الأدب والنقد عام 1976م، والدكتوراة بمرتبة الشرف الأولى عام 1981م، والأستاذية عام 1990م.

ثم شغل عدة مناصب من رئاسة القسم إلى وكيل الكلية إلى تولي عمادة كلية اللغة العربية جامعة الأزهر فرع الزقازيق من عام 2007 وحتى عام 2013م، إلى عضوية وأمانة اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة بجامعة الأزهر الشريف.

أما عن حراكه الثقافي، فربما لا توجد جمعية أدبية أو ثقافية في مصر لم تشرف بعضوية أو مشاركته، ويأتي في مقدمتها رابطة الأدب الإسلامي العالمية، التي يترأس فرعها بالقاهرة، فيما يتولى رئاسة مكتب البلاد العربية للرابطة، إلى جانب رئاسته لثلاث دورات متتابعة للجنة فروع الاتحاد، باتحاد كتاب جمهورية مصر العربية، كذلك فهو عضو المجلس العلمي العالمي للغة العربية بلبنان، كما يدير صالونه الثقافي الذي أسسه بمحافظة الشرقية بمنزله بالزقازيق منذ عام 1990م، كذلك يترأس صالون يونس الثقافي بالحاكمية بالدقهلية، ويسهم إبداعياً وإدارياً بصالون نهر النيل للأديبة الكبيرة نجلاء محرم بالزقازيق.

الشاعر المبدع

لم يكن عبدالدايم شاعرًا عابرًا، أو صوتًا مكرورًا في جوقة الشعراء، بل كان مبدعًا يملك بصمته الخاصة منذ سنوات طفولته، حيث انطلقت موهبته مبكراً من قلب ريف مصر، فحملت قصائده صدق التجربة وحرارة المعاناة، ورسمت بمدادها ملامح الإنسان المؤمن الذي يحيا بالشعر كما يحيا باليقين.

في دواوينه الأولى مثل «نبضات قلبين» (1969م) الذي أصدره وهو طالب بالسنوات الأولى للجامعة، وقدم له الشاعر الفلسطيني الكبير عز الدين المناصرة، الذي فاز من خلاله بجائزة الشعر على مستوى جامعات جمهورية مصر العربية، و«المسافر في سنبلات الزمن» (1982م)، و«الحلم والسفر والتحول» (1983م)، وحتى آخر دواوينه ومسرحيته الشعرية التي ما زالت مخطوطة، التي لم تنشر بعد «النبوة»، يتبدى الشاعر الذي يرى العالم من خلال وجدانٍ مشدود إلى القيم، يوازن بين لغة الحلم ولغة الواقع، ويجعل من الكلمة شعلة بعث وهداية ومنبر حق وإشراق.

وتحتل منه «الإسلامية» رمزية خاصة بالأمة، في كل شؤونها وشجونها، مثلها مثل مركزية القلب البدن الفتي.

وتتجلي أمجادها وقضاياها في صور أبطالها ووقائعها وتراثها، كالمصطفى صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، إلى صلاح الدين الأيوبي، ومحمد الفاتح، إلى أحمد ياسين، وفتحي الشقاقي.

وله في كل ذلك إبداع ماجد، ونتاج شريف، وفن ماتع جميل.

حلقت به قصائده الماجدة:

- مدائن الفجر.

- أشواق حجازية الإيقاع.

-  الشهيد والسلام الذبيح.

- العهدة العمرية.

- القبو الزجاجي، التي أهداها إلى محمد الفاتح، فاتح القسطنطينية، وقائد الفتوح الإسلامية بالبلقان.

- أين الطريق.

- الجبل.

ومع تطور تجربته في دواوين مثل «المرايا وزهرة النار»، و«العاشق والنهر»، و«مدائن الفجر»، أخذت قصيدته بُعدًا أكثر عمقًا، يجمع بين الرؤية الجمالية والرسالة الفكرية، والتشكيل الفني المتطور، حتى غدا من أبرز أصوات الشعر الإسلامي المعاصر، بكل تكنيك القصيدة من صوت ولون وفكرة وحداثة وحركة.

إن قارئ شعره يلمس تلك المعادلة النادرة؛ شعرٌ لا ينغلق في غنائية ذاتية، ولا يتجمد في خطاب مباشر، بل يتنفس بين هذين الحدين، ليصوغ تجربة إنسانية ذات طابع رسالي، تمتح من معين القرآن والسيرة، وتفيض بالعاطفة الجياشة، وتستوعب إيقاعات العصر، وتحترف الإسقاط الواعي، وتتماهى في الرمزية المقنعة، فيخرج قصيده أكمامًا وأنسامًا وأنغامًا

كما يخرج فكرًا معبئًا قاصفًا، يقول من قصيدته «مدائن الفجر»:

معلق بين تاريخي وأحلامي            وواقعي صخرة، في صدر أيامي

أخطو فيرتد خطوي دون غايته       وما بأفقي سوى أنقاض أنغامي

تناثرت في شعاب الحلم أوردتي       وفي دمائي نمت أشجار أوهامي

مدائن الفجر لم تفتح لقافلتي         والخيل والليل والبيداء قدامي

والسيف والرمح في كفيّ من زمن      لكنني لم أغادر وقع أقدامي

وفي انكسار المرايا حُطّمت سفني      وفي انحراف الزوايا غاب إقدامي

وغبت يا وطناً ضاعت هويته         والأرض تنبئ عن أشلاء أقوام

هذا لسانك مسجون تقيده          مواقف الوهم من زيف وإحجام

أعرتهم منك أذناً غير واعية          فحنطوك وقالوا: الصاعد النامي

وما وعيت سوي أشباح فلسفة      وكنت سهماً بها لم يرمه الرامي

الأكاديمي الراسخ

ولم يقف عطاؤه عند حدود الشعر، بل تسيد البحث الأكاديمي والنقد الأدبي؛ تنظيرًا وتطبيقًا، عبر كتبه الأربعين، وأبحاثه ومقدماته التي تجاوزت الخمسين، والتدريس بجامعات مصر والسعودية وليبيا وعُمان.

مؤكداً أن هذا اللون من الدرس الأدبي ليس شعارًا عاطفيًا ولا انفعالًا وقتيًا، إنما هو بنية فكرية وجمالية متكاملة، تستند إلى رؤية إيمانية للإنسان والكون والحياة، والخير والوعي والجمال.

في كتابه «الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق»، قدّم صابر عبدالدايم صياغة متوازنة لهذا المشروع، إذ قسم عمله إلى شقين؛ معالم التأصيل التي تبحث في الجذور والمفاهيم، وثمار التطبيق التي تعرض لنماذج شعرية ونثرية جسدت الرؤية الإسلامية النوعية في الإمتاع والإبداع.

وقد جمع في هذا العمل بين صرامة الباحث الأكاديمي وحساسية المبدع الشاعر؛ ما أكسبه مكانة بارزة بين نقاد الأدب الإسلامي، الذي يعد أحد أركان مكتبته، إلى جانب الدراسات التأسيسية لأبي الحسن الندوي، ومحمد قطب، وعماد الدين خليل، وعبدالقدوس أبو صالح، وحلمي القاعود، ونجيب الكيلاني، وعبدالباسط بدر، وحسن الأمراني.

كما ألّف دراسات رصينة في مجالات أخرى، مثل «أدب المهجر: دراسة تحليلية تأصيلية»، الذي يمتاز بكونه أول صاحب رسالة جامعية بجامعة الأزهر الشريف، يعتمد الجمع الحي لمادته العلمية من خلال مراسلات الراحل الكبير مع كبار شعراء المهجر الذين أدركهم على قيد الحياة، من أمثال زكي قنصل، ورشيد أيوب، وشفيق المعلوف، وميخائيل نعيمة.

وعلى الدرب نفسه كانت معظم دراساته «الأدب المقارن بين التراث والمعاصرة»، «فن المقالة.. دراسة نظرية ونماذج تطبيقية»، «جماليات النص الأدبي في التراث العربي»، «ديوان الشيخ محمد متولي الشعراوي».

تحقيق وتعليق

«العصف والريحان»، «فنون الأدب المعاصر»، «شعراء وتجارب نحو منهج تكاملي في النقد التطبيقي»، وفيها لم يكن مجرد ناقلٍ أو شارح، بل كان مفكرًا مرتادًا فاتحًا يسعى إلى أن يضع الأدب العربي في إطار عالمي، دون أن يفقد هويته أو أصالته.

حتى دراساته العروضية حول موسيقى الشعر، نجده قد أضاف للدرس العروضي جديدًا ومفيدًا، تعرض له بالدرس الأكاديمي مؤخرًا د. محمد المعصراني، في رسالته للدكتوراة حول التجديد العروضي في العصر الحديث، خاصة في نماذجه التطبيقية لتحليل موسيقى قصائد نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، دون تهيب أو مجاملة. 

المفكر الرسالي

وربما تتجلى عظمة عبدالدايم في كونه لم ينظر إلى الأدب على أنه ترف لغوي أو جمال معزول، بل على أنه رسالة حضارية آمن بها من أول كلمة، إلى أن تجلت التجربة كاملة، في أعلى مستويات نضجها مع ميلاد رابطة الأدب الإسلامي العالمية، التي كان أحد أبرز كبار مؤسسيها الأوائل، صحبة العلّامة الشيخ أبي الحسن الندوي، وعبدالرحمن رأفت الباشا، وعمر بهاء الدين الأميري، ويوسف العظم، ونجيب الكيلاني، وعماد الدين خليل، وعبدالحليم عويس، وحسن الأمراني، ومأمون فريز جرار، وعبدالرحمن العشماوي.. وغيرهم من رموز الأدب الإسلامي العالمي المعاصر.

ليتأكد وسط الواقع الملبد، أن الكلمة قادرة على صناعة وعي الأمة، وأن الشعر والنقد والفكر والإبداع، يجب أن يشكل الطليعة في معركة الهوية ومواجهة التيه الحضاري الكبير الذي تحياه أمتنا.

ومن هنا جاءت قصيدته محمّلة بقضايا الأمة الكبرى: فلسطين، البوسنة، أفغانستان، العراق، وقيم الحرية، العدالة، ومكانة الإنسان.

ولعل هذا المفتتح الشعري المتسائل على رأس قبر محمد الفاتح، يضع أيدينا على إحدى أهم الشفرات الشعرية لهذا المبدع السامق الواعي:

أيها الفاتح، ضيعنا مفاتيح المدائن

ونسينا البحر والموج، وتهليا السفائن

ونسينا الخيل والرمح وأسرار الكمائن

لقد كان مفكراً بقدر ما كان شاعرًا؛ يحمل همّ الأمة، ويكتب بلغةٍ لا تنفصل عن رسالتها.

وحين يتحدث عن الأدب الإسلامي، فإنه لا يتحدث من برجٍ عاجي، بل من واقعٍ خبر أزماته، وسعى أن يقدّم له علاجًا من خلال الأدب والفكر، وكذلك كان في كل ما قدم من إبداع ودرس وبحث، في برامجه المتعددة في الإذاعة والتلفزيون، نموذجا شاهدًا منشودًا، على كل المستويات.

ملامح تجربته

يمكن إجمال أبرز ملامح تجربة د. عبدالدايم في 3 محاور كبرى:

1- اللغة الشعرية: فهي لغة عذبة رائقة، تمزج بين جزالة التراث وطراوة المعاصرة، واستشراف المستقبل وتستثمر طاقات الإيقاع الشعري بما يخدم المعنى والفكرة، ويكتنز الرمز والمضمون.

2- الرؤية الفكرية: المنطلقة من وضوح التصور الإسلامي للوجود والكون والإنسان، والقدرة على ربطه بالمعاناة الفردية والهموم الجماعية، والنزول بالإنسان المعاصر إلى الواقع والآني والمعاش، وتشكيل الحلم في أرض المعركة، وغرس اليقين في أن المستقبل لهذا الدين.

3- التوازن بين الإبداع والنقد: فقلّما اجتمع لشاعر معاصر هذه الفرشة الواسعة لكل أغصان اللغة، بلاغة ونحوًا وصرفًا، وإبداعًا، وتنظيرًا ونقدًا، وأن يكون لصاحبها صوت شعري، غض متدفق، ممدود مؤثر (نوقشت حول أعماله الإبداعية 15 رسالة علمية للماجستير والدكتوراة).

فضلًا عن عشرات الأبحاث النقدية الأكاديمية التي قدمها أعلام الحركة النقدية العربية، د محمد عبدالمطلب، ود. يوسف نوفل، ود. زهران جبر، ود. علي عبدالوهاب مطاوع، ود. أيمن تعيلب، ود. صلاح عدس، ود. خالد فهمي، ود. جابر قميحة، ود. عدنان النحوي، ود. حسن الأمراني، ود. عبدالمنعم يونس، ود. عمر إبراهيم، ود. حلمي القاعود، ود. حسين علي محمد، وكاتب هذه السطور.

وفي الوقت ذاته، يشمخ ناقداً أكاديمياً يؤصّل ويحلّل ويؤسس (وقد شغل عضوية وأمانة لجنة ترقية الأساتذة لمدة 20 عامًا)، كما أسهم بالإشراف والمناقشة على أكثر من 200 رسالة علمية.

أثره ومكانته

لقد ترك د. عبدالدايم إرثًا شعريًا ونقديًا يرسخ حضوره الكبير في الأدب العربي المعاصر، ولا عجب أن تُدرّس معظم أعماله في الجامعات، وأن يُحتفى به في المحافل الأدبية والفكرية، فهو نموذج للمثقف الرسالي الذي جمع بين الإبداع والتأصيل، بين الفن والفكر، بين العلم والدعوة، بين الدرس والحركة.

فكان من أجمل وأثقل الأصوات التي جسّدت بصدق «الرابطة بين الأدب والإيمان»، وأثبتت أن الشعر الإسلامي ليس شعارًا، وإنما تيار حي قادر على مواكبة العصر، ومدافعة كل تساؤلات المستقبل.

كما أن دراساته النقدية أسهمت في بلورة منهج أدبي يستند إلى المرجعية الإسلامية المستنيرة، ويضع الأدب العربي الإسلامي في موقعه الطبيعي ضمن خريطة الحضارة الإنسانية المعاصرة.

وإليه في رحاب الخالدين أقول:

يا صابراً بك غرد الصبار             وإليك تسكن أنجم ومدار

ولديك ألقت بالأعنة خيلنا           وتفجرت بصهيلها الأسرار

وتطاير الشرر المقدس في المدى     ولعدو خيلك، هلل الأنصار

ومداد لحن أزهري المرتجى            وعلى غصونك عششت أطيار

رحمة الله على المسافر في سنبلات الزمن، الهاتف إلى شهيد الحق، على رفات السلام الذبيح، صعودًا إلى سدرة المنتهي.

وبعد مشوار جاهد فيه على كل المستويات، غادرنا إلى دار الحق ليلة الإثنين 24 صفر 1447هـ/ 18 أغسطس 2025م، رحمة الله تعالى وبركاته عليه في السابقين.


كاتب المقال مع د. صابر في منزله بالزقازيق محافظة الشرقية المصرية

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة