‏ أسلمة العلمانية.. جدل الدولة الوطنية من العلم للإيمان

د. عمرو نافع

30 ديسمبر 2025

53

على مدار العقود الماضية، كان هناك صراع بين العلمانية كمفهوم حاكم والدولة القومية في عالمنا العربي، وبين معظم تيارات الإسلام السياسي العاملة في حقل الدعوة، وقد شهدت هذه العلاقة استقطابات كبيرة بين الطرفين في محاولة جذب التيارات الدينية (المؤسسية والأهلية) إلى صف الدولة باعتبارها الدولة الوطنية التي تحمل هوية المجتمع وثقافته، في الوقت نفسه، استُغلت هذه العلاقة لمواجهة الحركات اليسارية والعلمانية الأكثر تطرفًا.

نجحت فكرة استغلال الدولة الوطنية للقوى الدينية لمواجهة اليسار والعلمانية لبعض الوقت، خاصة وأن هناك من المؤرخين من يرى أن اليسار هو لحظة متأخرة عابرة في تاريخ البشرية، كان التاريخ وما زال وسيظل يميني الطابع، سياسةً وثقافةً ودينًا، إنه أقرب إلى الطبيعة البشرية ومساوق لذاكرتها التاريخية، صعود اليمين في الغرب ليس سوى قمة جبل الجليد، وهكذا تظهر التركة اليمينية في كل أمة لتبقى ولو بعد حين.

هناك من يرى أن اليسار هو المحرك واللاعب الأقوى في منظومة السياسة والمعارضة، وينقصه القيم والأخلاق التي تتوفر في التيارات الدينية، وهو الذي يحجم نشاط وفاعلية هذه التيارات، وبالتالي، لن تكون لليسار شعبية أبدًا في الدولة القُطرية الوطنية، لكنه يقوم بدور وظيفي لمواجهة التيارات الدينية لصالح الدولة، المهم ألا يتجاوز أي تيار حجم وظيفته أبدًا، ومن هنا، رفعت بعض الدول شعار «العلم والإيمان» في مواجهة مادية العلمانية وانتهازية اليسار الذي يحمل أجندات خارجية في الغالب ويعمل على تقويض القيم المجتمعية تحت شعار العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات.

أسلمة العلمانية!

برز مفهوم جديد نسبيًا يمكن تسميته بـ«أسلمة العلمانية»؛ وهو مفهوم لا يعني بالضرورة تحويل الدولة العلمانية إلى دولة دينية، ولا يعني العكس بالضرورة، بل يشير إلى عملية إعادة توظيف الدين داخل إطار الدولة الوطنية، بما يخدم الشرعية السياسية والانسجام الاجتماعي والهوية الثقافية، هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة الحديثة، وحدود الفصل بين الدين والسياسة، وإمكانية التوفيق بين العلم والإيمان في سياق الدولة الوطنية.

ظهرت العلمانية في السياق الأوروبي كاستجابة تاريخية لصراعات دينية طويلة، حيث كانت حرب المائة عام والحروب الصليبية دليلًا على الحروب بين المذاهب المسيحية المختلفة وطبيعة احتكار رجال الدين للسلطة والمجتمع، سعت العلمانية إلى تحييد الدين عن السلطة السياسية، وسعت بعض المجتمعات في أوروبا لإقصاء الدين من المجتمع، ومع انتقال نموذج الدولة الوطنية إلى العالم الإسلامي والعالم النامي، تم استيراد العلمانية غالبًا بوصفها نموذجًا جاهزًا، دون مراعاة الخصوصيات الفكرية والثقافية والدينية، ومن هنا، ارتبطت العلمانية في أذهان كثير من المجتمعات غير الغربية بالقطيعة مع الدين أو بمحاولة تهميشه؛ ما ولّد توترًا مستمرًا بين الدولة الوطنية وكثير من التيارات الدينية والمجتمعية.

مع نهاية القرن العشرين، بدأت العديد من الدول الغربية تعيد النظر في هذا النموذج الصدامي، فبدلاً من إقصاء الدين، اتجهت إلى تكييف العلمانية مع المرجعية الدينية السائدة، بحيث تُبقي على مؤسسات الدولة الحديثة، وفي الوقت نفسه تسمح بحضور الدين في المجال العام بصورة منظمة، هنا ظهر مفهوم «أسلمة العلمانية» كمسار وسط، لا يلغي الدولة المدنية ولا يحولها إلى دولة دينية ثيوقراطية، بل يُدخل القيم الدينية في الخطاب السياسي والقانوني دون إعلان قطيعة مع العلمانية الدستورية.

استحضرت بعض الدول نموذج «الدولة المؤمنة»، ورفعت شعار «العلم والإيمان» كنموذج توافقي يتسامح مع بعض القيم العلمانية ويتوافق مع الدين، نتج عن ذلك تعايش كبير بين الطرفين، معتبرين أن القيم الحضارية الغربية السائلة يمكن أن تتعايش مع القيم الإسلامية الحضارية المتطورة، وعليه، أمكن التعامل مع كثير من القيم الحضارية الغربية بمعايير التعايش الكامل مع الواقع المفروض في الدول العربية والإسلامية.

بين العلم والإيمان والوطنية

يطرح هذا التحول سؤالًا فلسفيًا عميقًا: هل العلاقة بين العلم والإيمان علاقة تناقض أم تكامل؟ التجارب المعاصرة تشير إلى أن الصراع ليس حتميًا، فكثير من المنجزات الحضارية الإسلامية تتقبلها الشعوب، وعوامل السعة والمرونة في الإسلام قوية للغاية؛ ما يجعله قابلًا للتفاعل مع هذه القيم، فالعلمانية، حين تُفهم بوصفها إطارًا لإدارة التعدد، يمكن أن تستوعب الإيمان دون أن تخضع له، وفي المقابل، يمكن للدين أن يسهم في ترسيخ القيم الأخلاقية والعدالة الاجتماعية دون أن يتحول إلى أداة إقصاء أو هيمنة من رجال الدين.

الحقيقة أن رفع شعار العلمانية في كثير من الدول العربية يخيف العامة والمتدينين، وظلت العلمانية إما غائبة أو مطبقة بشكل جزئي، وغالبًا ما استُخدمت كأداة للسلطة لا كمبدأ تنظيمي، ومع تصاعد الحركات الإسلامية، لجأت بعض الأنظمة إلى استيعاب الخطاب الديني ضمن بنيتها السياسية، دون التخلي عن الطابع المدني للدولة، جاء هذا الشكل من «أسلمة العلمانية» بدافع البحث عن شرعية اجتماعية، خصوصًا في مجتمعات يشكل الدين فيها عنصرًا مركزيًا في الوعي الجمعي.

تركيا وماليزيا.. من العلمانية الصلبة إلى الجزئية

إذا أخذنا على سبيل المثال التجربتين التركية والماليزية، نجد أن تركيا من أبرز النماذج الدالة على هذا التحول، فقد تأسست الجمهورية التركية على علمانية صارمة فرضها مصطفى كمال أتاتورك، وصلت إلى حد التضييق على الرموز الدينية، غير أن وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم مثّل نقطة تحول؛ إذ أعاد الاعتبار للهوية الإسلامية في المجال العام، دون إلغاء الأسس العلمانية للدولة، فالدستور بقي علمانيًا، لكن الخطاب السياسي استوعب الدين بوصفه عنصرًا ثقافيًا وأخلاقيًا داعمًا للشرعية الشعبية، هذه التجربة توضح كيف يمكن للدين أن يعمل داخل الإطار العلماني بدلًا من أن يكون في مواجهته.

كما تقدم ماليزيا نموذجًا مختلفًا لكنه لا يقل دلالة عن التجربة التركية، فالدولة تعتمد نظامًا مدنيًا حديثًا، وتشارك في الاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت نفسه تمنح الإسلام موقعًا مركزيًا في الهوية الوطنية والتشريعية، لم تُلغِ ماليزيا العلمانية كليًا، ولم تتخلَّ تركيا عن قيم الغرب الحضارية، لكنها أعادت تعريفها بما يسمح للدين بأن يكون مصدرًا للقيم العامة والسياسات الاجتماعية، هذا التوازن ساعد على تحقيق استقرار نسبي، وأثبت أن حضور الدين لا يتعارض بالضرورة مع التنمية أو التعددية والقيم الليبرالية ومحددات الديمقراطية الغربية.

رغم ما تحمله أسلمة العلمانية من فرص، فإنها ليست خالية من الأخطار، فالتوظيف السياسي للدين قد يؤدي إلى تمييز بين المواطنين، أو إلى تقويض مبدأ الحياد الذي يفترض أن تلتزم به الدولة العلمانية، رغم أن هذا التوظيف في الفقه الإسلامي غير شرعي بالمرة، فحقوق الأقليات والأيديولوجيات المختلفة يحفظها الفقه الإسلامي بشكل كبير، كما أن غموض الحدود بين الدين والسياسة قد يفتح الباب لصراعات جديدة حول من يملك حق تمثيل «الإيمان الصحيح»، وهو ما يوظفه أهل الغلو، لذلك، يظل نجاح هذا النموذج مرهونًا بوجود مؤسسات قوية، ودستور واضح، وضمانات للحريات الفردية.

إن أسلمة العلمانية ليست ظاهرة عابرة، بل هي تعبير عن تحولات عميقة في فهم الدولة الوطنية لوظيفتها وهويتها، فهي محاولة لإعادة التوازن بين متطلبات الحداثة وعمق الانتماء الديني في المجتمعات المسلمة، وبين العلم بوصفه منهجًا عقلانيًا، والإيمان بوصفه قوة ثقافية وأخلاقية.

تثبت تجارب الدول المختلفة أن العلاقة بين العلمانية والدين ليست ثابتة، بل قابلة لإعادة الصياغة وفق السياق التاريخي والاجتماعي، وفي عالم يتزايد فيه البحث عن المعنى والهوية، قد تكون هذه الصيغة التفاوضية أحد المسارات الممكنة لبناء دولة حديثة لا تنكر جذورها، ولا تتخلى عن قيمها المدنية.



اقرأ أيضاً:

كيف تغدو أسلمة الثقافة ممكنة؟

فرص الأسلمة في الدولة الحديثة

علمنة الإسلام.. أكبر من الطلاء السياسي للعلمانية

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة