8 ملامح للسياسة الشرعية في «خطبة الوداع»

8 ملامح للسياسة الشرعية في «خطبة الوداع»

خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس في يوم عرفة، في العام العاشر للهجرة النبوية، على ناقته ببطن الوادي، وقال: «إن دماءكم وأموالكم ‌حَرَامٌ ‌عَلَيْكُمْ، ‌كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا، رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِة اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟».

قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ! اشْهَدِ اللَّهُمَّ! اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ(1).

تشتمل هذه الخطبة على تأصيل وتوضيح لكثير من ملامح السياسة الشرعية للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث جسّد النبي صلى الله عليه وسلم من خلالها المبادئ الحاكمة لشؤون الأمة، وأرسى قواعد العدل، وبيّن أسس إدارة المجتمع والدولة، ويتبين ذلك فيما يأتي:

1- إرساء مبدأ حماية حقوق الإنسان:

أكد النبي صلى الله عليه وسلم مبادئ حقوق الإنسان في خطبة الوداع، وجعلها غير قابلة للانتهاك، وهي قاعدة تقوم عليها العدالة الاجتماعية والسياسية في الإسلام، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»، وفي هذا تأكيد على حرمة الدماء والأموال والأعراض، وهي القواعد التي تتأسس عليها حقوق الإنسان.

2- إعلان المساواة بين الناس:

يظهر الملمح السياسي الثاني في خطبة الوداع من خلال حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال إعلان المساواة بين الناس، بإلغاء الجاهليات، المتمثلة في الامتيازات القَبَلية والعرقية والطبقية، وتأسيس مجتمع يقوم على العدل والمساواة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ».

3- إقرار قواعد الاقتصاد الإسلامي:

حرص النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرر في خطبة الوداع قواعد الاقتصاد الإسلامي، من خلال التأكيد على مبدأ تطهير الاقتصاد من الاستغلال والربا، وحماية الفقراء والضعفاء من ظلم الأغنياء، وتوجيه السياسة الاقتصادية إلى التكافل والعدل، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا، رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ».

4- ضمان حقوق المرأة:

أولى النبي صلى الله عليه وسلم حقوق المرأة اهتماماً كبيراً في خطبة الوداع، فضمن لها هذه الحقوق، ودعا إلى صيانتها، حيث أكد كرامة المرأة، وحث على حمايتها، وأثبت مسؤولية الرجل في رعاية الأسرة، حرصاً على بناء الأسرة المتماسكة.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِة اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ.، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف».

5- التأكيد على وحدة الأمة:

أسس النبي صلى الله عليه وسلم للوحدة الجامعة بين أبناء الأمة الإسلامية، من خلال خطبة الوداع، حيث قام بترسيخ الهوية الجامعة للأمة، وإلغاء التمييز العنصري فيها، ودعا إلى تأسيس مبدأ المواطنة الدينية التي تقوم على العقيدة والقيم لا على العِرق أو القومية، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى».

6- تحديد مرجعية السياسة في الإسلام:

أوضح النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع المرجعية السياسية الشرعية، حيث ربطها بالوحي الإلهي، وجعل القرآن المصدر الأعلى في التشريع والتوجيه السياسي والاجتماعي، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتاب الله».

7- المسؤولية الجماعية والبلاغ العام:

حرص النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع على تحميل الأمة مسؤولية تبليغ الدين، وممارسة الرقابة على الحكّام، وترسيخ مبدأ الشورى، والمساءلة، والشفافية في إدارة الشأن العام، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللَّهُمَّ! اشْهَدِ اللَّهُمَّ! اشْهَدْ»، وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: «فليبلغ الشاهد الغائب».

8- التخطيط لانتقال القيادة بعد النبي:

رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعيّن خليفة صراحة، فإن خطبته في حجة الوداع أعدّت الأمة نفسيًّا وسياسيًّا لمرحلة ما بعده، حيث رسّخ المبادئ التي يجب أن تُدار بها الدولة؛ ما جعل الصحابة قادرين على إدارة شؤون الأمة بعد وفاته، كما أنه ألمح إلى ذلك في قوله: «أيُّها الناسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي فإني لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَلْقَاكُمْ بعدَ يومِي هذا في هذا المَوْقِفِ».





__________________

(1) انظر: إمتاع الأسماع للمقريزي، (2/ 112)، وانظر: صحيح مسلم، رقم: (1218).

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة