أبٌ عن بُعد.. التحديات والضوابط
تعدُّ الأسرة النواة
الرئيسة في المجتمع، والأب هو شخصيتها المحورية، المؤثرة على جميع أفرادها، خصوصًا
الأبناء، كداعم ماديٍّ، ومصدر أمان، ونموذج يُحتذى به، وله الدور الأكبر في
تنشئهم، وتأهيلهم نفسيًّا وسلوكيًّا، وتطوير ثقتهم بأنفسهم.
وغياب الأب يخلق
–لا شك- فراغًا كبيرًا في حياة الأبناء، سواء أكان هذا الغياب ماديًّا بسبب الوفاة
أو انفصال الزوجين، أو معنويًّا بالانشغال عنهم، ومما طرأ في هذا الزمن ويشكّل
ظاهرة غربة الأب للعمل في الخارج، مدفوعًا بالحاجة إلى لقمة العيش وتأمين مستقبل
أبنائه، وغالبًا يطول هذا الغياب، وتتسع من ثم المسافات بين الأب وأبنائه، ليس
جغرافيًّا فقط، بل عاطفيًّا ونفسيًّا كذلك، فيصير أبًا عن بُعد.
قصص وحكايا مؤلمة
تزخر وسائل
التواصل الاجتماعي بقصص مؤلمة لأسر غاب عائلها للعمل في الخارج، منها مشكلات تتعلق
بالزوجة والأولاد، وحتى بالزوج نفسه، الذي يعاني من قسوة الابتعاد الجسدي عن
أسرته، يرافقه ألم نفسي أشد قسوة، تشكو إحدى الزوجات من غياب زوجها لسبع سنوات
متتالية، تقول: إنها صارت طوالها الأب والأم في آن واحد، تتحمل مسؤولية البيت
والقرارات، والأولاد، والخوف والوحدة، تقول: المال قد يصل، لكنّ حضور الأب لا
يُرسَل في حوالة، أحتاج زوجي يسمعني، لا أريد بيتًا أكبر ولا أثاثًا أفضل، أريده
بجانبي.
ويشكو مراهق لأب
مغترب من افتقاد والده بجانبه، فيعترف بأنه يراه كثيرًا على شاشة الهاتف، لكنه
يفتقده عندما يحتاج نصيحته، وقد كبر الفتى –كما يقول- دون أن يعلّمه أبوه كيف يكون
رجلًا، وتشكو ابنة شابة من غياب أبيها المسافر بقولها: أبي مسافر منذ طفولتي، لم
يحضر أول يوم مدرسة، ولا حفلة تخرّج، ولا لحظة خوف، يقولون: أبوك يعمل من أجلك،
لكنني أحتاجه معي، لا من أجلي فقط.
آثار نفسية وعاطفية
بينما ينجح الأب
في تأمين متطلبات الحياة المادية لأسرته من بعيد، تظل المسافة الجغرافية حاضرةً
بثقلها النفسي والعاطفي داخل البيت؛ حيث يكبر الأبناء وهم يفتقدون حضوره اليومي،
وتتحمل الأم أعباء مزدوجة، وينعكس كل ذلك على توازن الأسرة واستقرارها النفسي، ومن
أبرز الآثار النفسية والعاطفية لهجرة الأب:
1- يفتقد
الأبناء بغياب الأب السند والأمان، ويتولّد لديهم شعور بالوحدة والإهمال، ويعانون
مستقبلًا من الصعوبة في تكوين علاقات صحية ومستقرة، ويكونون عُرضة للإصابة
بالاكتئاب والقلق.
2- ويشعر
الأبناء بالحرمان العاطفي، خصوصًا الأطفال في سنوات الطفولة المبكرة، الذين يصبحون
أكثر تعلقًا بالأم، بينما ينسحب آخرون إلى عالمهم الداخلي طلبًا للحماية.
3- وهذا الحرمان
يؤثر –بلا شك- على نمو الطفل، وعلى ثقافته وشخصيته، وعلى تحصيله الدراسي، ويؤثر
على استقلاله وثقته بنفسه.
4- وربما يعاني
الأولاد من نوبات غضب شديدة، أو يجدون صعوبة في تحديد هُويتهم الذكورية، أو يبحثون
عن نماذج بديلة قد لا تكون إيجابية.
5- بالنسبة
للفتيات: وجود الأب في حياة الفتاة يعمّق شعورها بدورها الأنثوي، ويدعّم تقبلها
لذاتها وتحقيق التوافق النفسي والاجتماعي، وقد يؤدي غيابه إلى صعوبة فهم طبيعة
العلاقة مع الرجل، وبسبب ذلك ربما دخلت الفتاة في علاقات غير صحية.
6- في الأسر
التي يغيب فيها الأب لفترات طويلة، تزداد الجفوة بين الزوجين، حتى تشعر الزوجة
–أحيانًا- بأن زوجها رجل أجنبي (كمثل التي تسرع بارتداء الخمار أمام زوجها وقت
تمضية إجازته السنوية مع أسرته)، كما يُتوقع إصابة الأم باضطراب انفعالي.
آثار تربوية وسلوكية
ومع مرور الوقت، تتراكم آثار تربوية وسلوكية لغربة الأب، تترك بصماتها على أفراد الأسرة، منها:
1- خلل في
منظومة التوجيه والضبط داخل الأسرة؛ حيث يفتقد الأبناء المتابعة والنموذج الحي،
بعد إلقاء المهمة على عاتق الأم، التي غالبًا ما تتذبذب أساليبها التربوية بين
الشدة المفرطة أو التساهل الزائد؛ ما يربك الأبناء ويجعلهم غير قادرين على استيعاب
القواعد بشكل ثابت.
2- وعليه؛ تتأثر
عملية غرس القيم والمسؤولية في نفوس الأبناء، واحتمالية ظهور أنماط من السلوك
التعويضي، مثل التمرد والسلوكيات المزعجة، أو الانطواء والانسحاب.
3- ولطول فترة
غيابه عن أبنائه وشعوره بالذنب تجاههم، يحاول الأب تعويضهم بالتدليل الزائد،
وإغداق المال عليهم، أو بالهدايا المادية، وهذا ما يعرّضهم للوقوع في مفاسد لا
تُحتمل.
آثار اجتماعية
تأتي هجرة الأب
للعمل كأحد أهم أسباب التفكك الأسري، وما ينتج عنه من مشكلات مجتمعية مدمرة،
فتوفير المال والمتطلبات المادية لا يعوّض أبدًا غياب الأب، يحتاج الأبناء إلى أب
يقاسمهم الحياة، لا مجرد بنك أموال، إنهم يحتاجونه مقيمًا معهم، ملتصقًا بهم، لا
زائرًا يطل عليهم مرة كل عام أو عامين، في كثير من الحالات أدى غياب الأب إلى
اضطرابات سلوكية وجنوح لدى الأبناء، خصوصًا مع وجود عوامل مؤثرة مثل الإنترنت
والمواقع الإلكترونية المشبوهة.
وبالنسبة
للأمهات، ففي غياب الأب يتعرض معظمهن لضغوط نفسية واقتصادية كبيرة، ويعانين من
ذئاب المجتمع المتربصين بهن، ولهذا أثره السيئ على نفسيتها وسلوكها، إذا أخذنا في
الاعتبار ضعفها وقلة حيلتها، هذا إن لم تفتح باب التدخل في أمور بيتها أمام
الأقارب والجيران؛ ما يزعزع صورة الأب في ذهن زوجته وأبنائه، هذا الأب الذي لن
يسلم أيضًا من فقدان دوره إن عاد إلى بيته يومًا، وقد اعتاد الجميع على العيش
وممارسة حياتهم من دونه.
ضوابط وحلول
كما أسلفنا، فإن
لسفر الأب للعمل تداعيات كبيرة على الأسرة، وفهم هذه التداعيات الخطوة الأولى لوضع
الضوابط، وتخفيف آثار الغربة، وتمكين الأسرة من العيش باستقرار، ومن هذه الضوابط:
1- التواصل
الذكي من جانب الأب: بمعنى المشاركة العاطفية والتربوية، لإلغاء الغياب الجغرافي
قدر الإمكان، وأن يكون حاضرًا في حياة أسرته بطريقة مؤثرة ومستدامة، والأهم: البحث
عن فرص بديلة داخل الوطن، تسمح بلم شمل أسرته من جديد، هذا إن كانت هناك صعوبة في
اصطحابهم معه.
2- دعم الأم
بشكل قوي ومتوازن ممن حولها: كي تكون على قدر من الكفاءة يؤهلها لتحمّل الأعباء
الملقاة عليها؛ لتعويض جزء من غياب الأب، وتوفير ما يحتاجه الأبناء من حب ورعاية.
3- وجود بدائل
للأب: من خلال العائلة الممتدة، كالأجداد والأعمام والأخوال، للقيام بدور إيجابي
وضابط للأبناء.
4- دعم مؤسسات
الدولة لأسر العاملين بالخارج: للحد من الضغط على الأسرة، وتوفير شبكة أمان
اجتماعية لتقليل أثر الغربة.
5- توفير برامج
دعم نفسي وإرشاد أسري: للأمهات والأبناء؛ للتكيف مع غياب الأب، وتعزيز مهارات
التواصل العاطفي، ويمكن أن يتلقى الأب دعمًا مماثلًا لتقليل الأثر السلبي لغيابه
على العلاقة الأسرية.
اقرأ
أيضاً:
غياب الزوج عن
الأسرة.. الآثار والحلول
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً