الحاخامية ترفض و«التيار الخلاصي» يشجع.. الخلاف الديني بين اليهود حول دخول «الأقصى» والصلاة فيه

محمد جمال عرفة

14 أكتوبر 2026

45

مجموعة من المتدينين اليهود يرتدون شالات الصلاة ويحملون كتباً دينية

في كل عيد يهودي، كما يحدث حاليًا في أعياد «الغفران» و«العرش»، يتجدد الخلاف بين اليهود الصهاينة حول شرعية أو حرمة الصلاة في ساحة المسجد الأقصى، وبينما ترفض الحاخامية «الإسرائيلية» العليا السماح بالصلاة هناك، يؤيد التيار اليميني المتطرف، الذي يُطلق عليه «التيار الخلاصي»، الصلاة في ساحة الأقصى، ويقتحمها بالمئات، ويؤدون فيها ما يُعرف بصلاة «الانبطاح»، من خلال فرش أجسامهم بالكامل على بلاط «الأقصى».

والخلاف الديني الحقيقي بين يهود «إسرائيل» يتجاوز مسألة الصلاة إلى سؤالَي «الهيكل» و«الخلاص»، إذ تعتبر الحاخامية الرسمية أن اليهود، باعتبارهم في حالة نجاسة، لا بد أن يتطهروا أولًا قبل دخولهم ساحة المسجد الأقصى، التي تزعم أن أسفلها يقع «هيكل سليمان».

وترى الحاخامية ضرورة الانتظار لحين ظهور «البقرة الحمراء»، ثم حرقها والتطهر برمادها، وتعتبر أن هناك مخاوف من أن يطأ اليهود الذين يدخلون «الأقصى» بأقدامهم «قدس الأقداس»؛ أي مكان «الهيكل»؛ لذا تطالب بعدم دخوله الآن، والوقوف خارجه فقط للصلاة. وبسبب ذلك، أغلقت شرطة الاحتلال قرابة 100 محل تجاري أمام «الأقصى» كي يصلي فيه هؤلاء المتطرفون، خارج ساحة المسجد.

بالمقابل، يرى «التيار الخلاصي»، الذي يضم تيارات كهانية متطرفة، ضرورة استعجال مشيئة الله، وعدم انتظارها، والتعجيل بالبحث عن بقرة حمراء، أو ذبح قرابين عادية داخل المسجد، وبدء طقوس «الخلاص» والتطهر والسيطرة على المسجد وبناء «الهيكل».

قصة الخلاف

تنقسم الصهيونية الدينية إلى فريقين في تناول مسألة الخلاص؛ أي نهاية العالم ونزول المسيح أو «المشياخ» المخلّص؛ ففريق يرى أن الخلاص بيد الرب وحده، ولا يمكن التأثير عليه بشريًا، وإنما يمكن الاستدلال على قربه أو بعده بمدى الالتزام بتعاليم الدين.

وهذا الموقف من جانب هذا الفريق، الذي يمثل اليهودية رسميًا، ثابت منذ احتلال «إسرائيل» القدس عام 1967م، والسيطرة على المسجد الأقصى؛ فقد وقع حينها عشرات كبار الفقهاء اليهود على فتوى تحظر دخول اليهود إلى «جبل الهيكل»، وأصبحت هذه الفتوى جزءًا من الموقف التاريخي للحاخامية الرئيسة.

وتكرر الحاخامية إعلان هذا الموقف، بل وتعلّق لافتة قرب «الأقصى» تتضمن تحذيرًا من دخوله والصلاة فيه، وفي مايو 2026م، أصدر الحاخام الأكبر الأشكنازي كلمان بير وثيقة من 19 صفحة، أكد فيها أن الصعود إلى «جبل الهيكل» والانحناء فيه ممنوعان بشدة، مشددًا على أن الحظر يشمل الموقع بأكمله، وليس فقط منطقة مسجد قبة الصخرة، وحذر تحديدًا من ظاهرة قيام مجموعات يهودية بالصلاة والانحناء داخل الحرم.

بالمقابل، هناك فريق يُسمى «الثوريين» أو «الإصلاحيين»، يريد تسريع أو استجلاب الخلاص من خلال الفعل البشري وعدم انتظار إرادة الرب، وهؤلاء هم غالبية صهاينة التيار الحالي الذي يقوده وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ونظيره وزير المالية وأمن المستوطنات بتسلئيل سموتريتش.

ويتبنى هذا التيار الخلاصي الحريدي الصهيوني الأخير، سياسيًا، فكرة بناء «الهيكل» على أنقاض «الأقصى»، وعدم انتظار ما يراه بعض الحاخامات قدوم المسيح المخلص وتوبة اليهود.

ويقول الباحث إياد البرغوثي، في تقرير بموقع «متراس» في 11 أكتوبر 2018م: إن فكرة «الخلاص» ركن أساسي من أركان العقيدة اليهودية ومن الفرائض، مثل الصلاة، وهي مرتبطة أساسًا بانتظار مجيء المسيح والإيمان بهذا المجيء.

ويشير إلى أن فكرة «الخلاص» ارتبطت بالشتات، باعتباره عقابًا على الخطايا، وأن الله سيخلّص اليهود من الشتات في المستقبل المجهول، لكن عليهم أن يتوبوا أولًا عن الخطايا، وأن يؤدوا كل الفرائض الدينية كي يجيء المسيح ويخلّصهم من الشتات، وفق معتقداتهم.

ويشير إلى أنه بسبب فكرة أن الشتات لن ينتهي قبل مجيء المسيح، ترفض جماعات دينية يهودية حريدية تأسيس «إسرائيل» أو تجمع اليهود بها، وترى أنها غير شرعية قبل مجيء المسيح، ولهذا لا تُصنّف هذه الجماعات الدينية اليهودية «صهيونية»، وهو ما يفسر وجود يهود لا يؤمنون بـ«إسرائيل» ويعارضونها.

تحول خطير

وبدأت قضية تسريع إقامة «الهيكل» واقتحام «الأقصى» تكتسب أهمية خاصة في عام 2026م، بعدما اتخذت السلطات «الإسرائيلية» خطوات متدرجة سمحت لليهود بإدخال «أوراق صلاة» إلى ساحة المسجد، ثم سُمح في أغسطس 2026م، لرجال يهود بإدخال كتب الصلاة، ومحاولة تهريب قرابين لذبحها داخل الساحة، وتسريع عملية تطهير اليهود وبدء بناء «الهيكل» على أنقاض المسجد، بدلًا من انتظار «البقرة الحمراء».

والمفارقة الأساسية أن الاعتراض الأقوى على الصلاة اليهودية في الحرم القدسي يأتي من داخل المؤسسة الدينية اليهودية نفسها، فالحاخامية الرئيسة في «إسرائيل» حافظت تاريخيًا على موقف يعتبر دخول اليهود إلى «جبل الهيكل» محظورًا وفق الشريعة اليهودية، وليس فقط لأن الصلاة فيه ممنوعة بموجب الترتيبات السياسية القائمة منذ عام 1967م.

ويستند هذا الموقف إلى مفهوم الطهارة الطقسية؛ فوفق الشريعة اليهودية، فإن غالبية اليهود اليوم يُعتبرون في حالة «نجاسة الموت» بسبب الاتصال بشخص ميت أو أشياء مرتبطة به.

وكان التخلص من هذه الحالة في العصور القديمة يتطلب استخدام ماء التطهير المخلوط برماد البقرة الحمراء، قبل السماح بالدخول إلى المناطق الأشد قداسة في محيط «الهيكل».

لكن المشكلة لا تتوقف عند الطهارة؛ فموقع «الهيكل» القديم وحدوده الدقيقة داخل مساحة الحرم الحالية محل خلاف تاريخي وديني، ولذلك تخشى الحاخامية أن يدخل اليهود، حتى إذا اعتقدوا أنهم في منطقة مسموح بدخولها، إلى منطقة كانت جزءًا من أكثر أجزاء «الهيكل» قداسة، وهو ما قد يمثل، وفق التفسير الحاخامي التقليدي، انتهاكًا خطيرًا للشريعة، ولهذا اختارت الحاخامية نهج المنع الشامل بدلًا من المجازفة بتحديد المناطق المسموح بها.

ولا يعني موقف الحاخامية الرئيسة وجود إجماع يهودي مطلق؛ فمنذ عقود، ظهر داخل التيار الديني الصهيوني حاخامات يرون أن بعض أجزاء «جبل الهيكل» يمكن دخولها، شريطة الالتزام بقواعد الطهارة والابتعاد عن المناطق التي يُعتقد أنها كانت تضم «قدس الأقداس».

وتستند هذه الجماعات إلى قراءات مختلفة للمصادر الدينية ولحدود «جبل الهيكل» القديم، وترى أن المنع الشامل يحرم اليهود من ممارسة صلتهم بأقدس موقع في ديانتهم.

والخطورة، بالنسبة لفريق «التيار الخلاصي» وجماعات «جبل الهيكل»، ليست الصلاة في حد ذاتها، وإنما باعتبارها جزءًا من مشروع ديني أوسع يرتبط بإعادة بناء «الهيكل» اليهودي، ومن ثم تهديد وجود المسجد الأقصى باعتباره عقبة أمام بناء «الهيكل».

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة