أم أيمن بركة الحبشية.. الحاضنة الحانية والظل الممدود في حياة النبي ﷺ
تتزاحم في
السيرة النبوية المطهرة أسماء شخصيات عظيمة، كان لها بالغ الأثر في رعاية ونشأة
خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن أبرز هذه
الشخصيات وأعظمها مكانة أمُّ أيمن بركة الحبشية، فلم تكن مجرد حاضنة أو مربية
تقليدية، بل كانت رمزاً للوفاء، ونافذة من نوافذ الحنان والأمومة البديلة التي
عوضت النبي صلى الله عليه وسلم عطف أمه آمنة بنت وهب وحنان أبيه عبدالله في سن
مبكرة.
شهادة نبوية.. أم أيمن أمي بعد أمي
كان صلى الله
عليه وسلم ممتناً لكل ما قدمت من تضحيات ورعاية له، لم تقتصر علاقة أم أيمن بالنبي
صلى الله عليه وسلم على مرحلة الطفولة والشباب فحسب، بل رافقته في مراحل دعوته.
هذه السيدة
الجليلة هي بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان،
الحبشية الأصل، وكُنِيت بأم أيمن نسبة إلى ابنها الأول أيمن، وهي الكنية التي غلبت
عليها في الآثار وبها عُرِفت، كما كُنِيت في مرويات أخرى بأم الظباء، وكذلك بـأم
أسامة بن زيد، ودُعِيت بـأمة الله، وعُرِفت بألقابها الشريفة مولاة رسول الله صلى
الله عليه وسلم وخادمته، وحاضنته؛ فكانت وصيفة لوالد النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله
بن عبدالمطلب، فلما توفي انتقلت ملكيتها أو حق الانتفاع بها إلى زوجه السيدة آمنة
بنت وهب لتستعين بها.
ومع بزوغ فجر
المرحلة الزوجية للنبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها،
بادر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عتقها إعزازًا لحق الحضانة والتربية، وقد كانت
أم أيمن من السباقات إلى الدخول في الإسلام فقيل: أسلمت مباشرة بعد السيدة خديجة.
جاء في «الطبقات
الكبرى» لابن سعد ما روي عن سفيان بن عيينة، قوله صلى الله عليه وسلم: «مَن سَرَّه
أنْ يَتزوَّجَ امرأةً مِن أهلِ الجنَّةِ، فليَتزوَّجْ أُمَّ أيْمنَ»، وقد تزوجت بالصحابي
زيد بن حارثة رضي الله عنه الذي أصابه السبي قديمًا فاشتراه صلى الله عليه وسلم
وأعتقه وتبناه، لتثمر هذه الحياة الاجتماعية عن جيل من الفرسان؛ حيث أنجبت له
القائد أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
رحلة أم أيمن وهجرتها
هاجرت أم أيمن إلى
المدينة المنورة في الركب الذي سيّره زيد بن حارثة، وأبو رافع، بأمرٍ نبويٍ لحمل
آل بيت النبوة بعد استقرار النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة؛ حيث تروي أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها تفاصيل الرحلة قائلةً: لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَلَّفَنَا وَخَلَّفَ بَنَاتِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ
بِالْمَدِينَةِ بَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَبَعَثَ مَعَهُ أَبَا رَافِعٍ
مَوْلَاهُ، وَأَعْطَاهُمَا بَعِيرَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَخَرَجَ زَيْدٌ،
وَأَبُو رَافِعٍ، بِفَاطِمَةَ، وَأُمِّ كُلْثُومٍ، وَسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ،
وَحَمَلَ زَيْدٌ أُمَّ أيمن وَوَلَدَهَا أَيْمَنَ، وَأُسَامَةَ.
يقول ابن سيرين،
في وصفه لهجرتها: قال: خَرَجَتْ أُمُّ أيمن رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مُهَاجِرَةً
إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهِيَ
مَاشِيَةٌ لَيْسَ مَعَهَا زَادٌ، وَهِيَ صَائِمَةٌ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ،
فَأَصَابَهَا عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتَّى كَادَتْ تَمُوتُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ،
قَالَتْ: فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ إِذَا أَنَا بِخَفِيقِ شَيْءٍ فَوْقَ
رَأْسِي، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذْ أَنَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ بِرِشَاءٍ
أَبْيَضَ، فَدَنَا مِنِّي حَتَّى إِذَا كَانَ مِنِّي حَيْثُ أَسَتَمْكِنُ
تَنَاوَلْتُهُ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى رَوِيتُ، لَقَدْ كُنْتُ أَصُومُ بَعْدَ
ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ ثُمَّ أَطُوفُ فِي الشَّمْسِ كَيْ أَعْطَشَ فَمَا
عَطِشْتُ بَعْدَهَاِ، وفي رواية: حتى ماتت.
ملاطفة النبي لأم أيمن
روى البخاري في
صحيحه عن أنس قال: إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
النَّخَلَاتِ مِنْ أَرْضِهِ حَتَّى فُتِحَتْ عَلَيْهِ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ،
فَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا كَانَ أَعْطَاهُ.
قَالَ أَنَسٌ:
وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
فَأَسْأَلَهُ مَا كَانَ أَعْطَاهُ أَوْ بَعْضَهُ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله
عليه وسلم فَأَعْطَانِيهِنَّ، فَجَاءَتْ أُمُّ أيمن فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ فِي
عُنُقِي وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا يُعْطِيكَهُنَّ وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ.
قَالَ نَبِيُّ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا أُمَّ أَيْمَنَ، اتْرُكِي وَلَكِ كَذَا
وَكَذَا»، فَتَقُولُ: كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، حَتَّى أَعْطَاهَا
عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ عَشَرَةِ أَمْثَالِهِ.
وكان النبي صلى
الله عليه وسلم يأذن لها بتنظيم تفاصيل الشأن الأسري لآل البيت؛ من ذلك ما ورد في
زفاف السيدة فاطمة رضي الله عنها من علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
تروي أسماء بنت
عميس تفاصيل دخول النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة العرس وضربه الباب، فقالت له أم
أيمن مداعبة بدلال الحاضنة: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هُوَ أَخُوكَ وَزَوَّجْتَهُ
ابْنَتَكَ -تقصد عليًّا في المؤاخاة- فقال متبسمًا: «إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ يَا
أُمَّ أَيْمَنَ»، فجاء عليّ فدعا له، ثم دعا بفاطمة فجاءت خرقة من الحياء فدعا
لها، وقال لها: «أَمَا إِنِّي لَمْ آلُكِ، أَنْكَحْتُكِ أَحَبَّ أَهْلِي إِلَيَّ».
أم أيمن وتحمّل الصعاب
في المدينة
المنورة استمرت أم أيمن في أداء دورها الإنساني؛ فقد شاركت في غزوات المسلمين
وقدمت نموذجاً للمرأة المسلمة في الجهاد وخدمة المجاهدين، ففي غزوة «أُحد» تطوعت
لسقي الماء ومداواة الجرحى وتقديم العون للجيش الإسلامي في مشاهد تعكس شجاعتها
وقوة إرادتها.
وبشرها النبي صلى
الله عليه وسلم بالجنة، وكان دائماً يحاول إدخال السرور على قلبها، وبعد وفاته صلى
الله عليه وسلم بكت وتأثرت تأثراً شديداً.
وقد ظلت هذه
الصحابية الجليلة محل إجلال وتوقير من الصحابة يعرف لها حقها، حتى وافاها الأجل
المحتوم وفاضت روحها الطاهرة إلى بارئها في أول خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان
رضي الله عنه.
كانت حياة أم
أيمن رحلةً حافلةً بالعطاء والوفاء؛ بدأت بحضانة مخلصة للمقام النبوي الشريف،
وتجلّت في كفاح هجرتها الأسطورية ماشية في لهيب الصحراء ورمضاء تهامة، لتكتمل فصول
سيرتها العطرة بذروة الرعاية النبوية الشريفة والوفاء الراشدي لها حتى وفاتها.
وستظل بركة
الحبشية أم أيمن اسماً محفوراً بحروف من نور في ذاكرة التاريخ الإسلامي ورمزاً
للمرأة الصابرة والحاضنة العظيمة التي أسهمت في بناء شخصية أعظم إنسان، ويمكن
إيجاز أبرز هذه الدروس فيما يلي:
أولاً: الوفاء
بالمثل والامتنان للرعاية: ويظهر ذلك في علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بأم أيمن؛
حيث كان يعدها «أمي بعد أمي»، وهو مبدأ العرفان بالجميل وحفظ حقوق التربية
والرعاية بصرف النظر عن الروابط البيولوجية.
ثانياً: قوة
الإرادة والثبات على المبدأ: ويظهر هذا في قصة هجرتها مشياً على الأقدام صائمة في
لهيب الحر، مع شدة التحمل والتضحية في سبيل الدين والثبات على العقيدة.
ثالثاً: حرارة
العاطفة وصدق الانتماء: وهذا توضحه مواقفها ودلالها العفوي على النبي صلى الله
عليه وسلم، وكيف كانت البيوت النبوية عامرة بالدفء الإنساني القائم على المحبة
المتبادلة والتقدير.
رابعاً: استمرار
العهد والتقدير القيادي: ويظهر هذا في حرص الخلفاء الراشدين على زيارتها بعد وفاة
النبي صلى الله عليه وسلم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً