رؤية المخطوبة والآراء الشاذة

د. أحمد ناجي

15 يونيو 2025

544

من المسائل الفقهية التي كثيراً ما تثار بين جماهير المسلمين على صفحات التواصل الاجتماعي، مسألة حدود رؤية الخاطب للفتاة التي يريد خطبتها!

وبتتبع آراء الفقهاء في القديم والحديث وجدت تبايناً بين أقوال المنتسبين إلى العلم، حيث وجدت من يقول: يجوز للرجل رؤية المرأة التي يرغب في الزواج منها أثناء الاستحمام حتى يدعوه ذلك للزواج منها، بشرط أن تكون نيته بالفعل الزواج منها وعدم تركها!

ومن يقول: لا يجوز للرجل أن يرى من المرأة التي يرغب في الزواج منها شيئاً حتى يعقد عليها وتُزف إليه!

ولعظم أمر النكاح وقداسة رابطته التي تجمع بين الزوجين وتؤلف بين عائلتيهما في علاقة نسب وصهرية؛ كان من الضرر الجسيم ترك هذه العلاقة الشريفة لأهواء الناس.

ومن هنا كانت الحاجة ماسة لمشروعية الخِطبة، وإتاحة النظر بين الرجل والمرأة التي يرغب في الارتباط بها؛ للتأكد من حصول الملائمة والقبول التام بينهما قبل الشروع في عقد النكاح، وما يترتب عليه من تكاليف وحقوق والتزامات متبادلة بين الزوجين، وقد جاء التشريع الإسلامي ملبيًا لكل هذه الحاجات على أكمل وجه، فأجاز للرجل إذا كان جادًّا في طلب النكاح أن ينظر إلى المرأة ليتأكد من ملاءمتها له دون أن يكون استئذانها ولا استئذان أوليائها شرطًا في إباحة النظر إليها.

بل صرح بعض الفقهاء كالْأَذْرَعِيُّ من الشافعية وغيره: بأن الأولى للخاطب أن ينظر إليها بغير علم منها ولا استئذان؛ ليتجنب إخفاءها عيبًا ظاهرًا فيها أو إظهارها تزينًا وحسنًا مصطنعًا فيفوت غرضه من النظر، وكذا ليتجنب إحراجها وإيذاءها إذا استأذنها ونظر ثم أعرض عنها(1).    

والأصل في هذه المسألة حديث أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت عند النبي فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال رسول الله: «أنظرت إليها؟»، قال: لا، قال: «فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً» (أخرجه مسلم، 1424).

ومن خلال هذا الحديث الشريف نجد أن الإسلام أباح نظر الخاطب لمن أراد نكاحها للتأكد من خلوها من العيوب الظاهرة أو الصفات غير المرغوبة، أو التأكد من قبول الخاطب لها على ما هي عليه في ظاهرها؛ وذلك للاحتراز عن وقوع النفرة والشقاق وتكدير العلاقة بينهما عند اكتشاف تلك الصفات أو العيوب بعد النكاح.

وكذلك حديث المغيرة بن شعبة حيث قال: خطبت امرأة، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «هل نظرت إليها؟»، قلت: لا، قال: «فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» (أخرجه أحمد، 18154) واللفظ له، والنسائي، 3235).

ونلحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم علل في الحديث الشريف إباحة النظر بقوله صلى الله عليه وسلم: «أن يؤدم بينكما»؛ أي: أحرى أن تدوم المودة بينكما.  

ومن الأحاديث التي استند إليها العلماء أيضاً حديث جابر بن عبدالله، حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل»، ثم قال جابر: فخطبت جارية من الأنصار فجعلت أتخبأ لها تحت الكرم حتى نظرت منها إلى ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها. (أخرجه أبو داود، 2082)، وأحمد، 14626).

وحديث محمد بن مسلمة رضي الله عنه حيث قال: خطبت امرأة فجعلت أتخبأ لها حتى نظرت إليها في نخل لها فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها» (صحيح ابن ماجة، 1522).

كل هذه الأحاديث في عمومها تفيد مشروعية واستحباب نظر الخاطب إلى ما يتحقق بنظره إليه عادة الاستحسان والرغبة في نكاح المرأة، سواء حصل هذا النظر بإذنها وعلمها، أو بغير علم منها ولا إذنها.

آراء العلماء

ذهب جمهور العلماء إلى تقييد إطلاق النظر إلى المخطوبة بما عدا عورة الصلاة، فقالوا بجواز النظر إلى الوجه والكفين دون ما عداهما؛ لأن هذه الأعضاء ليست بعورة؛ ولأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها؛ كما قال الإمام النووي: ولأنها مواضع ما يظهر من الزينة المشار إليها في قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور:31)، وقد فسر جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم الزينة الظاهرة بالوجه والكفين، نقل ذلك عن ابن عباس وأنس وعائشة رضي الله عنهم(2).

وكذلك قال الإمام الطبري وهو من كبار أئمة التفسير وأحد أئمة الاجتهاد بعد أن نقل عن الصحابة والتابعين تفسيرات متعددة للزينة الظاهرة المستثناة في الآية: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال عني بذلك الوجه والكفان(3).

فبهذا القدر تتحصل حاجة الخاطب وتنتهي رخصته في النظر إلى ما يدعوه لنكاح المرأة، والأصل عدم جواز النظر إلى المرأة، فلا يباح إلا للحاجة وبقدرها، فالنظر إلى المخطوبة لو لم يشرع لم يجز، وما ذهب إليه الجمهور هو أرجح الأقوال في هذه المسألة.

وذهب الحنابلة في المعتمد لديهم من الروايات الثلاث عن الإمام أحمد إلى جواز النظر إلى الوجه والكفين وما يظهر من المخطوبة غالبًا، أي في بيتها كشعر الرأس والرقبة، والذراع، والقدم، والساق، ووجهوا مذهبهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أذن في النظر إليها من غير علمها، علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادة إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور؛ ولأنه يظهر غالبًا، فأبيح النظر إليه كالوجه، ولأنها امرأة أبيح له النظر إليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إلى ذلك، كذوات المحارم(4).

ويُعترض على هذا التعليل بأن إباحة نظر الخاطب للمخطوبة للحاجة، فتُقدر بقدرها، وتتحصل برؤية الوجه والكفين، فلا يباح ما زاد على ذلك، والقياس على ذوات المحارم قياس مع الفارق لديمومة الصلة بهم، ولانتفاء الشهوة والفتنة معهم بخلاف من يريد نكاحها، والإذن في النظر بالاتفاق مع الحنابلة ليس مطلقًا، ولا بد له من قيد، فلا يعمُّ جميع الأماكن، وإلا لقالوا بجواز النظر إليها في محلِّ الاغتسال وما يظهر منها غالبًا فيه، ولا يعمُّ جميع الأحوال، وإلا لقالوا بجواز النظر إليها متجردة من الثياب، ولا نصَّ شرعيًا يفيد التقييد بما يظهر منها غالبًا في البيت، في حين أن التقييد بالوجه والكفين تقييد بما دلت عليه نصوص شرعية من كونها من الزينة الظاهرة، وكونها ليست بعورة في الصلاة ولا في الحج، وبجواز النظر إليها عند المعاملة للحاجة، فالوقوف عند هذا الحد والتقييد به وقوف عند منصوص وتقييد به، فلا يقوى على معارضته تقييد الحنابلة بما يظهر غالبًا؛ لأنه تقييد بالرأي في مقابلة التقييد بالنص وعرف الشرع.

آراء شاذة

وذهب الإمام الأوزاعي إلى جواز النظر إلى مواضع اللحم من بدنها، وحكى ابن عقيل رواية في المذهب الحنبلي بأن للخاطب النظر إلى ما عدا العورة المغلظة وهي الْفَرْجَانِ(5).

وذهب بعضهم كالظاهرية والإمام أحمد في رواية عنه إلى جواز النظر إلى جميع بدنها، ما ظهر منها وما بطن، عورة كان أو غير عورة، وذكر ابن القيم بأن الإمام أحمد نص في رواية على جواز النظر إليها وهي مُتَجَرِّدَة(6).

وذهب الإمام أحمد في رواية ثالثة، وهي من مفردات المذهب الحنبلي إلى جواز النظر إلى الوجه فقط، بناء على أحد القولين في المذهب بأن اليدين من العورة. 

وقد اعترض العلماء على مثل هذه الآراء المتوسعة بأنها خطأ ظاهر منابذ لأصول السُنَّة والإجماع؛ كما يقول الإمام النووي.

وذهب بعضهم إلى عدم جواز النظر إلى شيء منها قط؛ فقالوا: لا يجوز ذلك لمن أراد نكاح المرأة، ولا لغير من أراد نكاحها إلا أن يكون زوجًا لها أو ذا رحم مُحرَّم منها(7).

فالآراء كثيرة منها الشاذ ومنها القريب، والتوسط هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من التقييد بالوجه والكفين، حيث إنه الرأي الموافق لما ذهب إليه السلف الصالح في القديم والحديث.

استئذان المخطوبة

وفيما يتعلق بشرط استئذان المخطوبة في جواز نظر الخاطب إليها، أو عدم شرطه بحيث يستوي فعله وتركه، قال جمهور العلماء بجواز النظر إلى الوجه والكفين فقط سواء استأذنها أو لم يستأذنها، وذكر الحنابلة أن رؤية ما يظهر منها غالبًا كشعر ورقبة وقدم وساق بغير علمها ولا إذنها لعله يكون الأولى، فيجوز على مذهبهم أن يستأذن في رؤية ذلك، وإن كان خلاف الأولى، واشترطوا كسائر الفقهاء أن يكون النظر من غير خلوة، وقالوا: إن شق عليه النظر أو كرهت المخطوبة ذلك بعث إليها امرأةً ثقةً تتأملُها ثم تَصِفُهَا له ليكون على بصيرة.

ومذهب المالكية أنه يكره للخاطب اسْتِغْفَالُهَا والنظر إليها بغير إذنها وهي لا تعلم؛ حتى لا تقع عينه على ما لا يجوز له رؤيته من العورات، ولئلا يتطرق أهل الفساد لنظر النساء ومحارم الناس ويقولون: نحن خُطاب، ومحل كراهة الاسْتِغْفَال هو ألا يعلم الرفض وعدم إجابته لو سألها أو سأل وليها النظر للخِطبة؛ أما لو علم ذلك فيحرم نظر الاسْتِغْفَال إن خشي الافتتان بها(8)

ويتبين لنا مما سبق أنه يستحب للخاطب أن ينظر إلى المرأة التي يريد خطبتها؛ ليكون على بصيرة من أمره، وأنه يحلُّ له النظر منها إلى الوجه والكفين بإذنها وبغير إذنها على القول الراجح المختار عند جمهور أهل العلم.





______________________

(1) تحفة المحتاج في شرح المنهاج، أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي (ت 974هـ) (7/ 191).

(2) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، الإمام النووي (9/ 210).

(3) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام الطبري (19/ 158-159).

(4) المغني لابن قدامة (7/ 74).

(5) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين المرداوي (8/ 18).

(6) المحلى لابن حزم (9/ 161)، حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (6/ 68). 

(7) شرح معاني الآثار، الإمام الطحاوي (3/ 14).

(8) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي (2/ 215).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة