نظرة عمر بن الخطاب إلى العمل والتجارة كقوة اقتصادية في نهضة المجتمع المسلم
العمل والكسب من
أهمِّ القيم التي دعا إليها الإسلام، لأنهما أساس بناء المجتمعات وحفظِ كرامة
الإنسان واستقلال الأمة، كما جعل ذلك من العبادة إذا صلحت النية قال الله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ
فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ
كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة: 10)، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ
النُّشُورُ) (الملك: 15)، وفي الحديث الشريف: «إن أطيب ما أكل الرجل من
كسْبِه..»(1)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما كسب الرجل كسبًا أطيب مِن
عمل يده، وما أنفق الرجل عن نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة»(2)،
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعامًا قط خير من أن يأكلَ مِن عمل يده،
وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل مِن عمل يده»(3)، مما يؤكد أن
العمل شرف، وأن الاعتماد على النفس من صفات المؤمن القوي، وهكذا كان أنبياء الله.
عمر بن الخطاب.. وفقه القوة الاقتصادية
وقد أدرك عمر بن
الخطاب رضي الله عنه هذه الحقيقة، وكان ينظر إلى المجتمع المسلم نظرة شاملة تقوم
على القوة في الدين والدنيا معًا، ومن ذلك ما رُوي أنه دخل السوق في خلافته فلم
يرَ فيه في الغالب إلا النبط، فاغتمَّ لذلك، ثم قال للمسلمين حين اعتذروا بأن
الفتوحات أغنتهم عن التجارة: «والله لئن فعلتم ليحتاج رجالكم إلى رجالهم، ونساؤكم
إلى نسائهم»(4).
وهذا القول يكشف
بُعد نظر عمر رضي الله عنه، وخوفه من أن يؤدي ترك المسلمين للعمل والتجارة إلى
التبعية الاقتصادية والاجتماعية للأمم الأخرى.
وعن محمد بن
سيرين عن أبيه قال: شهدت مع عمر بن الخطاب المغرب فأتى عليَّ، ومعي رُزيمة فقال:
ما هذا معك؟ فقلت: رُزيمة، أقوم في هذه السوق فأشتري وأبيع، فقال: «يا معشر قريش،
لا يغلبنكم هذا وأشباهه على التجارة، فإنها ثلث الملك»(5)؛ والرُّزمةُ:
ما جُمِعَ في شَيءٍ واحِدٍ من ثيابٍ أو غيرها، ومعنى ذلك: لا يغلبكم سيرينُ ومَن
مِثلُه مِن التجار على التجارة، فإنَّها، أي: التجارة، ثُلُثُ الملكِ، فمَن مَلَكَ
المالَ استطاع أن يصرِف وُجوهَ الناس إليه، فيُطيعوه ويَمتثلوا أمره(6).
وكان زيد بن
مسلمة يغرس في أرضه، فقال له عمر رضي الله عنه: أصبت، استغن عن الناس يكن أصْوَن
لدينك وأكرم لك عليهم، كما قال صاحبكم أحيحة:
فلن أزال على
الزوراء أغمُرها إن الكريم على الإخوان ذو المالِ(7)
ومن أخطر ما
أشار إليه عمر أن ترْك المسلمين للأسواق يجعلهم تابعين لغيرهم؛ لأن من يملك
الاقتصاد يملك التأثير في المجتمع والثقافة والعادات، فالسوق ليست مجرد مكان للبيع
والشراء، بل وسيلة لصناعة القرار وبناء النفوذ، وإذا تقاعس أهل الأمة عن العمل
والإنتاج؛ احتاجوا إلى غيرهم في الطعام والصناعة والخدمات، فتسلَّط عليهم الآخرون
اقتصاديًا وفكريًا.
ولهذا قيل في
المثل: «استغن عمَّن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره»(8)،
ومن المعلوم أنه من لا يملك قوت يومه لا يملك قراره، بل ذهب عمر إلى ضرورة احتراف
الفرد المسلم مِهنة من المِهن، والتي من خلالها يفرض نفسه ويكسب قوته، إذْ قال: «إني
لأرى الرجل فيعجبني، فإذا قيل لا حرفة له سقط من عيني»(9).
المال والعمل ركيزتا العمران
إن نهضة المجتمع
المسلم لا تكون بالأماني، بل بالعلم والعمل والإنتاج والمشاركة في الأسواق
والصناعات والمهن المختلفة، فالعامل والتاجر والصانع والمزارع كلهم شركاء في بناء
الأمة وحماية استقلالها، أما التقاعس والاعتماد على الآخرين؛ فإنه يؤدي إلى الضعف
وفقدان الهيبة، ولذلك فإن توعية المجتمع بأهمية العمل والكسب ضرورة دينية وحضارية،
حتى تبقى الأمة قوية مستقلة قادرة على صناعة مستقبلها بنفسها، ولا بد أن يدرك
الفرد المسلم حق الإدراك أن العمل والاجتهاد والكسب الطيب الحلال جزءٌ من العبادة،
فهو بذلك يعول نفسه ومَن في رعايته، ويقوم بما أمره الله به من الاستخلاف في
الأرض، وليس من الصواب القعود عن طلب الرزق والاتكال على الآخرين، قال أبو سليمان
الداراني: «ليس العبادة عندنا أن تَصُفَّ قدميك وغيرك يتعب لك، ولكن ابدأ برغيفك
فأحرزه ثم تعبَّد»(10).
من فقه المعاملات إلى بناء المجتمع
وترتبط التجارة
في الإسلام بجملة عظيمة من الأحكام والحقوق والواجبات التي تقوم عليها حياة الناس
واستقامة المجتمع؛ فهي ليست مجرد وسيلة للكسب، وإنما باب من أبواب العبادة وتحقيق
المصالح العامة؛ فمن التجارة تُؤدَّى الزكاة التي تُطهِّر المال وتسدُّ حاجة
الفقراء، ومنها تكون الصدقات والإنفاق في وجوه الخير، والنفقة على الأسرة
والأقارب، ودعم مصالح الأمة المختلفة كالتعليم والجهاد والإغاثة وسائر أبواب البر،
ومنها الميراث الذي فيه الكثير من الحقوق والواجبات.
ولهذا شدَّد
الإسلام على أن يكون الكسب حلالًا قائمًا على الصدق والأمانة، وحرَّم الربا والغش
والاحتكار لما فيها من ظلمٍ وإفسادٍ للاقتصاد والمجتمع، ونهانا عن إضاعة المال
الذي جعله الله لنا لنعف به أنفسنا ونحفظ به وجوهنا ونستغني به عن مد يد الحاجة
إلى الناس؛ (وَلا تُؤْتُوا
السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء: 5).
وفي عصرنا
الحاضر اتسعت صور المعاملات المالية، فظهرت التجارة الرقمية والأسواق الإلكترونية
والبورصات والاستثمارات الحديثة؛ ما يجعل الحاجة ماسَّة إلى مباشرة الفرد المسلم
والمجتمع المسلم للعمل، مع ضرورة الفقه الشرعي الذي يضبط هذه المعاملات ويبيِّن
الحلال من الحرام، حتى يشارك المسلم في الاقتصاد المعاصر بقوة ووعي مع التزامه
بقيم الإسلام وأخلاقه، وهو الأقدر على ذلك مع حسن النية وبذل الجهد.
تأثير الاقتصاد في حياة الفرد والأمة
واليوم، يتداخل
الاقتصاد مع تفاصيل الحياة اليومية للإنسان بصورة واسعة، فهو يؤثر في مصادر الدخل
والعمل، وفي أساليب الإنفاق والادخار، كما ينعكس على القرارات المتعلقة بالسكن
والمعيشة والاستثمار، وغير ذلك من الخيارات الشخصية والاجتماعية، بل إن كثيرًا من
المواقف والتوجهات العامة تتأثر بالأوضاع الاقتصادية وما تفرضه من مصالح واحتياجات.
ومن هنا ندرك
أهمية الاقتصاد؛ إذ ينظِّم توزيع الموارد والمنافع داخل المجتمع، ويحدد الكيفية
التي تُدار بها الثروات وتُلبَّى بها حاجات الناس؛ ما يجعله عنصرًا مؤثرًا في
استقرار المجتمعات وتوجيه مسارها، وإذا ابتعد أفراد المجتمع المسلم عن هذا المجال
علمًا وعملًا وتخطيطًا وتنظيمًا؛ كانوا في ذيل الأمم، كما هو واقع كثير من
المجتمعات اليوم.
والإسلام لا يدعو إلى البطالة أو الاتكال، بل يحثُّ على العمل والإنتاج والإتقان، ويجعل السعي في عمارة الأرض وتحقيق الكفاية من الأعمال المحمودة؛ لأن الأمة القوية اقتصاديًا تكون أقدر على حماية دينها، وصيانة قرارها، والحفاظ على ثقافتها وهويتها، ولذلك فإن بناء الوعي الاقتصادي، وتشجيع المبادرات النافعة، وتنمية روح المسؤولية والإنتاج؛ ليست قضايا مادية مجردة، بل هي جزء من مشروع النهضة الحضارية التي تحتاج إليها الأمة، حتى تستعيد مكانتها، وتحقق التوازن بين القيم والمصالح، وبين الأخلاق والتنمية، في إطار من العدل والاستقرار والتكافل.
الهوامش
- 1 صحيح النسائي (4463).
- 2 صحيح الجامع (5660).
- 3 صحيح البخاري (2072).
- 4 التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلمية، محمد عَبْد الحَيّ بن عبد الكبير ابن محمد الحسني الإدريسي، المعروف بعبد الحي الكتاني (ت 1382هـ)، تحقيق عبد الله الخالدي، دار الأرقم – بيروت، الطبعة: الثانية، ج2، ص18.
- 5 مسند الفاروق (1/ 341).
- 6 موسوعة الدرر السنية.
- 7 إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي (ت 505هـ)، دار المعرفة - بيروت، ج2، ص62.
- 8 التمثيل والمحاضرة، أبو منصور الثعالبي (ت 429هـ)، عبد الفتاح محمد الحلو، الدار العربية للكتاب، الطبعة: الثانية، 1401هـ/ 1981م، ص30.
- 9 كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علاء الدين الهندي (ت 975 هـ)، تحقيق: الشيخ بكري حياني، والشيخ صفوة السقا، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الخامسة، 1405هـ/ 1985م، ج4، ص123.
- 10 مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة المقدسي (ت 689هـ)، مكتَبَةُ دَارِ البَيَانْ، دمشق، 1398هـ/ 1978م، ص83.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً