مشروب ساخن على طاولة المبدعين (6).. لغة الكتابة بين لمسة الجمال وداء الفذلكة

بحكم العمل والهواية والغواية -والحظ العاثر أحيانًا- أُراجع نحو مائتي عمل أدبي وفكري في العام، إما لتدقيق لغتها، أو لتقييم تحريرها، بالطبع لا أقرأ كل كتاب من الجلدة إلى أختها، لكن هناك عينًا سحرية لا يعدمها نظر الحارس الممارس، الكسول العجول، ينظر منها ليختصر على نفسه همَّ القراءات الوظيفية المرهقة، ويعود بخيبة أمل صغيرة، قبل السقوط في شِباك ورطة كبيرة، والعين المقصودة ببساطة هي «الجملة الحلوة»، تلك التي تخبر القارئ معلومة شبه كافية عن الكتاب وكاتبه.

وأقصد بـ«الجملة الحلوة» ذلك التركيب الحي النابض الذي يقول شيئًا عن الشيء بطريقة غير متوقعة، بصياغة تجعلك تبتسم بارتياح، وتُهمهم بالمصرية المُعجبة: يا ابن الإيه! أو ربما تكون جملة عادية في تركيبها، دارجة، متوقعة، لكنها في موضعها الصحيح بالكمال والتمام، تلمس الأذن لمسة خفيفة كأنها همسة عروس حديثة العهد بالحب الصريح؛ فتنال الحظوة والرضا.

لكن عندما يُحرم الكاتب من مثل تلك الجملة، وتَقطع طريقَه العتباتُ والمطبَّات والالتواءات؛ فالأمر يظهر سريعًا، أو على الأقل يحرك الكشاف، وينادي منادٍ من على باب الصفحات الأولى في القراء الطيبين: «صاح الغرابُ بوَشكِ البَيْن فارتحلوا».

المتحرشون بالحروف

ينقُل الجاحظ عن بشر بن المعتمر نصيحة لصاحب القلم المتعثر في قاموس الكلمات، الذي قد تضطره العجلة إلى جذب إحداهما من شعرها، وإلقائها وسط الفقرات، فيقول محذرًا: «لا تُكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها؛ فإنك إذا لم تتعاطَ قرض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور، لم يعبْك بترك ذلك أحد، فإن أنت تكلفَّتهما ولم تكن حاذقًا مطبوعًا، ولا مُحكِمًا لشأنك، بصيرًا بما عليك وما لك، عابك من أنت أقل عيبًا منه، ورأى من هو دونك أنه فوقك، فإن ابتُليتَ بأن تتكلّف القول، وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، وتعاصَى عليك بعد إجالة الفكرة، فلا تعجلْ ولا تضجرْ، ودعه بياضَ يومِك وسواد ليلتك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك».

إن البعض يضع في إبداعاته –خاصة الأولى- تركيبات جيدة معقولة، لكنها مفصولة معزولة، يكتب كلمات صحيحة في شكلها وحرفها، لكنها باردة مقحمة بادية التكلف والتحايل، ذلك ما يمكن تسميته بـ«لتحرش اللغوي»، بحسب ما كاد يقول بشر بن المعتمر.

إنها الطريقة التي يلتقط بعضهم بها التركيب الظريف من نواصي الكلام بطريقة السطو المتعجل، أو يتعثَّر به على صفحات «السوشيال» فينتزع الجملة ويضعها في جيبه، ثم يُفسح لها –قسرًا- موقعًا في مقالة أو قصة أو منشور؛ فيزحزح قوالبه القديمة يمينًا ويسارًا، ثم يضغط الكلمة الغريبة في الجدار الآيل للسقوط، يلصقها لصق إكراه، فتبدو نشازًا مفضوحة الاقتحام لمن يفهم معنى الكلام.

ورغم أنها في أصلها ليِّنة جميلة مكسوة بحلاوة الكلام، لكن عندما تُوضع في غير موضعها تصير جامدة ثقيلة مرة المذاق.

إيزابيل تخبرك: حُكَّ رأسك يا رجل

في كتاب «لماذا نكتب؟»، تجيب الروائية التشيلية إيزابيل الليندي عن سؤال خاص بالكلمة المفقودة التي تدوِّخ المبدع ولا بد أن يعثر عليها، ولكن بالطريق الصحيحة، فتقول باختصار: «اللغة هي ما يهم بالنسبة إليَّ»؛ فإيزابيل ترى أن البداية والنهاية وعقدة القول والحكاية تقوم على الكلمة الحلوة الصحيحة؛ فهي شاهد الإثبات الأول الذي يخبر قاضي القراءة أن خلف القفص مُدانًا حقيقيًّا متَّهمًا بالخيال الجميل والإبداع.

ثم تضيف إيزابيل في موضع آخر عن استصفاء الكلام: «الأمر جدير بأن تعمل كي تجد الكلمة الدقيقة التي ستخلق شعورًا أو تصف حالة، استخدِم القاموس، استخدم مخيَّلتك، حُكَّ رأسك حتى تخرج إليك، ولكن عليك أن تجد الكلمة المناسبة الصحيحة».

الأمر يحتاج جهدًا من مبدع قدير، وليس تكلفَ عاجزٍ أو مخاضَ عاقر يمسك في النهاية الهواء، علمًا بأن القاموس الذي تشير إليه إيزابيل، والخيال والرأس المحكوك، لن يتحركوا بتعويذة ولا بعصا سحرية ولا بلمسة كهرباء، ولكن بما استقر ابتداءً في الوعاء.

هنا فقط.. الإناء ينضح بما فيه!

لا أحب هذا المثل، ولا يقنعني؛ فهو في ظاهره يُبعد الباحثين عن الجمال عن محاولة التجمُّل، وعلميًّا هو فكرة خاطئة، من إحدى زواياها؛ لأن التطبع يُغير الطبع في أحيان كثيرة، ويمكن أن يكون الإناء به شوائب ومثقلًا بالسيئات، لكنه ينضح توبة وتواضعًا وندمًا على الأخطاء التي تزاحمت في جوفه، فيتبدل السوء بهاءً.

لكن في الحديث عن الكتابة وعالمها وأهلها، فالمثل ينطبق تمامًا؛ فالإناء -حقًّا- ينضح بما فيه، يترجرج فتندلق من حوافه القطرات فيغري العاطشين بري الظمأ، فيشربون ويبلون العروق بعد الشفاه.

لكن ماذا إن لم يكن في الإناء ماء؟ سيُعتصَر حتى ينكسر.

إن للكلام خزائن كخزائن المال، واللغة أكبر صناديقها، وفيها حصيلة ادخار القراءة والسماع والكتابة، قاموسها ينمو ويتضخم ويتجمَّل عبر السنين، هذا شيء ميكانيكي من نواميس الحياة، وغير خاضع للعواطف أو لضربات الحظ وصيد الخاطر، لكن المُقلق أن الإناء قد يمتلئ بأجمل المفردات، لكن النظم والتركيب مرحلة أبعد وأصعب وأجمل، وإلا لاستطاع كل من حفظ دواوين العرب أن يقول مثل ما قالوا.

إن المَلَكة حدٌّ وشرط.. والله يؤتي فضله من يشاء، والأرزاق مقسمة على خلق الله، فإن كان للقلم حظ من الحياة وأراد له الله السداد، فسيعرف طريقه إلى الكلمة الحلوة، وإن كان دخيلًا متطفلًا فقد ينتشر حينًا في الأسواق، ويستلقي متفاخرًا على رفوف المكتبات، لكن غدًا أو بعد مائة عام سينكشف الضعف وتنفضح الفذلكات.

وأخيرًا.. نَجيب يعرف أكثر

قدَّم الأديب الكبير توفيق الحكيم في مسرحه معادلة لغوية تبدو صعبة عسيرة، لكنه استطاع تجاوز تعقيداتها، فأعطى للجمهور العربي محب المسرح صورًا جديدة للغة المسرح الذهني؛ فاستطاع بدربته الطويلة أن يجمع بين الفكرة العميقة النخبوية الصعبة، ورشاقة الكلمة السهلة المباشرة المناسبة للمسرح كفن جماهيري.

ويبدو أن الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ تعلم من تقنية الحكيم فاقتدى به، لكنه نسج قاموسًا أوسع بكثير، فصار يزاوج بطريقة لافتة جميلة بين مستويات الفصحى بحسب المقام، فصار له لغته الخاصة جدًّا، وفي حواره مع رجاء النقاش يقول نجيب محفوظ عن الكلمة الحلوة التي أراد أن يضعها: «عليَّ أن أعطيها نوعًا من الحياة، وأعمل على تقريبها إلى أذهان الناس»، إنهما مهمتان شاقتان إلا على رجل يدرك ما يقول جيدًا ويتعب في اختيار كلمته واختبار قاموسه.

اقرأ أيضاً:

الأدب العربي وهيمنة الرقمنة.. قراءة في مصائر القراءة والإبداع  واللغة 

الالتزام الأدبي.. ميتنا الذي يجب أن يُبعث من جديد

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة