بناء العالم الرباني.. لا تدرك الغاية إلا بالكتمان
أبو العالية الرياحي.. الهمة التي تجاوزت حدود البداية
يذكر الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن أبي العالية رفيع بن مهران-أبو العالية الرياحي- (1)؛
حيث قال زيد بن الحباب: حدثنا خالد بن دينار، عن أبي العالية، قال: «تعلمت الكتابة
والقرآن فما شعر بي أهلي، ولا رئي في ثوبي مداد قط»(2).
تكشف هذه
العبارة القصيرة عن مرحلة التكوين الأولى في شخصية أبي العالية الرياحي، قبل أن
يصبح إمامًا من أئمة التابعين، وقبل أن تجلس له حلقات العلم، وقبل أن يشهد له
العلماء.
إنها لحظة بناء
العالم من الداخل؛ لحظة الإنسان الذي لم ينتظر تغير الظروف حتى يبدأ، ولم يجعل
وضعه الاجتماعي عذرًا لتعليق مشروعه العلمي.
فأبو العالية الرياحي لم
يبدأ رحلته العلمية وهو عالم مكرم، ولا وهو متفرغ بين الكتب والمجالس، بل بدأها
وهو في وضع كان يمكن أن يصبح أقوى حجة للتوقف: كان مملوكًا، مرتبطًا بالخدمة،
محدود الوقت والقدرة.
لكن الفرق بين
أصحاب الهمم العالية وغيرهم أن الأولين لا يسألون: هل الظروف مناسبة؟ وإنما كيف
أصل إلى ما أريده رغم الظروف؟
أبو العالية الرياحي.. لماذا لم تمنعه العبودية من طلب العلم؟
كان يمكن لأبي
العالية الرياحي أن ينظر إلى حاله وواقع معيشته فيقول: أنا مملوك، وأنا مشغول
بالخدمة، وليس عندي وقت للتعلم، وليست لدي الوسائل التي يمتلكها أهل الفضل والمال؛
لكن هذا النوع من التفكير والاعتذار بالأعذار لم يكن حاضراً في بنائه النفسي قط، لقد
أدرك مبكراً أن العلم ليس امتيازاً اجتماعيًا خاصاً بفئة دون غيرها، بل هو طريق
للارتقاء وقربة جليلة إلى الله؛ وهو ما ينسجم تماماً مع التوجيه القرآني الذي جعل
طلب الفقه والعلم وظيفة حتمية في الأمة: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ
لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا
إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: 122)، فالعلم في المنظور
القرآني ليس ترفاً يُطلب في الفراغ، بل هو مسؤولية وضرورة، ومن عرف قدر المسؤولية
سلك أسباب الوصول إليها مهما كانت عوائقه.
ويتجلى هذا
المعنى في منهج الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه مع طلاّبه؛ إذ كان
يحثهم على جعل العلم غايتهم الحتمية وضرورتهم التي لا بديل لها، قائلاً: «كُنْ
عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً أَوْ مُسْتَمِعاً، وَلاَ تَكُنِ الرَّابِعَةَ
فَتَهْلِكَ»(3)؛ رافضاً أي عذرٍ يمنع الإنسان من الارتباط بالمعرفة
والفقه.
ويرسخ التابعي
الجليل عبدالله بن بريدة هذه الحقيقة إذ كان يرى تحصيل المسألة ضرورة لا تحتمل
القعود، موضحاً همة طلاب العلم وسفرهم: أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد، وهو بمصر، فقدم عليه وهو يمد لناقة له، فقال: مرحباً،
فقال: أما إني لم آتك زائراً لك، ولكني سمعت أنا وأنت حديثاً من رسول الله صلى
الله عليه وسلم، رجوت أن يكون عندك منه علم، قال: وما هو؟ قال: كذا وكذا(4).
لماذا اختار أبو العالية الرياحي إخفاء مشروعه العلمي؟
يكشف قول أبي
العالية الرياحي : «فَمَا شَعَرَ بِي أَهْلِي» عن جانبٍ تربويٍّ جليل في شخصيته؛
فقد كان مشروعه العلمي في بدايته خفياً، لا ينتظر تصفيقاً ولا يطلب اعترافاً، لم
يكن يبحث عن صورة طالب العلم أمام الناس، بل كان يبحث عن العلم نفسه؛ وفي هذا
إخلاصٌ مبكر؛ فبعض الناس يبدؤون أعمالهم بحثاً عن الظهور، أما أبو العالية الرياحي فبدأ في
الظل حيث لا يراه أحد، وهذا النوع من البدايات الخفية يصنع شخصياتٍ متينة؛ لأنها
تُبنى على العلاقة الصادقة بين الإنسان وهدفه، لا على نظر الخلق إليه؛ امتثالاً
لقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا
إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: 5)؛
فالإخلاص الحقيقي يتجلى في الطاعات والأعمال التي لا يعلم بها أحد.
ويجسد التابعي
داود بن أبي هند هذا المسلك الفذ في خبيئة العمل وحراسة البدايات؛ إذ صام أربعين
سنة لا يعلم به أهله ولا أهل السوق، كان يأخذ غداءه من بيته فيتصدق به في طريقه(5)،
فيظن أهله أنه أكل في السوق، ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته؛ حمايةً لسره
وإخلاصه.
وكذلك كان
التابعي الربيع بن خثيم شديد الحرص على كتمان عمله وقراءته؛ إذ قيل في وصف حاله:
«كَانَ عَمَلُ الرَّبِيعِ كُلُّهُ سِرّاً، إِنْ كَانَ لَيَجِيءُ الرَّجُلُ وَقَدْ
نَشَرَ الْمُصْحَفَ فَيُغَطِّيهِ بِثَوْبِهِ»(6)؛ صيانةً لمشروعه
التعبدي والقرآني وإخفاءً له عن أعين الناس؛ ليبقى الكدمان وحفظ الخبيئة هما الحصن
الأكبر الذي يحمي نية العبد ومشروعه الإيماني من آفة الظهور.
كيف تجسد الانضباط في سلوك التابعي أبو العالية الرياحي المبكر؟
لم يكتفِ أبو
العالية الرياحي بذكر بداية رحلته وتلقيه للكتب والقرآن، بل أضاف عبارته اللامعة:
«وَلَا رُئِيَ فِي ثَوْبِي مِدَادٌ قَطُّ»، وهذه العبارة تكشف عن طبيعة شخصيته
المتفردة منذ صغره؛ شخصية دقيقة، حريصة، تعرف أن الوصول إلى أمانة العلم يحتاج إلى
انضباطٍ وهيبة وتأنق إيماني، فهو لم يكن يتعامل مع الطلب بعشوائية، بل كان يدير
وقته وأدواته وبيئته بحذر وتثبت شديدين، وهذه الصفة ستظهر جلياً في حياته كلها؛
فهو الذي يختبر صلاة العلماء قبل الأخذ عنهم، وهو الذي يرفض محاباة الناس له في
البيع لمجرد علمه، وهو الذي يفر من فتنة الشهرة، فقد كانت البذرة الأولى هنا؛ رجلٌ
يتعامل مع مشروع العلم بجدية وانضباط كاملين.
وكذلك يظهر هذا
الانضباط العالي في موقف الإمام سعيد بن المسيب ؛ حين جاءه رجل يسأله عن حديث نبوي
وهو مريض مضطجع، فجلس مستوياً وحدثه، فقال له الرجل: وددتُ أنك لم تتعنَ، فقال
الإمام سعيد: «إنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحَدِّثَكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم وَأَنَا مُضْطَجِعٌ»(7)؛ تعظيماً لجلال العلم، ودقةً في
التزام أعلى مستويات الأدب والانضباط.
كيف تتجاوز عقبات البيئة في طريق التحصيل؟
تكشف قصة أبي
العالية الرياحي عن قاعدة أساسية في صناعة العلماء ورجال الفكر؛ أن العلماء لا
يصنعهم توفر الظروف المواتية فحسب، بل تصنعهم القدرة على استثمار المتاح وطرق
الأبواب، فأبو العالية الرياحي لم تكن لديه بيئة مثالية، لكنه امتلك إرادةً صلبة؛ ولم يكن
يملك وقتاً واسعاً، لكنه انتزع من ساعات الخدمة وقتاً؛ ولم تكن له مكانة اجتماعية
في بدايته، لكنه امتلك همةً عالية رفعته، وهذا المعنى حاضرٌ جلياً في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: 69)؛ فالهداية إلى سبل العلم
والتمكين تأتي مقترنةً بالمجاهدة وصنع الطريق لا بانتظار التسهيلات.
ويتجسد هذا
المعنى في منهج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إذ لم يمنعه شغله بأرضه
وتجارته من تنظيم وقته وملاحقة العلم النبوي، فاتفق مع جاره من الأنصار على
التناوب يقول: «وكُنَّا نَتَناوبُ النُّزولَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّم، يَنزِلُ يَومًا وأنزِلُ يَومًا»(8)؛ ينزل أحدهما إلى النبي صلى
الله عليه وسلم يوماً ليصيب من الوحي والعلم، ثم يعود ليعلم الآخر، ويقوم الآخر
برعاية الأرض في اليوم التالي؛ ليصنعا بأيديهما طريق المعرفة وسط أعباء الحياة.
ويرسخ الإمام
علي بن الحسين (زين العابدين) هذه الحقيقة حين عاتبه نافع بن جبير لجلوسه عند زيد
بن أسلم وهو مولى، فقال له نافع: «أَنْتَ سَيِّدُ النَّاسِ وَأَفْضَلُهُمْ
تَذْهَبُ إِلَى هَذَا العَبْدِ فَتَجْلِسُ مَعَهُ؟»، فرد عليه علي بن الحسين بردِّ
العارف بقدر العلم: «إنَّما يَنْبَغِي لِلْعِلْمِ أنْ يُتَّبَعَ حَيْثُما كانَ»(9)؛
رافضاً أن تجعل المكانة الاجتماعية أو الظروف عائقاً دون أخذ المعرفة من مظانها.
قصة انتقال أبي العالية من العبودية للقيادة
تكمن عظمة القصة
في أنها لا تتوقف عند تعلم الكتابة والقرآن في بدايتها، بل تنظر إلى النتيجة
النهائية الباهرة؛ فهذا الرجل الذي أخفى تعلمه وشغفه في ظلال الرق والخدمة أصبح
لاحقاً من كبار التابعين، ومن أعلام حملة القرآن، ومن المربين الأكابر الذين
وثّقوا العلم والأخلاق ونقلوها لمن بعدهم، وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى؛ أن الظروف
الاجتماعية أو العوائق المادية قد تؤخر الإنسان، لكنها لا تملكه ولا تمنعه إذا
كانت إرادته ونيته أصلب منها.
ويؤكد هذا
المعنى حديث سالم بن عبدالله بن عمر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه
حين سأل نافع بن عبد الحارث عن مستخلفه على أهل الوادي فقال: ابن أبزى، قال: ومن
ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟! قال: إنه قارئ لكتاب
الله تعالى، عالم بالفرائض، فقال عمر رضي الله عنه: أَما إنَّ نَبيَّكُمْ صلى الله
عليه وسلم قَدْ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهَذا الكِتابِ أقْواماً ويَضَعُ بهِ
آخَرينَ»(10)؛ لتبقى العبودية قيضاً طارئاً يزول، ويبعد العلم والإيمان
صاحبه ليصنع منه حاملاً للرسالة وإماماً للأمة.
كيف يحرر تحصيل الفقه الشرعي عقل الإنسان؟
يمكن قراءة تعلم
أبي العالية الرياحي للكتابة والقرآن باعتباره أكثر من مجرد تحصيل معرفي مجرد؛ فقد
كان العلم بالنسبة له طريقاً للتحرر الحقيقي ومشرعاً للانطلاق، فقد يكون الإنسان
مقيد اليد في الظاهر، لكنه حر العقل والقلب بالمعرفة؛ وقد يكون بلا جاه اجتماعي في
أصله، لكنه يرتفع بالعلم والتقوى حتى يصبح مرجعاً يُفزع إليه في الدين والدنيا، وهذا
ما حدث لأبي العالية؛ فقد انتقل من وضع لا يملك فيه كثيراً من خيارات الدنيا إلى
مقام يجلس فيه العلماء والأمراء تقديراً لفضله وحكمته.
ويرسخ أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذه الحقيقة العظمى في وصيته الشهيرة لكميل
بن زياد، مبيناً كيف يحرر العلم صاحبه من عبودية المادة وأغلال الأسباب، قائلاً:
«العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ المَالِ، العِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ المَالَ،
وَالمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الإِنْفَاقِ.. يَا
كُمَيْلُ، مَاتَ خُزَّانُ الأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالعُلَمَاءُ بَاقُونَ
مَا بَقِيَ الدَّهْرُ»(11).
ويعبر العابد
أبو حازم سلمة بن دينار عن استغناء العلماء بعلمهم وتحرر نفوسهم عن سلطان الدنيا
حين سُئل عن ذلك، فقال: «لَقَدْ أَدْرَكْتُ العُلَمَاءَ وَقَدِ اسْتَغْنَوْا
بِعِلْمِهِمْ عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَسْتَغْنِ أَهْلُ الدُّنْيَا
بِدُنْيَاهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ»(12).
ويروي هشام بن
سليمان المخزومي كيف يصنع العلم السيادة والحرية والرفعة لأربابه بين الناس،
مشيراً إلى إجلال قريش وأشرافها لعلي بن عبدالله بن عباس: «كانَ إذَا قَدِمَ
مَكَّةَ حَاجّاً أوْ مُعْتَمِراً تَعَطَّلَتْ قُرَيْشٌ مَجَالِسَها في المَسْجِدِ
الحَرَامِ وَهَجَرَتْ مَوَاضِعَ حِلَقِهَا وَلَزِمَتْ مَجْلِسَهُ إعْظاماً
وإجْلالاً»(13)؛ ليبقى العلم والقرآن هما الوسيلة الأسمى لتحرير العقول
والقلوب، والسبيل الصادق للنبل والرفعة في الدارين.
لماذا تتشكل عظمة العلماء في الخفاء أولاً؟
تعلمنا هذه
الحادثة قاعدة قيادية أصيلة: بناء الإنسان يبدأ دائماً قبل ظهور نتائجه للعلن؛
فالناس يرون العالم حين يصبح مشهوراً ومقصوداً، لكنهم لا يرون ساعات الخفاء
والطاعة التي صنعته، ويرون الإمام متصدراً في مجلسه، ولا يرون الفتى الذي اقتطع من
راحته ونومه ليطلب المعرفة، ولهذا فإن أعظم الاستثمارات ليست دائماً ما يظهر للناس
في العلن، بل ما يُبنى ويتأسس متيناً في الظل والسريرة.
ويتجلى هذا
الدرس القيادي في التأسيس الهادئ لـ مصعب بن عمير رضي الله عنه؛ إذ كان يكتتم
بإسلامه وتلقيه في بداياته خشية قومه، حتى إذا اكتمل بناؤه اختاره النبي صلى الله
عليه وسلم وسماه أهل المدينة «المقرئ»، وحين بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم معاذ ابن عفراء، ورافع بن مالك أن ابعث إلينا رجلا من قبلك يفقهنا، فبعث مصعب
بن عمير، فنزل في بني تميم على أسعد يدعو الناس سرا، ويفشو فيهم الإسلام ويكثر، ثم
أقبل مصعب وأسعد، فجلسا عند بئر بني مرق، وبعثا إلى رهط من الأنصار، وكان يُصلي
بهم ويُقرئهم ويُعلمهم الدين حتى «لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ
إِلاَّ وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ»(14).
ويؤكد الإمام
سعيد بن المسيب أثر الاستمرار في البناء الداخلي والتلقي الصامت قبل التعجل
للظهور؛ إذ لزم الخلوة والمكابدة عقوداً في طلب العلم بعيداً عن أضواء التصدر، حتى
استوى بناؤه وصار مرجع أهل المدينة، موضحاً مسيرته في دأب الطلب والخفاء بقوله:
«إنْ كُنْتُ لَأَسِيرُ الأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ
الوَاحِدِ»؛ فلما اكتمل بناؤه العلمي أضحى «عالم المدينة» الذي قال فيه بَصِير بن
جابر: «مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَعْلَمَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ»(15).
أبو العالية الرياحي .. العالم الذي صنعته الهمة قبل أن تصنعه المكانة
تكشف هذه السيرة العطرة أن أبا العالية الرياحي لم يصبح عالماً لأن الظروف خدمةً أُتيحت له، بل لأنه خدم هدفه وغاية وجوده رغم صعوبة الظروف؛ فقد بدأ أبو العالية الرياحي طالباً خفياً، وانتهى إماماً مظهراً، وبدأ بلا مكانة اجتماعية تُذكر، وانتهى صاحب مكانة علميةٍ مرجعية، وبدأ يكتب القرآن في ثوبه بعيداً عن أعين الناس، وانتهى يحمل نور العلم للدنيا والأجيال، وهكذا يُبنى العالم الرباني: لا بالظروف والمكتسبات التي تُمنح له، بل بالإرادة العلية والهمة الصادقة التي يحملها بين أضلاعه.
ويتجسد هذا
المعنى جلياً في سيرة التابعي الجليل مكحول الشامي؛ إذ كان عبداً مملوكاً، فلم
يرتهن لواقع رقه أو مكانته المتواضعة، بل جاب الأقاليم والبلدان بعزيمةٍ جبارة
يطلب آثار الصحابة حتى صار إمام الشام وعالمها الفذ بلا منازع.
ويعبر العابد مالك بن دينار عن هذا النبل الذي تخلقه الهمة القلبية الخالصة بعيداً عن المظاهر، موضحاً الفرق الحاسم في إقبال الطالب على المعرفة: «إنَّ العَبْدَ إذا طَلَبَ العِلْمَ لِلْعَمَلِ كَسَرَهُ عِلْمُهُ، وإذا طَلَبَهُ لِغَيْرِ العَمَلِ زَادَهُ فَخْراً وتَطَاوُلاً»(16)؛ لتظل الهمة الإيمانية الصادقة هي المحرك الأول لكل ارتقاء، والشرارة الحقيقية التي تصنع العلم والعلماء.
الهوامش
- 1 أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي: مولى لامرأة من بني رياح، ولد في الجاهلية وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، كبار التابعين، ومن أئمة القراء والمفسرين والمحدثين بالبصرة، اشتهر بالطلب والعلم، والعناية بالقرآن تفسيراً وإقراءً، ووفور الحديث والفقه، سكن البصرة وتوفي بها سنة 90هـ (وقيل: 93هـ).
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 208).
- 3 أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (6116)، والدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (1893)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1581) جميعا بلفظه، والطبراني في «المعجم الأوسط» (5171) بلفظه دون قول مسعر.
- 4 إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة (16/ 501).
- 5 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 94).
- 6 كتاب صفة الصفوة (2/ 35).
- 7 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/ 409).
- 8 أخرجه مسلم (1479)، وابن حبان (4187)، والطبراني في «مسند الشاميين» (3227) بمعناه.
- 9 كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 138).
- 10 أخرجه مسلم (817)، وابن ماجه (218)، وأحمد (232) جميعهم مطولاً.
- 11 أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (1/ 79)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 182)، وسبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص»، ص389، باختلاف يسير.
- 12 إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (1/ 431).
- 13 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (21/ 36).
- 14 سير أعلام النبلاء (26/ 239).
- 15 المرجع السابق (4/ 218).
- 16 المرجع السابق (5/ 362).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً