نساء في ذاكرة الرسالة (3)
السيدة زينب أم المساكين رضي الله عنها
يقولون: «المرء
مخبوء تحت لسانه»، ونستأذن لنضيف: «وأيضًا خلف سلوكه»، وبين مواقفه فلئن كان المرء
مخبوءًا بين جلده طالما ظل صامتًا فإذا تكلم دلَّ الناس عليه، قائلًا: ها أنا ذا،
فإن سلوكه وتصرفاته هي التي تُطالع الناس بصالحه وطالحه.
وهذه السيدة
هامت وَجْدًا بتعهد أحوال المساكين، فكانت رحمتها بهم تستأثر بجوانب فؤادها،
وشفقتها عليهم تأخذ بمكامن عقلها، فلم تفتر يومًا عن صدقتها عليهم، حتى عرفها
التاريخ وعرفناها منه بأم المساكين، وأغلب الظن أن السيد القارئ قد هتف الآن: هي
أم المؤمنين السيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها.
أصبتَ، فهي زينب
بنت خزيمة بن الحارث بن عبدالله بن عمرو الهلالية(1)، أم المساكين كما كانت
تُلقب في الجاهلية(2).
كانت مولعة
بالتصدُّق على المساكين وإطعامهم، وهي ما زالت على دين قومها، فلم يكن داعي الله
صلى الله عليه وسلم قد صدح مناديًا بدعوته بعد.
ولئن أخبرنا
التاريخ -من بين القليل جدًا الذي أخبرنا به عنها- بأنها سميت بأم المساكين في
الجاهلية، وأنها ولدت قبل البعثة الشريفة بثلاث عشرة سنة، إذن فقد كانت فذّة في
أخبارها مع المساكين، حيث تفتحت على جودها المشرق، ونفقتها الرائعة منذ أدركت ما
يدور حولها وهي ما زالت تدرج في سِني الصِّبا.
وإذا كان هذا
شأنها قبل الإسلام، فكيف بشأنها لمّا أجابت داعي الله إلى دعوته التي تحضُّ على
الصدقة، وتَفقُّد حاجات المساكين حضًا قويًا؟ لا ريب أنها لاقت راحة نفسها، واتسعت
المساحة لعمل موهبتها.
وتعالوا نقف هنا
نلتقط الأنفاس نهز الرؤوس يمنة ويسرة هزًا سريعًا، ونحن نبذل محاولة نشعر بفشلها
منذ البداية عندما نريد أن نجيب عن السؤال القائل: وكيف بشأن أم المساكين لما منَّ
عليها قدر الله الجميل وغدت أماً للمؤمنين؟ وباتت زوجًا للداعي إلى الله، وتسمعه
في مصبحه وممساه يدعو إلى ما يروق إليها، وتأنس إليه، فتارة تسمعه يقول صلى الله
عليه وسلم: «أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورًا، أو تقضي عنه دينًا، أو
تطعمه خبزًا»(3).
وتارة تسمعه صلى
الله عليه وسلم، يقول: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات، وأهل
المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة»(4).
وتتوهج موهبتها
في نفسها، وتنصت إليه صلى الله عليه وسلم، يقول: «أيما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على
عرى، كساه الله تعالى من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع، أطعمه الله
تعالى من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقا مسلمًا على ظمأ، سقاه الله تعالى يوم القيامة
من الرحيق المختوم»(5).
وكأننا بها ترفع
بصرها إلى السماء خاشعة ضارعة، وهي تردد قوله الشريف: «إن في الجنة غُرفًا، يُرى
ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وأفشى
السلام، وصلى بالليل والناس نيام»(6).
أجل، كيف صارت
الحال بأم المساكين لما صارت أُمًّا للمؤمنين؟
أشعر بمسؤولية
الإجابة عن هذا السؤال ينوء بها ظهري، ولا سيما وأن التاريخ كان ضنينًا في تسجيل
أخبارها؛ لذا سأقول ما أفهمه، ثم أدع القارئ يطلق العنان لخياله الخصيب ليجيب.
ما أفهمه أنها
رضي الله عنها كانت إذا نُشرت أستار الظلام، وأُرخيت على مكة سدوله، أرسلت من يطوف
على دور المساكين، حاملًا إليهم مما تحب هي، وكانوا هم يؤمون دارها ملتمسين حظًا
من نفقتها وجودها.
ألم أقل لكم: إن
التاريخ ضنَّ بأخبار السيدة على السالكين لطريق الحياة؟ ضنَّ علينا حتى بذكر اسم
أمها صراحةً، واكتفى بقوله: «كانت أخت ميمونة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم
لأمها..»(7).
يعني التاريخ
أنها توفيت في العام الرابع الهجري، وتزوج صلى الله عليه وسلم أختها ميمونة في
العام السابع الهجري، وعلينا إذًا أن نقلب في ذاكرته عن أم السيدة ميمونة، فنجدها
هند بنت عوف بن الحارث الحميرية (ولا يُعلم امرأة في العرب كانت أشرف أصهارًا من
هند بنت عوف أم زينب وميمونة وأخواتهما)(8)، وكان يُقال: أكرم عجوز في
الأرض أصهارًا هند بنت عوف.
وأخوات ميمونة
لأبيها وأمها: أم الفضل لبابة الكبرى أم بني العباس بن عبدالمطلب، ولبابة الصغرى
أم خالد بن الوليد، وعزة بنت الحارث، وأختهن لأمهن: زينب بنت خزيمة بن الحارث بن
عبدالله الهلالية، وأسماء بنت عميس زوج الشهيد الطيار جعفر بن أبي طالب، خلف عليها
أبو بكر الصديق، ثم علي بن أبي طالب، وسلَّامة بنت عميس زوج عبدالله بن كعب(9).
وعلينا أن نلتمس
للتاريخ عذرًا في ضنِّه علينا بأخبار أم المساكين، فربما رجع ذلك إلى قصر مدة
مكوثها في البيت النبوي الشريف زوجة لصاحبه صلى الله عليه وسلم، فقد قيل: لم تلبث
عنده صلى الله عليه وسلم إلا شهرين أو ثلاثة وماتت(10)، وقيل: فمكثت
عنده صلى الله عليه وسلم ثمانية أشهر(11).
كما أنها لم
تروِ من أحاديثه الشريفة شيئًا، مما صرف عنها التاريخ بكتابه ومؤرخيه، حتى إنه لم
يقطع بصحة الروايات القليلة التي سجلها لنا عنها، وعرضها متمايزة حينًا ومتناقضة
آخر.
فإذا أكد لنا
أنها دخلت إلى البيت النبويّ اُمًّا للمؤمنين بعد حفصة بنت عمر رضي الله عنهما،
فلم يؤكد تسمية الرجل الذي خلفه النبيّ صلى الله عليه وسلم عليها، فقيل: كانت عند
الطفيل بن الحارث بن عبدالمطلب، فخلفه عليها أخوه عبيد بن الحارث ابن عم النبيّ
صلى الله عليه وسلم استشهد في «بدر».
وقيل: كانت عند
الطفيل بن الحارث بن عبد مناف، فخلف عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقيل: كانت عند
عبدالله بن جحش، فاستشهد في «أُحُد»، فخلف عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقيل غير ذلك،
وكذلك تباينت الروايات فيمن تولى زواجها منه صلى الله عليه وسلم: قال ابن سعد في «طبقاته»،
وابن حجر في «الإصابة»: فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسها، فجعلت
أمرها إليه، فتزوجها في شهر رمضان 3هـ.
وقال ابن هشام
في «السيرة»: زوَّجه إياها عمها قبيصة بن عمرو الهلالي، وأصدقها صلى الله عليه
وسلم أربعمائة درهم.
ولم يوقفنا
التاريخ على أخبار لها داخل البيت النبوي، بيد أنها كانت تحب شيئين؛ المساكين،
واللون الهادئ من الحياة، قانعة بما قسم لها من شرف المأوى في رحاب النبي صلى الله
عليه وسلم، موقنة أن للحياة أهدافًا تأتي بعدها وعليها ألَّا تضيعها، تترقب الأجل
القريب، وتتلقاه بإخلاص وهدوء يتضوعان من عبادتها، وتنحّي عنهما غيرة الضرائر
واهتمامات النساء.
وكان الأجل قريبًا، فما إن دخلت الدنيا في السنة الرابعة من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم ودخلت هي في الثلاثين من عمرها(12) حتى غدت تباريح الشوق إلى هناك بقلبها الشفوق على أشدها، فأذن الله لها أن تصعد وتروي ظمأ شوقها، وصلى عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم، ودفنها بالبقيع، فكانت أول من ثوت من أُمَّهات المؤمنين تحت أطباق ثرى البقيع الطيب.
الهوامش
- 1 طبقات ابن سعد (8/ 115)، والإصابة (11236)، وأسد الغابة (6961).
- 2 طبقات ابن سعد (8/ 115).
- 3 رواه أبو الدنيا في قضاء الحاجات، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1096).
- 4 حديث صحيح: رواه الحاكم عن أنس، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3689).
- 5 حديث حسن: رواه أبو داود (1682)، والترمذي (2449).
- 6 رواه ابن حبان في صحيحه، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (1/ 396).
- 7 أسد الغابة (9691)، والإصابة (11236)، وطبقات ابن سعد (8/ 115).
- 8 طبقات ابن سعد (8/ 115)، تهذيب الكمال (1/ 204).
- 9 المرجعان السابقان.
- 10 الإصابة (11458)، أسد الغابة (6961).
- 11 طبقات بن سعد (8/115)، تهذيب الكمال (1/ 204).
- 12 طبقات بن سعد (8/ 115)، الإصابة (11458).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً