أريد أن أكون صحابياً!
هل سمعت يوماً
ما طفلاً يقول: أريد أن أكون صحابياً؟!
السؤال يفتح باب
الحديث عن القدوة في حياة أبنائنا، الذين كثيراً ما يتشبهون بالنجوم والمشاهير
والمؤثرين ولاعبي الكرة، وأحلام الواحد منهم أن يكون مثل اللاعب الفلاني، أو
المطرب العلاني، أو «اليوتيوبر».. وهكذا.
قلما تجد من
يريد أن يكون في المستقبل داعية، أو عالماً، أو مفتياً، أو فقيهاً، أو مؤرخاً، أو
كاتباً، أو مفكراً، أو مجاهداً، أو صحابياً!
سمعت في صغري
قصة لم أتحقق من مدى صدقها، تقول: إن طفلاً مسلماً لأسرة تعيش في دولة أوروبية،
سألته معلمته عن حلمه في المستقبل، فأجاب بتلقائية بأنه يريد أن يكون صحابياً، وهي
الإجابة البليغة التي استرعت انتباه المعلمة، وأوقدت داخلها رغبة قوية لتنقب عن
معنى الكلمة؟ ومن هو الصحابي؟ وما سماته؟ لتعرف لاحقاً الطريق إلى اعتناق الإسلام.
مدرسة الصحابة
السؤال يتكرر في
ذهني، لكن بصيغة أخرى، هل فكرت يوماً ما في أن يكون طفلك صحابياً؟ أو بمعنى آخر،
هل سعيت إلى أن تُخرج ابنك من مدرسة الصحابة رضوان الله عليهم؟
نحن نتسارع كل
يوم في مضمار اللحاق بالمدارس الدولية والغربية (International Schools)، والجامعات البريطانية والأمريكية، والأكاديميات الأجنبية، ونلهث
وراء الحصول على درجة علمية ذات مرجعية غربية، وقد ننفق جل وقتنا ومالنا في سبيل
تحقيق تلك الغاية.
لا نقلل من شأن
العلم الدنيوي، أو قيمة تلك الدرجات العلمية، بقدر ما نريد توجيه البوصلة نحو
مدرسة أخرى، أعظم قدراً وقيمة، هي مدرسة الصحابي، وقد ذكره تعالى، فقال: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ
إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ
إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) (التوبة: 40)، وقوله عز وجل: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 100).
عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، رَضِيَ الله عَنْهُمَا، قَالَا: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي
فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ
ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (صحيح مسلم)، وقال الله
صلى الله عليه وسلم، مادحاً عمر بن الخطاب: «إنَّ اللهَ جَعَل الحقَّ على لِسان
عمر وقَلْبه» (رواه الترمذي).
هذه المدرسة
العالمية، كان لها الفضل في تخريج عظماء وأبطال حملوا مشعل الإسلام إلى بقاع
الدنيا، فكان منهم الخليفة والمجاهد والعالم والفقيه والزاهد، أولئك أصحاب محمد صلى
الله عليه وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة؛ أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلَّها
تكلّفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على
أثرهم، وتمسَّكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم
(ابن عبدالبر: جامع بيان العلم وفضله).
كيف تكون صحابياً؟
لكي يحصل طفلك
على مؤهل دراسي عال ودرجة علمية رفيعة من مدرسة الصحابة، لا بد أن يجتمع في قلبه
محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيمهم وتوقيرهم وتكريمهم والاقتداء
بهم، وحرمة بغض أحد منهم؛ عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (رواه البخاري)، وقوله صلى
الله عليه وسلم: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي
أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله
ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه» (رواه أحمد).
ومن صور حب
الصحابة مُدارسة سيرهم وتاريخهم، ومعرفة مآثرهم، وتقفي آثارهم، والاقتداء بهم،
يقول الإمام أيوب السختياني: «من أحب أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد
استوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب علياً فقد استمسك
بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد برئ من
النفاق».
صور عصرية للتأسي بالصحابة
من صور التأسي
بالصحابة التسمي بأسمائهم، وليعرف الطفل موقفاً جميلاً وبطولياً لصاحب الاسم الذي
تسمى به، فهذا حمزة أسد الله، وهذا جعفر الشهيد الطيار، وخالد سيف الله، وأبو
عبيدة أمين الأمة، فيتعلق به فؤاده، ويوقن أنه يحمل اسماً من أسماء عظماء هذه
الأمة.
لنطلق أسماء
الصحابة على الشوارع والأحياء والمدارس، ولننظم بطولات ومسابقات تحمل أسماءهم،
ودورات تدريبية وعلمية للاستفادة من سيرهم وبطولاتهم وغزواتهم وفتوحاتهم، ولنصنع
محاضن تربوية تعلم النشء كيف يتخذون من نبيهم وصحابته قدوة حسنة.
وعلى المستوى
الرقمي، يمكن إطلاق مواقع ومنصات إلكترونية تحمل أسماءهم، وصفحات على وسائل
التواصل الاجتماعي توثق أقوالهم ومواقفهم وبطولاتهم، وصناعة محتوى رقمي يعرض
تاريخهم بكافة اللغات، ويترجم إنتاجهم الإنساني والحضاري إلى لغات العالم، وابتكار
تطبيقات بالذكاء الاصطناعي للتواصل مع سيرهم، ومحاكاة قيمهم ومواقفهم في واقعنا
المعاصر.
بإمكان كل أم
وأب أن يغرس بذرة حب الصحابة في قلوب أبنائهم، لترتوي هذه الشجرة الطيبة، فتثمر
بحول الله وتوفيقه جيلاً يسير على خطى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، ويعيد
استنساخ عصر العظماء، فيخرج من صلب هذه الأمة في قرنها الحادي والعشرين، رجال بدر،
وبواسل الخندق، وأشاوس خيبر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً