السياحة الهادفة

د. يوسف السند

18 يونيو 2026

92

السياحة الهادفة

لقد كانت تجربة ثرية غنية تحمل معاني الدعوة والسياحة المتميزة بهدف فيه من الإمتاع والتجديد والإبداع؛ حيث انطلقنا من سراييفو البلد المسلم العريق الذي يحمل ذكريات الحرب والتحدي والثبات والانتصار حيث المساجد الثابتة والمآذن الشامخة العبقة بالأذان الذي يؤكد معاني التوحيد والإسلام الخالد العظيم.

والتقينا بإخوة أكارم من مقدونيا حيث كان الحديث في مطعم من المطاعم الشعبية الجميلة في مدينة سراييفو، ودار الحديث حول أنشطة الدعوة الإسلامية في أوروبا.

وكانت رحلتنا السياحية الدعوية عبر سيارة يقودها أخ ماهر بالطرق له تجارب في السفر، حيث انطلق بنا إلى كوسوفا البلد المسلم الذي تحمَّل الكثير من زلزال البأساء والضراء للحفاظ على هويته المسلمة، ثم انتقلنا إلى صربيا حيث رأينا إخواننا المسلمين وزرنا بعضهم في بيته، وقد تُوّجت هذه الزيارة بمحاضرة في الكلية الإسلامية في صربيا.

ثم سرنا نحو ألبانيا البلد المسلم ذي الغالبية المسلمة الذي عانى البلاء من الشيوعية المجرمة، وقد استأذنا إمام مسجد بإلقاء خاطرة؛ فأذن لنا مشكوراً، وقد قام أحد الإخوة الألبان بالترجمة جزاه الله خيراً.

ثم انطلقنا إلى بلد جميل وهو الجبل الأسود أو مونتينيغرو، وعاصمته «بودغوريتسا»، حيث يطل على بحر جميل تتخلله مرتفعات جبلية رائعة الجمال، وقد لفت أنظارَنا مسجدٌ ذو قبة ذهبية فذهبنا إليه، فإذا هو قد بناه أحد المحسنين من دولة الكويت.

وهذا أستاذنا محمد أحمد الراشد يرحمه الله تعالى يحث الدعاة على السياحة الثقافية الواعية ويرشدنا إلى حقائق الميادين وإلهامات المتاحف ومواعظ السياحة فيقول: «وليكن الدعاة مثلي؛ أول ما أصل إلى مدينة أركض إلى متاحف الآثار، ومتحف التاريخ الطبيعي، والمتحف العلمي، والمتحف الحربي، وأذرع شوارعها وأسواقها ماشياً، حتى المقابر أزورها، أقرأ تاريخ المشاهير من شواهد القبور.

وهذه إسطنبول، وقفتُ طويلاً عند كل أبنيتها التاريخية وأسوارها، وتجولت في أوروبا 5 مرات بالسيارة، ولذلك أعرفها شبراً شبراً، وحين كنت في إيطاليا ذهبت إلى جنوبها لأرى مدينة بومبي التي دمرها بركان فيزوف قبل ألفي سنة وترك فيها شيئاً عَجَباً.

ولما حججت أول مرة ذهبت إلى سوق عكاظ، واقتبست بعض المعاني عند سور الصين العظيم، واستلهت عاطفة في موضع مقتل طليعة المستعمرين ماجلان في جزيرة ماكتان في الفلبين على يد البطل السلطان المسلم لابو لابو».

ثم يواصل، يرحمه الله، في كتابه «منهجية التربية الدعوية» فيقول: «ووعي السلف لأهمية السياحة الهادفة كان أكثر من وعينا، ولذلك جعلوها في المنهجية التربوية، وما كانوا أهل مفاهيم رجعية مثلنا نقتصر على التلقين، ولذلك فهم الرازي صفة «السياحة» التي مدح الله بها المؤمنين في القرآن على ظاهرها، أي في قوله تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (التوبة: 112).

فذكر أن أحد تفسيرات السياحة المقصودة أن المراد من السائحين طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم، وهو قول عكرمة.

ثم قال الرازي: وأقول: للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس، لأنه يلقاه أنواع من الضر والبؤس، فلا بد من الصبر عليها، وقد ينقطع زاده، فيحتاج إلى التوكل على الله، وقد يلقى أفاضل مختلفين، فيستفيد من كل أحد فائدة مخصوصة، وقد يلقى الأكابر من الناس، فيستحقر نفسه في مقابلتهم، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة فينتفع بها، وقد يشاهد اختلاف أحوال أهل الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته، وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين» (تفسيره 162/ 16).

ليتنا ننتبه إلى هذه السياحة الدعوية الإيمانية القرآنية الهادفة، متأملين ومتدبرين الآيات القرآنية التي تحث على السير في الأرض للاعتبار والتفكر كقوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ) (الروم: 42)، (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46).

ويقول تعال أيضاً: (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ) (غافر: 21)، (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (الروم: 9).

والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة