12 صفة لـ«عباد الرحمن» في ضوء سورة «الفرقان»

غاية المسلم في هذه الحياة، هي أن يعيش حياته كاملة في تحقيق كافة معاني العبودية لله عز وجل، وملاقاته سبحانه على الإسلام غير مبدل، فيجب أن يكون محور حياته كل ما يرضي الله رب العالمين، وخير ما يدل على الطريق للصفات التي يجب أن يكون عليها المؤمن الحق، ما ورد في سورة «الفرقان» بوصف «عباد الرحمن»، فتلك الفئة التي تقوم بجملة تلك الأعمال، هي الفئة المنسوبة لاسم الله الرحمن، وقد عدد صفاتهم تيسيراً على أمة الإسلام رحمة بهم وفضلاً منه سبحانه.

يقول تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً {63} وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً {64} وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً {65} إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً {66} وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً {67}‏ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً {68} يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً {69} إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً {70} وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً {71} وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً {72} وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً {73} وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً {74} أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً {75} خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً {76} قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً) (الفرقان).

أولاً: التواضع:

التواضع يجب أن يكون سمتاً عاماً للمسلم في تعامله مع جميع الخلق، يقول تعالى في أصل خلقه: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (طه: 55)، وهو خلق رفيع لا يزيد صاحبه إلا عزاً، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ علَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ علَى أَحَدٍ» (رواه مسلم).

ثانياً: الحلم:

والمسلم حليم صبور حسن الخلق، يتحلى بقول الله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (الفرقان: 63)، سلام إعراض وتجاهل وليس رضا وترحيباً، ويعملون بقوله سبحانه: (وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {54} وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص).

الثالث: التهجد:

وقيام الليل شرف المؤمن، وهو الفرق بين مؤمن صادق الإيمان ومنافق، فتلك صلاة لا يعلم بها غير الله، تتسم بصدق الخشوع بعيداً عن صخب الناس والنهار.

الرابع: الخشية من المصير:

والاطمئنان للمآل لا يكون إلا من جاهل مغتر بربه، فالمسلم دائماً بين حالتين؛ الخوف والرجاء، يقومون بالأعمال الصالحة وهم خائفون من عدم القبول، ثم يزيدون مع رجاء القبول كما قال الله تعالى عنهم: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ {60} أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون).

الخامس: الوسطية في الإنفاق:

يقول تعالى في طريقة الإنفاق: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) (الإسراء: 29)، فلا يشتري المسلم السلعة لمجرد سد شهوة الشراء، وفي ذلك يقول عمر رضي الله عنه: كفى سرفاً ألا يشتهي الرجل شيئاً إلا اشتراه فأكله(1).

السادس: البعد عن الشرك:

الشرك بالله من أكبر الكبائر، وهو ما لا يعفو عنه الله عز وجل، فيقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء: 116)، وعن عبدالله بن مسعود أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تدعو لله نداً وهو خلقك..» (رواه البخاري).

السابع: اجتناب القتل:

النفس في الإسلام مصونة ومعصومة من القتل إلا بحقه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (رواه الشيخان)، وتلك الجرائم حين ترتكب في المجتمع تفسده، وتفقده أمانه وعوامل استمراريته، وتغير هيئته التي خلقه الله عليه، وينتشر الدنس الذي لا يليق بمجتمع مسلم طاهر يعمل تحت راية الوحدانية، فلا يجوز معها إلا القصاص العادل كي يرتدع الباقون فيحفظ المجتمع.

الثامن: النزاهة عن الزنى:

الرجل بطبيعته يميل إلى النساء، لكنه لا يباح له الزنى، لكنه في ذات الوقت حلل له الزواج بأكثر من واحدة، فإشباع الغريزة مباح في الشريعة الإسلامية، وبعضها مأمور بها شرط أن تكون بسبيل الطهر والعفاف، ولذلك فقد وضعت الحدود لحماية الأسر والمجتمعات من السقوط في جرائم اختلاط الأنساب والخيانة.

التاسع: التوبة:

جعل الله عز وجل باب التوبة مفتوحاً على الدوام، ما دام الإنسان على قيد الحياة، ويفرح الله تعالى بتوبة عبده، ويأمر بها خلقه، فيقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: 222).

العاشر: الترفع عن حضور مجالس الزور واللغو:

خطورة حضور مجالس الزور أنها اعتراف بانتزاع الحقوق من أهلها وإعطائها لمن لا يستحقها، فهو شهود للظلم ورضا به، ولذلك قرنه الله تعالى بالشرك، فقال تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) (الحج: 30)، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت» (رواه البخاري، ومسلم).

الحادي عشر: قبول المواعظ:

ومن صفات المسلم أنه يتعلم ويتعظ من مواقف الآخرين، ولا يقع في الخطأ بالضرورة كي يتعلم منه، ويسمع للنصح إذا نصحه أحد، والقرآن وجه النبي صلى الله عليه وسلم وخاطبه قائلاً: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) (الأحزاب: 1)، ووصف الكافر الذي لا يستمع بالبهيمة: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (الفرقان: 44).

الثاني عشر: الابتهال إلى الله تعالى:

وفي الدعاء تتحقق العبودية لله والخضوع له والتذلل بين يديه والشعور بالحاجة لربه سبحانه، وهو مأمور به؛ (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ {55} وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف).





___________________

(1) أخرجه عبدالرزاق في تفسيره (2/ 71).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة