الرحلة المباركة

الرحلة المباركة

بدأت وفود الحجاج تزحف من أركان الأرض ملبية مكبرة مهلهلة «لبيك اللهم لبيك»، من أدغال أفريقيا وأعماق آسيا وثلوج أوروبا خرج المسلمون والمسلمات في رحلة طويلة ينشدون بيت الله؛ (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج: 14).

رحلة مضت عليها مئات السنين، والمسلمون لا يزالون على الطريق، الحر والبرد والجوع ومخاوف الطريق وآلام السفر لم تصرفهم عن قِبلتهم؛ فالمتعة عالية والسعادة كبيرة، وفي سبيلها يهون كل شيء.

فالجنة حُفَّت بالمكاره، والنار حُفَّت بالشهوات، إن الرحلة إلى بيت الله هي رحلة التاريخ كله، وهي رحلة الدنيا كلها، رحلة بطول الزمان وعرض المكان، رحلة ستظل قائمة ما قامت الأرض، لكل أبناء الأرض.

رحلة الاغتسال والطهر والصفاء والحب، اغتسال الإنسان من آثامه وعصيانه لله، وتطهُّره من آثامه في حق الناس، الناس جميعًا..

ثم يخرج من دنياه متجردًا من ثيابه إلا ما يستره، ويندمج في الناس جميعًا في موكب تُلغى فيه الطبقات والدرجات، وتطوف أرواحهم في موكب ملائكي كبيرٍ.

يمضي رَكبهم مع إبراهيم وإسماعيل، وينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر.

هؤلاء كانوا على هذا الطريق، ويمضي الموكب الكبير على طريق أم إسماعيل عَدْوًا بين الصفا والمروة، في لهفةٍ إلى رحمة الله كلهفة الأم التي روَّعها عطش صغيرها، ويمضي الموكب إلى القمة العالية، إلى عرفة، ويتمثلون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه يقف فيهم خطيبًا، يُجدد نشاط أمته، ويبعث فيها الحياة.

ويمضي الموكب على الطريق من نسك إلى نسك، وبقوة يندفع الحجيج إلى حيث يتمثَّل الشيطان والشر والإثم والبغي في الرمي، فيقذفونه بحجارة ويقصفونه بقوة حتى يتخلصوا من سلطانه وإغرائه.

ويمضي الرَّكب على الطريق، ويلتقي بسيد الطريق، سيد البشر، أستاذ العالمين، ومُعلّم الناس، القائد الإمام حبيب قلوبنا ونور وضياء نفوسنا، سيدنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ويكون اللقاء الكبير، ويعود الحجيج رحمة الله تحفُّهم على الطريق، يعودون بحياة جديدة كأنهم وُلدوا ليومهم، يعودون لمواصلة مسيرة الحياة على الطريق السوي.

أسعد بها من رحلة! وأسعد بهم من رجال ونساء! فعلى بركة الله سيروا، والجميع معكم بقلوبهم وعواطفهم ودعائهم(1).

الهوامش
  • 1 نُشر بالعدد (43)، 16 ذي القعدة 1390هـ/ 12 يناير 1971م، ص3.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة