الهند.. المسلمون في البنغال الغربية في خطر

جمال خطاب

10 مايو 2026

123

الهند.. المسلمون في البنغال الغربية في خطر

استيقظت ولاية البنغال الغربية على زلزال سياسي متطرف لم تشهده الولاية منذ عقود، لم يكن فوز حزب بهاراتيا جاناتا المتطرف بـ207 مقاعد مجرد تبدل في الأدوار السياسية بينه وبين حزب ترينامول كونجرس (TMC)، بل كان إعلاناً عن حقبة من التطرف الهندوسي المدعوم بقوة السلطة المركزية المتطرفة الغاشمة، فلأول مرة منذ عام 1972م، تصبح الولاية محكومة بذات الحزب العنصري المتطرف الذي يدير نيودلهي؛ ما منح التيارات اليمينية شعوراً بالحصانة المطلقة، لتبدأ مباشرة موجة من العنف الممنهج استهدفت المسلمين الذين يشكلون قرابة ثلث سكان الولاية.

جغرافيا الرعب.. استهداف المقدسات والرموز

انطلقت شرارة العنف من المناطق الريفية لتصل إلى قلب الحواضر، ففي قرية تشاندركوثي التابعة لمنطقة كوتش بيهار، تحولت احتفالات النصر إلى هجمات وحشية؛ حيث اقتحمت جماعات هندوسية متطرفة مدعومة من حكومة حزب بهاراتيا جانتا منازل المسلمين ودمرت ممتلكاتهم وسط صمت مريب من الأجهزة الأمنية المنحازة ضد المسلمين.

ولم تقتصر الهجمات على الأفراد، بل استهدفت الرموز الدينية لكسر الروح المعنوية للمسلمين، ففي منطقة دارجيلينج، المشهورة بهدوئها، تسلق غوغاء هندوس متطرفون مئذنة مسجد جور بوخاري، وقاموا بغرس علم الزعفران (رمز القومية الهندوسية) فوقها، مرددين شعارات جاي شري رام؛ ويعني المجد لرام، إله الهندوس، في مشهد يعيد للأذهان أحداثاً طائفية إجرامية ضد المسلمين شهدتها الهند في تسعينيات القرن الماضي.

أما في مرشدآباد، المعقل التاريخي للمسلمين، فقد تم اقتحام «العيدگاه»، وهو مصلى العيد المفتوح، وتحطيم حواجزه في رسالة واضحة مفادها أن المساحات العامة لم تعد آمنة لممارسة الشعائر الإسلامية.

من تاج محل إلى محلات البرياني

تجاوز العنف المادي كل الحدود ضد المسلمين ليصل إلى ما يمكن تسميته تطهيراً ثقافياً، ففي مدينة ديناتا، أقدم نشطاء من حركة «هندوتفا» الهندوسية العنصرية المتطرفة على إضرام النار في مجسم لضريح تاج محل نصب كمَعْلم تجميلي، والنيران التي التهمت المجسم لم تكن تستهدف البناء بقدر ما كانت تستهدف التاريخ الإسلامي للهند، حيث ردد المهاجمون شعارات معادية للإمبراطور بابر، وطالبوا بمحو أي أثر للمسلمين.

وانتقلت هذه العنصرية أيضاً إلى الاقتصاد اليومي؛ ففي دالخولا وبونجاون، تم استهداف محلات البرياني المملوكة لمسلمين، في بونغاون تحديداً، وقد واجه أصحاب هذه المحلات تهديدات مباشرة بالإغلاق أو النقل القسري بحجة قربهم من المعابد الهندوسية، في خطوة تمس عصب الحياة المعيشية وتهدد التنوع الغذائي الذي طالما اشتهرت به منطقة البنغال.

سياسة البلدوزر

في العاصمة كولكاتا، وتحديداً في منطقة نيو ماركت، ظهر الرمز الأكثر رعباً في السياسة الهندية الحديثة؛ البلدوزر، فخلال مسيرة مؤيدة للحزب الحاكم، قام بلدوزر بهدم مكتب محلي لحزب المعارضة (TMC) أمام أعين الشرطة الهندية المنحازة بفجاجة للمتطرفين الهندوس التي لم تتدخل، سياسة البلدوزر هذه ليست مجرد أداة هدم، بل هي أداة سياسية تستخدم لترهيب المسلمين في كل أنحاء الهند.

بالتوازي مع الهدم المادي الذي مارسه المتعصبون المتطرفون الهندوس ضد المسلمين، بدأت عملية هدم معنوي عبر تغيير أسماء الشوارع والمنتزهات، ففي إسلامبور، سعى كوادر الحزب الهندوسي المتطرف بهاراتيا جاناتا لتغيير اسم طريق مسجد بارا إلى طريق نتاجي بالي، في محاولة لمحو الأسماء التي تشير إلى الهوية الإسلامية للمناطق واستبدال أسماء شخصيات هندوسية بها؛ ما يعمق الشعور بالاغتراب لدى السكان المسلمين في ديارهم.

خطاب هندوسي تحريضي

ما كان لهذه الأحداث أن تتصاعد لولا الخطاب العنصري التحريضي من القيادات السياسية الهندوسية المتطرفة، سوفيندو أديكاري، الذي قاد حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي العنصري المتطرف للنصر والمخطط له ليكون رئيس الوزراء القادم، لم يخفِ نواياه، إذ صرح علانية بأنه سيعمل فقط من أجل أولئك الذين صوتوا له (في إشارة للهندوس)، معتبراً أن زمن المحاباة للمسلمين قد انتهى، وهذا الخطاب الإقصائي العنصري الفج سيحول الولاية من فضاء للتعايش إلى ساحة للصراع الصفري.

مستقبل البنغال على المحك

إن فوز حزب بهاراتياجاناتا بنسبة 45% من الأصوات يعكس تحولاً مأساوياً في وجدان الناخب البنغالي، لكن استخدام هذا التفويض الانتخابي لقمع المسلمين سيضع مستقبل الولاية في خطر.

إن الهجمات على المساجد، وحرق الرموز التاريخية، واستهداف الأرزاق، لا تبني منطقة بنغال ذهبية كما وعد الحزب ذلك المتطرف العنصري، بل تؤسس لدولة طائفية تمزق النسيج الاجتماعي، إذا استمر هذا النهج، فإن البنغال الغربية قد تتحول من منارة للثقافة والفكر إلى بؤرة دائمة للتوتر الطائفي الذي لن يسلم منه أحد.

الهوامش
  • 1 تقرير لجنة حقوق الإنسان في البنغال الغربية (2026): توثيق انتهاكات حقوق الأقليات في أعقاب انتخابات الجمعية التشريعية.
  • 2 مركز دراسة المجتمعات النامية (CSDS): تحليل تحول كتلة الأصوات وتصاعد الاستقطاب الطائفي في شرق الهند.
  • 3 صحيفة «ذا تليغراف» (كولكاتا): تغطية ميدانية لأحداث التخريب في مناطق كوتش بيهار وديناتا (مايو 2026).
  • 4 منظمة أمنستي الدولية- فرع الهند: بيان حول استخدام القوة غير المتناسبة وسياسة البلدوزر ضد المعارضة والأقليات في البنغال.
  • 5 سجلات شرطة البنغال الغربية: بلاغات متعلقة بتغيير أسماء الشوارع والاعتداء على المنشآت الدينية في شمال البنغال.
  • 6 بيانات مفوضية الانتخابات الهندية (2026): الإحصائيات النهائية لنتائج مقاعد الولاية ونسب التصويت حسب الدوائر.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة