هل تؤدي سياسات ترمب المتهورة لتصدع «حلف الأطلنطي»؟

جمال خطاب

17 مارس 2026

495

هل تؤدي سياسات ترمب المتهورة لتصدع «حلف الأطلنطي»؟

لا شك أن حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، الذي ظل لعقود حجر الزاوية للأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يواجه عواصف وجودية غير مسبوقة، والمفارقة المبكية المضحكة أن التهديدات هذه المرة لا تأتي من خنادق شرق أوروبا أو حتى من طموحات بكين وروسيا، بل بات الخطر الأكبر يتفجر من قلب القيادة الأمريكية ذاتها، فمع عودة دونالد ترمب إلى واجهة السياسة العالمية ببرنامجه «أمريكا أولًا»، يتحول التحالف الدفاعي الأقوى في العالم رويداً رويداً إلى كيان مهدد بالانهيار، وسط صراعات على السيادة، والإنفاق العسكري، وحتى على الحدود الجغرافية.

عقيدة ترمب.. التحالف كشركة مساهمة

منذ ولايته الأولى وصولًا إلى تصريحاته الأخيرة في عام 2024 و2025م، لم ير ترمب «الناتو» كحلف قائم على القيم المشتركة بين دوله أو كحلف عسكري إستراتيجي، بل كعقد حماية تجاري، وقد صرّح ترمب بذلك علنًا، غير مرة، في لقاءات جماهيرية وتصريحات نقلتها صحف عالمية مثل «نيويورك تايمز» وشبكات أخبار عريقة مثل «سي إن إن»، بأنه قد يشجع روسيا على فعل ما تريد بالدول التي لا تدفع حصتها العادلة في الإنفاق العسكري.

وهذا تشكيك في المادة الخامسة من ميثاق الحلف (الدفاع المشترك) وضرب لمصداقية «الناتو» في مقتل، لأن الحلف يقوم على الردع، والردع يعتمد على اليقين؛ وعندما يغيب اليقين، ينفرط عقد التحالف.

يقول ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد: ترمب لا يرى في «الناتو» أداة للهيمنة الأمريكية المستقرة، بل يراه عبئًا ماليًا، هذا التحول من القيادة إلى الابتزاز ينهي مفهوم التحالف الغربي كما عرفناه.

قضية جرينلاند.. نزوة أم رؤية ترمبية صدامية؟

لم تكن مطالبة ترمب بشراء جرينلاند من الدنمارك مجرد نزوة عقارية كما وصفها البعض حينها، بل كانت تجسيدًا لرؤية ترمبية جيوسياسية صدامية، فبرغم أن عدد سكان الجزيرة الضخمة التي تتجاوز مساحتها مليوني كيلومتر مربع، لا يتجاوز 57 ألف نسمة، فإن موقعها الإستراتيجي في القطب الشمالي يجعلها حاملة طائرات طبيعية جبارة ومخزنًا هائلاً للموارد النادرة.

وعندما رفضت رئيسة وزراء الدنمارك، ميت فريدريكسن، العرض ووصفته بالسخيف، لم يكتفِ ترمب بإلغاء زيارته للدولة الحليفة، بل بدأ في ممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية، وهكذا كشفت هذه الأزمة عن شرخ عميق بين أوروبا وأمريكا، فقد رأت فيه أوروبا انتهاكا للسيادة وإحياء لعقليات استعمارية قديمة تتنافى مع القانون الدولي، ومن ثم شهدت كوبنهاجن ونوك (عاصمة جرينلاند) احتجاجات واسعة رفعت شعارات لسنا للبيع؛ ما أدى إلى ظهور أمريكا بصورة بشعة متحولة من الصورة التقليدية القديمة كحامٍ للديمقراطية إلى صورة المستغل المستعمر الذي يريد الاستحواذ على أراضي ومقدرات الغير.

تهديد مباشر لكندا

كندا التي تعد تاريخياً أقرب الحلفاء للولايات المتحدة، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي الذي يمتد لأطول حدود غير محروسة في العالم، بل كشريك أساسي في قيادة نوراد (قيادة الدفاع الجوي عن أمريكا الشمالية) وعضو مؤسس في حلف «الناتو»، تتحول علاقتها مع أمريكا في ظل عقلية دونالد ترمب من شراكة إستراتيجية إلى علاقة تبعية خاضعة لمقاييس الربح والخسارة؛ ما جعل أوتاوا تواجه واقعاً دراماتيكياً وصفه المحللون بـ نهاية عصر البراءة الكندية.

لم تعد الضغوط تقتصر على التصريحات العابرة، بل تحولت إلى إستراتيجية الضغط الأقصى، ففي سياق مطالبته بزيادة الإنفاق العسكري، لم يتردد ترمب في التلويح بفرض رسوم جمركيةعقابية، بل وذهب أبعد من ذلك بالهجوم الشخصي على القيادة الكندية، وقد نقلت تقارير صحفية، منها ما ذكرته «نيويورك تايمز» و«ذا جلوب آند ميل»، أن بعض المقربين من دوائر صنع القرار في مارالاجو طرحوا أفكاراً مثيرة للقلق حول إعادة رسم التوازنات في أمريكا الشمالية، وهو مصطلح دبلوماسي مبطن يشير إلى ممارسة ضغوط تمس السيادة الوطنية الكندية مقابل الحماية الأمنية.

وهذا التحول يمثل زلزالاً في مفهوم الأمن الجماعي، يقول رولاند باريس، المستشار السابق للسياسة الخارجية لرئيس الوزراء الكندي: إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام أمن أقرب حلفائها كأداة للمساومة التجارية، فإن مفهوم التحالف بأكمله سينهار، هذا التهديد المباشر لأوتاوا يرسل رسالة رعب غير مشفرة إلى بروكسل وعواصم دول البلطيق؛ فالسؤال المنطقي الذي يطرحه الساسة في تالين ووارسو: إذا كانت واشنطن تهدد الجار الذي يشاركها القارة والثقافة والتاريخ، فما الذي يضمن التزامها بالدفاع عن حدود بعيدة في شرق أوروبا ضد التمدد الروسي؟

ولذلك اعتبرت كريستيا فريلاند، نائبة رئيس الوزراء الكندي، أن الاعتماد على الحماية الأمريكية لم يعد خياراً مضموناً، مؤكدة أن كندا يجب أن تمتلك قدراتها الخاصة، حيث إن استهداف كندا، العضو المؤسس للناتو، يضرب مبدأ الدفاع المشترك في مقتل، ويحول الحلف من منظومة قيمية ودفاعية إلى شركة حماية تبتز أعضاءها؛ ما يمهد الطريق لتفكك العقد الذي ربط ضفتي الأطلسي منذ عام 1949م، ويجعل من كندا اختباراً للمصداقية فشلت فيه الإدارة الأمريكية الحالية بامتياز.

أكثر من 60% من الأوروبيين لا يثقون بأمريكا

أعرب الأمين العام لحلف «الناتو» (سواء السابق ينس ستولتنبرغ، أو الحالي مارك روته) عن قلقهما العميق من تآكل الثقة في الولايات المتحدة، واعتبرا التهديد الصادر من عضو في الحلف تجاه عضو آخر (مثل الضغط على الدنمارك أو كندا) يقوض الغرض الأساسي من وجود الناتو.

وأظهرت استطلاعات رأي أجراها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) أن أكثر من 60% من الأوروبيين لم يعودوا يثقون في أن الولايات المتحدة ستهب لنجدتهم في حال وقوع حرب.

إسبانيا تتحدى الصلف الصهيوأمريكي

اختارت إسبانيا أن تتبنى مواقف صدامية مع كل من الولايات المتحدة و«إسرائيل» في آن واحد، ففي مارس 2026م، سحبت مدريد سفيرها من «تل أبيب» احتجاجًا على ما وصفته بـحرب الإبادة في غزة والضربات المشتركة الأمريكية–«الإسرائيلية» ضد إيران، وهو قرار غير مسبوق في تاريخ العلاقات الأوروبية-«الإسرائيلية»، كما فرضت حظرًا على مرور السفن والطائرات المحملة بالأسلحة إلى «إسرائيل» عبر الموانئ والمجال الجوي الإسباني، ما دفع وزير الخارجية «الإسرائيلي» إلى وصف الخطوة بأنها معادية للسامية.

وفي تحد أقوى لترمب رفضت إسبانيا السماح باستخدام قواعدها الجوية في الجنوب لشن ضربات على إيران، وأعلنت رفضها لمطلب ترامب برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي، وهو ما اعتبرته حتى برلين وباريس ردا غير واقعي، رد ترامب كان شديد اللهجة، مهددًا بفرض حظر تجاري كامل على مدريد ونقل 15 طائرة أميركية من القواعد الإسبانية.

تمرد أوروبي صامت

ولذلك فليس من الغريب أن تقود باريس وبرلين تمرداً صامتاً لإعادة صياغة الأمن الأوروبي بعيداً عن تقلبات واشنطن، فبينما يصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاستقلال الاستراتيجي بأنه ضرورة وجودية لحماية سيادة القارة، وبدأت ألمانيا عبر خطة (تسايتِنفِندِه Zeitenwende)؛ وتعني نقطة تحول في تحول عسكري تاريخي.

ويرى خبراء، مثل أولريك فرانك من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن هذا التحرك ليس مجرد رد فعل على ترامب، وإنما اعتراف أوروبي متأخر بأن المظلة الأمريكية لم تعد مضمونة؛ ما يستوجب بناء قدرات دفاعية ذاتية ومستقلة.

مخاض عسير للاستقلال الدفاعي

دفع ابتزاز ترمب للاتحاد الأوروبي للاتجاه نحو الاستقلال الإستراتيجي، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عاد ليجدد دعوته لإنشاء جيش أوروبي موحد لمواجهة الموت الدماغي لـ«الناتو»، وترفع برلين الإنفاق الدفاعي، أما بولندا، فتسير على حبل مشدود، محاولةً استرضاء ترامب بزيادة ميزانيتها العسكرية مع الحفاظ على عمقها الأوروبي؛ ما يجعل الخروج من العباءة الأمريكية مساراً معقداً تتقاذفه الرؤى المتباينة داخل القارة.

المملكة المتحدة.. «بريكست» والارتهان لواشنطن

ابتزاز ترامب أوقع لندن في حيص بيص، فقد فقدت ثقلها في بروكسل بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وأصبحت أكثر عرضة لضغوط واشنطن، ولهذا باتت السياسة الخارجية البريطانية مجبرة على اتباع مسار دقيق؛ إرضاء ترمب لتأمين اتفاقيات تجارية، مع محاولة الحفاظ على دور قيادي في أمن أوروبا لمنع انهيار الناتو الذي تعتمد عليه بريطانيا بشكل حيوي.

المستفيد الأكبر.. موسكو وبكين

يراقب الكرملين والمكتب السياسي في بكين المشهد بابتهاج تشاجر الحلفاء حول الميزانيات والمطالبة بضم كندا للولايات المتحدة واحتلال جرينلاند

فروسيا ترى في إضعاف الناتو فرصة تاريخية لاستعادة نفوذها في شرق أوروبا دون أن تطلق طلقة واحدة، فمجرد التشكيك في المادة الخامسة يمنح بوتين ضوءًا أخضر سياسيًا بالتحرك والهيمنة.

والصين ستستغل التصدع الأطلسي لتعميق روابطها الاقتصادية مع أوروبا، مقدمة نفسها كشريك عاقل مقارنة بانتهازية ترمب.

التحالف الأوروأمريكي في مفترق طرق

إن ما يواجهه «الناتو» اليوم ليس مجرد أزمة عابرة أو خلاف سياسي بين واشنطن وحلفائها، بل هو منعطف تاريخي يهدد بإعادة رسم خريطة الأمن العالمي، فسياسات ترامب المتهورة، من التلويح ببيع الحلفاء إلى التشكيك في المادة الخامسة، تقوّض الثقة التي بُني عليها التحالف منذ الحرب العالمية الثانية، أوروبا تجد نفسها أمام خيار وجودي: إما أن تواصل الارتهان لمزاج البيت الأبيض، أو أن تتحمل عبء بناء قوة دفاعية مستقلة، مهما كانت التكلفة.

أوروبا اليوم أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما الخضوع الكامل لشروط ترمب المتقلبة، أو المضي قدمًا في طريق مكلف ومعقد لبناء قوة دفاعية ذاتية قد تستغرق عقودًا.

إنها لحظة الحقيقة؛ إما أن يثبت الحلف أنه قادر على الصمود أمام العواصف المتوقعة، أو أن يدخل التاريخ كتحالف انهار من الداخل، لا بسبب قوة خصومه، بل بسبب تهور قائد الدولة الأكبر فيه.

الهوامش
  • 1 أرشيف تصريحات دونالد ترمب عبر منصات التواصل واللقاءات الصحفية (FactCheck).
  • 2 دراسة المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) حول الثقة عبر الأطلسي.
  • 3 سلسلة مقالات Foreign Affairs حول مستقبل القطب الشمالي وأزمة جرينلاند.
  • 4 تصريحات المستشار الألماني أولاف شولتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مؤتمر ميونخ للأمن.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة