هدايات سورة «البقرة» (2)

خطورة النفاق

خطورة النفاق

إذا كانت الهداية الأولى قد كشفت أن القلوب لا تُفتح أنوارها إلا لمن تهيأ لها بالتقوى، كما أشرنا لهذا في المقال السابق، فإن الطريق بعد ذلك ليس كما يُظن مفروشًا بالثبات، بل تعترضه آفاتٌ خفية، لا تُرى في ظاهر السلوك، لكنها تنخر في الداخل بصمت.

آفاتٌ لا تُطفئ النور دفعةً واحدة، بل تُبهته تدريجيًا، حتى يظن صاحبها أنه على شيء، وهو يفقده من حيث لا يشعر.

وقد لا يكون الخطر في البعد الظاهر عن الحق، بل في هذا التناقض الصامت، حين يتزيّن الظاهر بما لا يصدقه الباطن، وتُمارَس الطاعة شكلًا، بينما يفرغ القلب من حقيقتها.

وهنا يتحول المسار من فقدان الهداية إلى ما هو أشد خطرًا منها، إذ لا يشعر الإنسان بما يتسرب من داخله، ولا ينتبه لما يختل في أعماقه.

ومن هنا، نقف عند محطةٍ أخرى لا تقل أهمية، بل تزيد خطرًا.

من أخطر ما تُشير إليه هذه السورة العظيمة؛ لأن المراد هنا ليس الكفر الظاهر، بل ذلك المرض الخفي الذي يسكن القلوب دون أن يُرى وذلك في قول الله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (البقرة: 9)؛ فكلمة «يخادعون» هنا وحدها تكشف مشهدًا كاملًا، يتمثل في إنسان يعيش حياتين؛ حياة أمام الناس يظهر فيها الإيمان، وحياة في الخفاء يعيش فيها على خلاف ذلك.

لكنه لا يشعر أنه يتناقض، بل يظن أنه يُحسن الصنع، فالخداع في أصله محاولة إظهار شيء وإخفاء خلافه.

والمنافق لا يكذب فقط بلسانه، بل يُمارس الكذب على نفسه قبل غيره.

(يُخَادِعُونَ اللّهَ)؛ وهل يُخادَع الله؟ الجواب: لا، ولكنهم يتعاملون مع الله وكأنهم يستطيعون أن يُظهروا له غير ما يُبطنون، وكأن الأعمال الظاهرة تكفي، ولو كان القلب فارغًا.

ثم تأتي الصدمة في تتمة الآية: (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم) (البقرة: 9)؛ أي أن الخداع في النهاية لا يعود إلا عليهم؛ لأن الإنسان حين يُكرّر التظاهر يبدأ يصدّق هذا التظاهر.

وهنا لا بد أن نعلم أن أخطر مرحلة في النفاق ليست أن تخدع غيرك، بل أن تخدع نفسك، وأن تظن أنك بخير وعلى خير وأنت لست كذلك؛ ولهذا قال سبحانه بعدها: (وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة: 9)؛ وهذه هي الكارثة الحقيقية؛ أن يصل الإنسان إلى مرحلة لا يشعر فيها بخلله.

يُذكر أن أحدهم كان حريصًا على الظهور بصورة الصالح؛ كلامه طيب، ومظهره حسن، ويُحسن الحديث عن الدين، لكنه في خلواته يعيش حياة أخرى، ومع الوقت لم يعد يرى هذا تناقضًا، بل أصبح شيئًا طبيعيًا في نظره، وهنا يبدأ الخطر الحقيقي؛ لأن النفاق لا يبدأ فجأة، بل يبدأ بخطوة صغيرة؛ رياء بسيط، مجاملة على حساب الحق، تزيين لصورة النفس، ثم يكبر حتى يصبح أسلوب حياة.

ولهذا، لم يُطِل القرآن الحديث عن الكفار كما أطال عن المنافقين، لأن الكافر واضح، أما المنافق فمشكلته خفية تتسلل دون أن تُرى.

وفي حديثنا عن الهدايات في هذه السورة المباركة، فالهداية هنا عميقة؛ لا تسأل نفسك: ماذا يرى الناس مني؟ بل اسأل: ماذا أنا عند الله؟

لا تجعل همّك أن تظهر صالحًا، بل أن تكون صادقًا؛ لأن العلاقة مع الله لا تقوم على المظاهر، بل على ما في القلب، وكلما ازداد صدقك في الخفاء؛ قلّ خوفك من هذا المرض، وكلما اعتنيت بصورتك أمام الناس أكثر من حقيقتك مع الله؛ اقتربت من منطقة الخطر دون أن تشعر.

فالنفاق ليس كلمة تُقال، بل حالة تُعاش، فقد يكون الإنسان بعيدًا عنها أو قريبًا منها أو يسير نحوها دون أن يدري؛ ولهذا، كان الصادقون يخافون منها أكثر من غيرهم لأنهم أدركوا أن أخطر الأمراض هو الذي لا تشعر به.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة