5 عواقب وخيمة للغدر

الغدر وأثره في تفكك المجتمعات وانهيار الثقة

لقد أتى الإسلام بمحاسن الأخلاق، ونهى نهيا قاطعا عن كل خلق سيء يحمل الشر تجاه المسلمين، والتزمت الأمة بتلك الأوامر وابتعدت عن المنهيات فصنعت حضارة من أهم حضارات العالمين حيث تلتقي السماء بالأرض في شريعة تضمن سعادة الإنسان في الدارين، لكنها حين تخلت عن تلك التعاليم القرآنية والنبوية غابت شمس حضارتها، وأصبح العالم كالغابة في غياب الخلق الإسلامي.

ومن السلوكيات التي انتشرت مؤخراً فأصابت المجتمع وأفقدته الثقة الغدر، والغدار قد يكون فرد يغدر بأخيه المسلم، وقد يكون مجتمع، وقد يكون دولة تغدر بدولة أخرى كانت تتمتع بحسن الجوار، ثم ينقلب الأمر فجأة لاعتداء وتجريف للبنية التحتية للدولة الجارة والتي تحمل نفس الدين والنشأة والمصير

تحذير النصوص الشرعية من الغدر والخيانة

حذر القرآن الكريم من استغلال الدين في الغدر بالناس، فيقول تعالى: (وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (النحل: 94)، وقال تعالى: (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ {91} وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (النحل)، وفي معرض حديثه عن الخائنين يقول تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (الأنفال: 58).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به» (رواه البخاري، ومسلم)، وقال: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (رواه البخاري، ومسلم).

فالغدر مفضوح أمام الأشهاد يوم القيامة ولا نجاة لصاحبه من ذلك المصير، كما أن الغدر خصلة من خصال النفاق، وإذا اتسم الشخص بكافة هذه الخصال كان منافقا بلا جدال، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وقال ابن حبيب البصري: قال بعض البلغاء: النميمة دناءة، والسعاية رداءة، وهما رأس الغدر، وأساس الشر، فتجنب سبلهما، واجتنب أهلهما.

عاقبة أهل الغدر

1- الغادر محروم من محبة الله:

يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (الحج: 38)، فالله عز وجل لا يحب من الصفات والأخلاق إلا أطيبها وأنفعها للناس، والغدر صفة من أخس الصفات التي يمكن أن يتصف بها إنسان، حيث يضر أخيه من حيث مأمنه.

2- الغادر مخالف لسلوك الأنبياء والرسل:

المؤمن الحق لا يعرف الخيانة والغدر والمخادعة، بل هي صفات اتسمت بها أمم من قبل ولم تعرفها أمة الإسلام حتى مع عدوها، هؤلاء الذين فقد موسى عليه السلام، وخانوا الله ورسوله في المدينة حيث نقضوا عهدهم، وحالفوا المشركين، وهموا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أجلاهم من المدينة، فأي صفة تقترب من الغدر ونقض المواثيق وخيانة أخوة الدين والاعتداء عليهم، هي صفات تتعلق بالآخرين وليس بالمسلمين بحال من الأحوال، وقد وصف الله عز وجل أخلاق الأنبياء في كتابه فقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (النجم: 37).

3- الغادر يفتضح أمره يوم القيامة:

والإنسان على وجه العموم يحب التجمل أمام الناس، لكن الغادر قد حكم على نفسه بالفضح يوم القيامة حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الغادر ينصب الله له لواء يوم القيامة، فيقال ألا ترى هذه غدرة فلان» (رواه البخاري، ومسلم)، فالغادر يقف تحت راية يراها الجميع فلا يستطيع التستر أو التخفي أو الهروب من غدرته، والغدر مذموم مع الصالح والطالح، ولذا بوب البخاري حديث الغدر تحت عنوان «إثم الغادر للبر والفاجر»، فالغدر جريمة في حد ذاتها لا يمكن غفرانها

4- هو خصيم لله يوم القيامة:

فالغادر متوعد بخصومة الله يوم القيامة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» (رواه البخاري).

5- الغادر يدخل في زمرة المنافقين:

لما في الغدر من معاني الإخلاف وعدم الوفاء، الذي هو علامة على النفاق: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (رواه البخاري) والمسلم يأبى أن يحمل تلك الصفات الدنية، ويأبى أن يدنس نفسه بما يستدعي لعنه من الله وحرمانه من رحمته سبحانه، رفع الله عن الأمة البلاء والغلاء والحروب والدمار والغدر، وألهمها رشدها ووحد كلمتها.

التداعيات الاجتماعية للغدر

من المؤسف أن التخلق بالغدر لا يؤثر سلباً على الشخص الغادر وحده، ولا على الدائرة المحيطة به، بل تتسع لتشمل النسيج الاجتماعي للمنطقة بأكملها حيث تفقد الثقة في العلاقات بين الدول، والاتفاقات المبرمة لحفظ حدود وأمن كل دولة أو كل مجتمع أو كل فرد داخل هذا المجتمع، ثم تسود سياسة التبرير لعمليات القتل والتخريب والاعتداء على الأبرياء، مع العلم أن أي تبرير في هذا الخضم غير مقبول، فالخطأ في العفو عن المدانين، أفضل عند الله من الخطأ في قتل الأبرياء، وينتج عن كل هذا حالة من التربص والقلق، وفترات زمنية تالية تحركها الأحقاد والشك المتبادل.

اقرأ أيضا 

غدر بني قينقاع

النفسية اليهودية

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة