كيف فقدنا قدرتنا على التركيز؟
نتصفح كتابًا
فننسى اسمه، وما يبقى في ذاكرتنا إلا رسمه، وهكذا تمر جل أحداث يومنا كأنها رواية
تبتدئ من فصل الختام، كل عمل نبدأه، ما نلبث أن نتركه، مخلفين وراءنا فتاتًا من
ضئيل الإنجاز في كل عمل، إنجاز وأدناه بقلة تركيزنا حتى صار ما يستهوينا كأنه
ينبذنا قبل أن ننبذه نحن، فما المشكلة؟ وما حلها؟ هذا ما سنتعرف عليه في مقالنا
هذا إن شاء الله تعالى.
هل من تركيز يباع فأشتريه؟
في عرف
الاقتصاديين لكي يعتبر مورد ما اقتصاديًا، عليه أن يتحلى بخصائص خمس نجدها منطبقة
على تركيزنا، وهي:
1- الندرة: قدرة
التركيز محدودة خلال اليوم، بالضبط كما أوقاتنا خلال هذا اليوم، فبالتالي ليست
معينًا لا ينضب.
2- المنفعة:
استخدامها في العمل يعني إنجازه بكفاءة أعلى في وقت أقل.
3- القابلية
للتخصيص: يمكنك توليتها أينما شئت، لعملك، لدراستك، بل وحتى لتسليتك.
4- التكلفة
البديلة: أو ما يعرف أحيانًا بثمن الفرصة الضائعة، وهو خسرانك لأمر في مقابل حصولك
على آخر، لكن مع الأسف أغلب صفقاتنا في عالم مواقع التواصل الاجتماعي خاسرة، فنحن
نخسر أعمارنا وقدرتنا على التركيز في آن واحد.
5- القابلية
للإنتاج/الاستهلاك: يمكنك رفع جودة تركيزك بتقليل المشتتات، وقضاء أوقات أطول في
ممارسة نفس العمل، ويمكنك أيضًا استنزافه خصوصًا باستهلاك المحتوى المعبأ خصيصًا
للاستهلاك السريع لذوي قدرات التركيز المحدودة.
ولما كانت
قدرتنا على التركيز موردًا اقتصاديًا، وكنا نعيش في اقتصاداً رأسمالياً لبنة
بنيانه تسليع كل ما له قابلية للتسليع بهدف تعظيم الربح، كان لا بد لعمالقة «سيليكون
فالي» أن تنبري في الذود عن حصن الرأسمالية المنيع بتعظيم أرباحها من خلال استهداف
تركيزنا، وليس ذلك ضربًا من المخططات التآمرية، بل هو أمر واضح معلن، حيث تعتمد
صناعة مواقع التواصل الاجتماعي بأكملها على جذب انتباهنا وتحقيق الدخل منها.
فكلما بقيت
ملتصقًا بشاشتك لفترة أطول؛ تم جمع المزيد من البيانات عنك، التي تساعد بدورها في
جعل الإعلانات المعروضة لك أكثر ملاءمة لك؛ ما يزيد من فرص الضغط عليها والشراء
منها، يعقب كل هذه الدورة زيادة في تدفقات إيرادات جميع المشاركين فيها باستثنائك،
فليتك خرجت من هذه المعادلة صفر اليدين فحسب، بل قد خسرت وقتًا لن تستعيده، وأنفقت
مالًا لم يكن في حسبانك أن تنفقه.
وصف تريستان
هاريس، مصمم جوجل السابق، هذا التنافس المحموم بين شركات سيليكون فالي المختلفة
بأنه السباق إلى الفص الجبهي (وهو الجزء الأساسي المسؤول عن التركيز في أدمغتنا)، حيث
تتنافس المنصات على إثارة أقوى رد فعل عاطفي ما بين غضب، وخوف، وسرور، وأسى، لأن
هذه المشاعر تبقينا متفاعلين، وعلى هذه التطبيقات لاهين، وعن مشاغلنا ساهين، وعن
أوقاتنا متنازلين، وعلى ما مضى من أعمارنا متحسرين، ألا ذلك هو الخسران المبين؟!
أما عن نجاحها
فيكفينا إحصائية د. جلوريا مارك، أستاذة المعلوماتية في جامعة كاليفورنيا، وصاحبة
كتاب «مدى الانتباه.. طريقة رائدة لاستعادة التوازن والسعادة والإنتاجية»، التي
أبانت عن مدى الانحدار في قدرة الشخص على التركيز في نشاط واحدة لمدة من الزمن:
- في عام 2004م:
كانت هذه المدة دقيقتين ونصف دقيقة.
- في عام 2011م:
تقلصت المدة إلى 75 ثانية (قرابة الدقيقة).
- في عام 2023م:
47 ثانية (دقيقة إلا ربع تقريبًا).
أمراض وأعراض
إن تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي على مدى الانتباه تخفي في طياتها أكثر مما يمكن أن تحيط به نظرة عابرة، فقد ربطت الأبحاث الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي بمجموعة من العلل المعرفية، منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- انخفاض سعة
الذاكرة العاملة: الذاكرة العاملة نظام التخزين قصير المدى لدى الدماغ، وتكمن
أهميتها في حفظ المعلومات أثناء أداء المهام المركبة من عدة أجزاء، يتطلب إنجاز
لاحقها على الاحتفاظ لأمد قصير بمعلومات عن سابقها، وبسبب طبيعة التشتيت المستمرة
التي خلقتها فينا وسائل التواصل الاجتماعي، انخفضت القدرة التخزينية لتلك الذاكرة؛
ما جعل من الصعب الاحتفاظ بالمعلومات.
2- ضعف التحكم
المعرفي: يشير التحكم المعرفي إلى القدرة على تنظيم الأفكار والأفعال، بما في ذلك
الحد من السلوكيات الاندفاعية والتقليل من الانتقال المستمر بين المهام، لكن بحكم
كون بيئة الهواتف الذكية تزدهر عند التنقل بين تطبيقاتها بحرية، صرنا نستصحب
أنموذجها ونطبقه على حياتنا ولو بلا إرادة ووعي منا.
3- انخفاض
مهارات التفكير النقدي: بالضبط كما تفقدنا الوجبات السريعة التحضير القدرة على
إعداد وجبة كاملة، وتقضي تدريجيًا على تعقيد حاسة التذوق لدينا، فإن التعرض
لمعلومات مجزأة وسطحية في كثير من الأحيان على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن
يعيق تطوير مهارات التفكير النقدي لدينا، إن الوابل المستمر من الآراء والمعلومات
الخاطئة يمكن أن يجعل من الصعب تقييم المعلومات بموضوعية وتكوين أحكام مستقلة.
4- صعوبة
الاستغراق في العمل: غدا الاستغراق في العمل تحديًا متزايدًا في عالم تهيمن عليه
عوامل التشتيت الرقمية، إن قدرتنا في الحفاظ على تركيزنا لفترات طويلة أمر ضروري
لإنجاز أي أمر ذي بال، ووسائل التواصل الاجتماعي تقوض هذه القدرة.
وصفتم الداء.. فهل من دواء؟
يقولون: إن
الاعتراف بالداء أولى خطوات تحصيل الدواء، وقد عرفت الداء وأخوف ما أخاف عليك أن
تنكره، فكثير منا يزعم أن وسائل التواصل الاجتماعية تفيده أو حتى تسليه، وأنه لا
يقضي عليها الساعات الطوال، وأنها لم ولن تؤثر على قدرته على التركيز، ولسنا هنا لنحكم
على صحة هذه الدعوى أو بطلانها، بل الإنسان على نفسه بصيرة، وإنما أدرنا بيان
الدواء لمن ابتغى الشفاء.
1- تخل عن إدمانك تدريجيًا:
وما أبلغ ما
قاله أبو الفتح البستي في هذا المعني:
إذا فطمت امرأ
عن عادة قدمت فاجعل له يا عقيد الفضل تدريجا
ولا تُعنف إذا
قومت ذا عوج فربما أعقب التقويم تعويجا
فكثيرون منا إذا
راموا للاعوجاج تقويمًا، اتخذوا خطوات مفاجئة ودفعة واحدة، وبدافع العاطفة ينتقلون
من تمضية كامل يومهم على الهاتف إلى يوم بلا هاتف، وما أسرع ما ينقضي هذا اليوم فـ«تعود
ريمة إلى عادتها القديمة»! والأفضل من ذلك كما هو مجرب، التقليل شيئًا فشيئًا مع
تحديد وقت معين يصبو الإنسان ألا يقضي أكثر منه على هاتفه.
2- أدر ظهرك لمصدر الإلهاء:
مجرد وجود
هواتفنا معنا في نفس الغرفة يقلل من قدرتنا على التركيز بشكل ملحوظ، فأدمغتنا
منشغلة بما سيصل قبل أن يصل، وسرعان ما يرن الهاتف بإشعار ليحيي آمالًا أماتها
الانتظار ريثما يصل، فكلما كنا أبعد عن مصدر الإلهاء، كان من الصعوبة بمكان أن نمد
أيدينا إليه بين الفينة والفينة نسترق نظرة، نحسبها تستغرق لحظة، فلا نفيق إلا بعد
مضي ساعة.
3- من يعرف المطلوب يحقر ما بذل:
لسادتنا الفقهاء
عبارة بديعة تقول: «المشغول لا يُشغل»، وإن كانوا يعبرون بها عن الذمة غالبًا،
فنحن نستعيرها منهم لنعبر بها عن الإنسان عمومًا، وأن من كان لديه عمل يشغله، وعلا
لا تنال إلا بالمرهفات القواضب، لم يُشغل بسواها، لأنه بالكاد يجد وقتًا لها.
اقرأ أيضاً
-
اقتصادات
التفاهة.. كيف يحول المحتوى السطحي انتباهك لمليارات؟!
-
أسرار
التلاعب السيكولوجي في تطبيقات التواصل الاجتماعي
-
«الوكيل» والربح السريع.. هل يُدار صانعو
المحتوى من وراء الكواليس؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً