السينما فعل من أفعال السيادة على الآخرين!
في العلاقات
الدولية، يُعدّ مفهوم القوة عنصرًا أساسيًا يُميّز الساحة الدولية، ويُعرف عادةً
بقدرة جهة فاعلة على التأثير في جهة أخرى لحملها على التصرف بطريقة لم تكن لتتصرف
بها لولا ذلك،
تقليديًا، تمّ
تحديد فئتين رئيستين للقوة؛ القوة الصلبة، وتشير إلى التدخل العسكري والقسري،
فضلًا عن العقوبات الاقتصادية، وتفهم القوة الناعمة على أنها القدرة على الإقناع،
بدلًا من الإجبار، على التصرف بطريقة معينة، وهي تقوم على مبدأ الجذب، وتشمل
عمومًا كل شيء عدا القوة العسكرية والاقتصادية.
وتدخل «القوة
الناعمة» من بين تعريفات «الحرب المعلوماتية»، ويعتبرها مَنْ يُوصف بـ«مؤسس الحرب
المعلوماتية الصينية» شين ويغوانغ بأنها إجراءٌ للتأثير على النظام المعرفي ونظام
الثقة لدى الفرد للسيطرة على العدو والحفاظ على البلاد.
القوة الناعمة
تعدُّ السينما
مثالاً بارزاً على القوة الناعمة، لا سيما في ضوء التأثير الثقافي الهائل الذي
تمارسه جهات فاعلة دولية كبرى من خلالها، فهي وسيلة لفرض القيم والثقافة
والأيديولوجيا دون اللجوء إلى أي وسائل عسكرية.
هذا الفرض، وإن
كان يُشكّل في نهاية المطاف فعلاً من أفعال السيادة على الآخرين، إلا أنه لا يبدو
كذلك لغياب القوة.
السينما
الأمريكية -على سبيل المثال- متأصلةٌ بعمق ومتغلغلةٌ في المجتمع وممارساته اليومية،
فالتعرض المستمر للرموز والثقافة الأمريكية من خلال الأفلام يغمر غالبية المجتمعات
في العالم، ونتيجة لذلك، تمكنت الولايات المتحدة من ترسيخ آليات حضورها وتأثيرها،
وتشكيل سرديتها الخاصة، واستعمار السياقات الخارجية ثقافيًا.
ظهرت السينما
للمرة الأولى على يد الأخوين الفرنسيين أوجست، ولويس لوميير عام 1895م، بعدها بعام
في يناير 1896م شهدت مدينة الإسكندرية بمصر أول عرض سينمائي داخل مقهى شعبي
بالمدينة، تلاها في ذات الشهر -يناير من ذات العام- عرض آخر بمدينة القاهرة.
يرجح النقاد أن
فيلم «الدكتاتور العظيم» الذي ألفه وأخرجه وقام ببطولته شارلي شابلن عام 1940م، هو
أول فيلم ذو رسالة سياسية في التاريخ.
الفيلم قدم نقدا
لاذعًا وساخرًا وقاسيًا للنازية ولهتلر، ويعتبره المؤرخون عملاً استثنائيًا في ذلك
الوقت، حيث كانت الولايات المتحدة على علاقة ود مع هتلر.
أصدر هتلر بعدها
قرارًا بمنع عرضه في دور السينما الألمانية، حيث لفت الفيلم لأول مرة الأنظار إلى
الدور المبكر للسينما في التأثير على الرأي العام.
الفيلم السياسي
في كتابها «السينما
والسياسة: نشأة الفيلم السياسي»، الصادر عن المكتب العربي للمعارف، تساءلت د. سلوى
علي الجيار: هل كل فيلم سينمائي هو بالضرورة فيلم سياسي؟
يعتقد البعض أن «الفيلم
السياسي» هو الذي يجاهر بموقفه الأيديولوجي/الدعائي/ السياسي.
وهذا، بحسب
النقاد، ليس صحيحًا؛ حتى الأفلام ذات الفحوى الترفيهي هي في مضمونها ذات رسالة
سياسية.
بمضي الوقت، اُكتشف
أن السينما أداة ناعمة ومؤثرة في الترويج وإعادة صوغ الوعي العام أو الرأي العام، وقد
استخدمتها قوى سياسية ومجتمعية في تشويه صورة القوى الأخرى المناوئة لها.
بعد النجاح
اللافت للفيلم الروسي الصامت «المدرعة بوتمكين» عام 1925م من إخراج سيرغي
أيزنشتاين عن الاحتجاجات العمالية في مدينة سان بطرسبرغ عام 1905م (مقتل 1000 مدني
على يد القيصر الروسي في مدرجات الأوديسا)، بعد نجاح هذا الفيلم، مضى النازيون على
طريقته للدعاية عن أيديولوجيتهم، وأنتج هتلر أول فيلم سياسي دعائي «انتصار الإرادة»
على 3 أجزاء، أخرجته ليني ريفنشتال عام 1935م.
الفيلم كان عن
مؤتمر نورينبرغ لتجمع حزب العمال القومي الاشتراكي، أول عرض له كان في مدينة برلين،
حضره أدولف هتلر، وأرفع قيادات الحزب النازي.
وافتتح الفيلم
بمشهد يصور هتلر وهو ينزل من الطائرة وكأنه المُنقذ الملهم الذي ينزل من السماء
لإنقاذ الأمة الألمانية من الهلاك.
بعد فشل
الولايات المتحدة عام 1962م في إسقاط النظام الكوبي فيما عرف بـ«حرب خليج الخنازير»،
اتفق الروس والكوبيون على إقامة قواعد صواريخ نووية سرية في كوبا.
في العام نفسه، أنتج
الأمريكيون فيلم «المرشح المنشوري» (The Manchurian Candidate)، عن الحرب الباردة وحروب الجواسيس.
وتدور أحداث
الفيلم أثناء الحرب الكورية في عام 1952م عن ابن عائلة أمريكية سياسية يمينية
مرموقة يدعى رايموند شو يتعرض لغسيل مخ ليصبح قاتلاً في مؤامرة شيوعية من تحالف
مكون من الكوريين والصينيين والسوفييت.
ففي أثناء الحرب
الكورية، تقوم القوات السوفييتية بإلقاء القبض على فصيلة أمريكية ينقلونهم إلى
منشوريا في الصين الشيوعية ويقومون بعمل غسل مخ لهم وإعادتهم إلى أمريكا كجواسيس.
ساهمت هوليود كذلك
في إعادة كتابة تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية والعالم؛ فأنشأت أجيالاً
متعاقبةً استقر في خيالها الجمعي أن الهنود الحمر قبائل متوحشة، وأن الرجل الأبيض «السوبر
مان» لم يأت للاستيلاء على أراضيهم وإنما لمحاولة تمدينهم.
صورة الرجل الأسود
وفي السياق،
أعادت السينما الأمريكية تدوير صورة الرجل الأسود بوصفه جزءًا من المجتمع، وزاد
هذا المنحى في تسعينيات القرن الماضي (العشرين) بعد اعتداء شرطة لوس أنجلوس على
المواطن الأسود رودني كينج في مارس 1991م وتبرئة الشرطة للجاني، حظي مقطع الفيديو
الذي وثق عملية الاعتداء آنذاك اهتمامًا عالميًا كبيرًا، وخلف أحداث عنف في
المدينة الأمريكية بعد إخلاء سبيل الضابط المعتدي، منذ لك الحين اهتمت هوليوود بإنتاج
الأفلام التي تدين الاعتداءات العنصرية ضد السود، مثل:
1- فيلم «وقت
القتل» (A kill to time)، أُنتج عام 1996م، وتدور أحداثه حول مواطن
أسود ينتقم من مغتصبي ابنته بعد التواطؤ مع المجرمين في حل قضيتها بسبب أصوله
الأفريقية.
2- فيلم «تكريم
الرجال» (Honor Of Men) عام 2000م، عن معاناة مواطن أسود يرغب بالالتحاق
بالجيش الأمريكي فيواجه الاضطهاد.
3- فيلم «12 عاماً
من العبودية» (Slave A
years 12)، وهو سيرة
ذاتية لسلمان نورثوب الذي اختطف في واشنطن عام 1841م وبيع عبدًا.
4- فيلم «42»، إنتاج
عام 2013م، ويروي قصة التحديات القاسية التي واجهها أول لاعب بيسبول أمريكي أسود
بسبب لونه.
وعلى المستوى
الدولي، اهتمت السينما الأمريكية بتقديم تعاونها الوثيق أمنياً وعسكرياً سياسياً
مع بريطانيا و«إسرائيل» بوصفها بلادًا تشترك جينيًا مع تفوقها الإنساني؛ الرجل
الأبيض السوبر، الذي وصفه فرانسيس فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ» بـالإنسان
الأخير.
اقرأ
أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً